الجمعة 13 مارس 2026
شهد مخيم كيرياندنغو للاجئين في مقاطعة بيالي بشمال أوغندا، من 10 إلى 12 يوليو/تموز الجاري، موجة عنف استهدفت اللاجئين السودانيين، في واقعةٍ تعيد إلى الواجهة الهشاشة البنيوية للمخيمات، وتصدّع آليات الحماية الشاملة المفترضة للاجئين. وقد أسفرت عن مقتل لاجئ سوداني وإصابة ما لا يقل عن 20 آخرين بينهم أطفال ونساء، وضمن هؤلاء 4 إصابات حرجة في إحصائية أولية، نتيجة اعتداءات مباشرة بآلات حادةّ منها السواطير والعصى. رغم جهود السلطات الأوغندية لاحتواء الموقف، بما في ذلك تدخل الشرطة، يظل الذعر والاحتقان سيد الموقف، في ظل غياب حلول جذرية للتوتر الكامن بالمنطقة.
اندلعت الهجمات، التي نفذتها مجموعة من لاجئي جنوب السودان، ينتمي أغلبهم إلى قبيلة النوير، بدءا من مساء الخميس حتى السبت، وتركزت في المناطق السكنية للاجئين السودانين داخل المخيم. كما تمخض عنها موجة نزوحٍ جديد لعشرات الأسر السودانية، سواء داخل المخيم نفسه في أماكن أكثر أماناً نسبياً، أو إلى مدينة بيالي المجاورة، أو كمبالا العاصمة التي تبعد حوالي 400 كلم عن المخيم، حاملين معهم ما خفّ وزنه من المتاع، تاركين وراءهم مساكنهم وأملاكهم المهددة.
ما حدث بالمخيم لم يكن مسرحاً لحادثة طارئة معزولة، بل شهد على مدى ثلاثة ليالٍ متتالية، اعتداءات دموية ممنهجة مستهدفةً مناطق بعينها داخل المخيم. ورغم أن المشهد قد يبدو جزءاً من نزاع عارض، إلا أن طبيعة الاستهداف، وتزامن الاعتداءات، وتوزيعها الزمني والمكاني، تشير إلى نمط عنف منظم، يتجاوز السلوك الفردي، ليعكس وجود شبكات ضغط منظمة سواء داخل المخيم أو خارجه، تعمل على تأجيج التوترات وتحويلها إلى أدوات صراعات ممتدة.
زاد ما حدث يوم الجمعة من خطورة الأمر، حيث شهد المخيم استعراضاً ترهيبياً واضحاً من قبل المجموعة المهاجمة، الأمر الذي مثّل تهيئة نفسية وميدانية لتجدد العنف مساء السبت الذي أسفر عن مقتل لاجيء سوداني ضُرب بآلة حادة على رأسه في بيته. يعكس هذا الاستعراض ديناميات السيطرة والنفوذ داخل المخيم والتلويح بالقوة أو استخدامها، في ظل الهشاشة الأمنية بالمنطقة.
أكد بيان صدر عن المكتب القيادي لمجتمع اللاجئين السودانين بالمخيم، في 14 يوليو/ تموز، "أن الهجمات كانت منسقة ومخطط لها مسبقاً؛ حيث بدأت بأعداد قليلة ما بين الثلاثين والأربعين في الشهور الماضية في كلاسترات G وC وB وL إلى أن وصلت إلى أكثر من 100 فرد يوم الخميس 10 يوليو الجاري على كلاستر L شرق، ثم تطورت إلى أكثر من 400 فرد في الهجوم الأخير يوم السبت 12 يوليو على كلاستر C وB". مشدداً على "أن الاعتداءات كانت متكررة طوال الشهر الماضي، قبل أن تصل إلى هذه المرحلة، مما يدل على أن هناك من يقف ورائها".
عبرت "شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان"، في بيان أصدرتها في 11 يوليو/ تموز، عن شديد إدانتها للاعتداءات التي طالت اللاجئين السودانيين بالمخيم، مطالبةً بفتح تحقيق عاجل لملاحقة المجرمين للحد من ظاهرة الإفلات من العقاب. كما أدان "تحالف المدافعين/ت عن حقوق الانسان في السودان (Sudan Defenders)" "بشدة هذه الاعتداءات التي تنتهك حرمة الملاذات الآمنة، مؤكداً على أن المعاناة المشتركة لا تبرر الانقسامات، مطالبةً الجهات المعنية بضمان الحماية الفعالة لساكني المخيم، وتفعيل آليات الإنذار المبكر والاستجابة السريعة.
فرض حظر تجوال ليلي من الساعة السابعة مساءً حتى السابعة صباحاً، وانتشار الجيش الأوغندي في المخيم لضمان حماية اللاجئين، والتزام قيادات مجتمع النوير بالتعاون الكامل في تسليم المعتدين وضبط مثيري الفتنة
وحمّلت مجموعة "محامو الطواريء" في بيان لها صدر في 12 يوليو/ تموز، "القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن تهجير ملايين المدنيين من مناطقهم، والزجّ بهم في ظروف إنسانية قاسية بدول الجوار، نتيجة للحرب الجارية والانتهاكات الممنهجة بحقهم". كما شاركت مجموعات نسوية في إدانة الأحداث، مثل "الاتحاد النسائي السوداني" بأوغندا الذي عبّر عن تضامنه الكامل مع الضحايا وأسرهم، مطالباً بمحاسبة "قانونية لكل من شارك أو حرّض أو تستّر على هذه الانتهاكات"، مؤكداً "أن حماية اللاجئين مسؤولية أمنية وقانونية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة المضيفة والمنظمات الدولية العاملة في هذا المجال".
من جهتها، أعربت سفارة السودان في كمبالا عن قلقها البالغ إزاء ما جرى، وأكدت في بيان رسمي صدر الجمعة 12 يوليو/تموز أنها تتابع تطورات الأحداث بالتنسيق مع السلطات الأوغندية، معبرةً عن ثقتها في قدرة الأخيرة على إعادة الاستقرار إلى المعسكر. فيما أوضحت المفوضية القومية لحقوق الإنسان السودانية في بيان لها في 14 يوليو/ تموز، أن التمييز ضد اللاجئين بسبب جنسيتهم أو دينهم أو انتمائهم السياسي يعتبر انتهاكاً لحقوق اللاجئين بمبدأ القوانين والأعراف الدولية، ويؤدي إلى فقدان الثقة في الأشخاص والمؤسسات، ودعت الجهات الرسمية الاوغندية والمنظمات الحقوقية إلى أهمية التصدي للجريمة التي تعرض لها اللاجئون السودانيون ومحاسبة من المسؤولين عن جرائم استهداف اللاجئين.
في أعقاب التصعيد والسعي للتدخل الفعّال، عُقد اجتماع موسّع في 13 يوليو/ تموز ضمّ قيادات مجتمع اللاجئين السودانيين، إلى جانب حاكم الإقليم بالمنطقة بيالي، وقيادات النوير وممثلي الأجهزة الأمنية والعسكرية الأوغندية، إضافةً إلى عدد من ممثلي المنظمات السودانية والدولية العاملة في أوغندا. تمخّض الاجتماع عن فرض حظر تجوال ليلي من الساعة السابعة مساءً حتى السابعة صباحاً، وانتشار الجيش الأوغندي في المخيم لضمان حماية اللاجئين، والتزام قيادات مجتمع النوير بالتعاون الكامل في تسليم المعتدين وضبط مثيري الفتنة، وزعم الأخير بأن جذور التوتر تعود إلى النزاع على الأراضي التي يقطنها اللاجئون السودانيون حالياً. كما تم الاتفاق على نقل المصابين السودانيين لتلقي العلاج بضمانات أمنية، وتسليم تقرير طبي رسمي يسمح بدفن الضحية السوداني "كباشي" الذي قُتل جراء الاعتداء.
أبدى مجتمع اللاجئين السودانيين، قدراً كبيراً من ضبط النفس والوعي السياسي والاجتماعي. فقد تغلّب الإحساس الجمعي بوجود أطراف خفية، قد تسعى لتأجيج الفتنة بين المكونات العرقية داخل المعسكر لأغراض سياسية على ردود الفعل الانفعالية
بحلول صباح الأحد 14 يوليو/ تموز، أعلنت السلطات الأوغندية بسط سيطرتها الأمنية الكاملة على المعسكر مشيرةً إلى استتباب الأمن. كما كشفت عن اعتقال عدد من المتورطين في أحداث العنف، مؤكدةً استمرار التحقيقات للكشف عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ما حدث، والعمل على معالجتها بوسائل مستدامة تحول دون تكرارها.
في بيئةٍ تسودها الهشاشة والتوجّس، أطلقت العديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية السودانية وفاعلون مؤثرون، نداءاتٍ واسعة إلى اللاجئين السودانيين، بضرورة التحلي بالحكمة والتماسك، وتفادي الانجرار وراء أي ردود فعل عاطفية أو انتقامية، داعية إلى التعاون مع السلطات والجهات الإنسانية لبناء مناخ يسمح بتخفيف التوتر، لا تأجيجه.
فقد دعا بيان مشترك لمنظمات المجتمع المدني السوداني والجنوبي سوداني لدعوة إلى التهدئة والحماية والحوار، نُشر في 13 يوليو/ تموز، إلى وقف العنف فوراً مؤكداً على "أن العنف لا يمكن ولا يجب أن يكون وسيلة لحل المظالم"، مشدداً على الحاجة الملحة إلى حوار مجتمعي منظم بين الشعبين، مشجعاً الجميع على الترويج لرسائل التعايش وتحمل المسؤولية المشتركة بديل الغوص في التنميط القبلي، وخطاب الكراهية. وأوضح البيان أن الشعبين يتقاسمان "تاريخاً مشتركاً، وفي كثير من الجوانب، مستقبلاً مشتركاً أيضاً".
ورغم قساوة الاعتداءات وفداحة الخسائر النفسية والمادية، وما تُمثل هذه الأحداث من امتحانٍ صعب في مسيرة الصمود للاجئين السودانيين في أوغندا، أبدى مجتمع اللاجئين السودانيين، كما لاحظنا وتابعناه ميدانياً، قدراً كبيراً من ضبط النفس والوعي السياسي والاجتماعي. فقد تغلّب الإحساس الجمعي بوجود أطراف خفية، قد تسعى لتأجيج الفتنة بين المكونات العرقية داخل المعسكر لأغراض سياسية على ردود الفعل الانفعالية، ويعكس ذلك إصرارهم على المضي قدمًا في خلق بيئة قائمة على التعايش رغم ما يواجهونه من ضغوط أمنية ونفسية واقتصادية متزايدة.
ما شهده اللاجئون السودانيون، خلال الليالي الثلاث تواليًا من اعتداءات وحشية، لا يمكن اختزاله كأحداث عفوية أو طارئة، فهذه الوقائع تكشف عن مشهد مركب تمتزج فيه عدة عوامل متداخلة ضمن بيئة مشحونة أصلاً بالتوتر والهشاشة. أبزر العوامل الظاهرة للعيان، تتعلق ببيئة اللجوء في عمومه؛ حيث يأوي المخيم آلاف اللاجئين الهاربين من النزاعات، ما يعني أنه يعاني من اختناقات هيكلية حادة: ضعف في إدارة الموارد الشحيحة واكتظاظ سكاني متزايد، وضعف الأمن الداخلي بالمخيم. بالإضافة إلى ما يمكن تسميته بالفوارق الثقافية بين مكونات المجتمع اللاجئ نفسه، وبين اللاجئين والمجتمع المضيف.
في ظل هذا الواقع، تبدو الاستجابة الإنسانية غير كافية تماماً، بل وعاجزة عن استيعاب التعقيدات الثقافية والعرقية التي تتخلل تركيبة المخيم متعددة الجنسيات والإثنيات. فالتحديات لا تقتصر على توزيع الغذاء والمأوى، بل تمتد إلى إدارة التنوع، وتفكيك خطاب الكراهية، وتوفير آليات فعالة لفض النزاعات وبناء الثقة. كما تؤشر هذه الأحداث إلى معضلة أعمق تتعلق بأزمة الهوية والانتماء في بيئة اللجوء؛ حيث تُفاقِم الضغوط اليومية شعور العزلة والانقسام بين المجتمعات، في غياب سياسات واضحة، تعزز الاندماج والتماسك الاجتماعي بين اللاجئين.
يمثل ما شهده مخيم كيرياندنغو، حلقةً مأساوية جديدة في أزمة اللجوء السوداني الأكبر عالمياً، حيث فر أكثر من 4 ملايين شخص من السودان منذ اندلاع الحرب قبل 27 شهراً، فيما يُوصف بأسوأ أزمة حماية مدنية في العالم منذ عقود. أنه ليس حالةً استثنائية، بل يجسّد علامةَ تحذير من هشاشة النظام الإقليمي للحماية الإنسانية والحقوقية في القارة الأفريقية وشرقها بخاصة، حيث باتت العديد من سياقات اللجوء عرضةً لانفجارات عنف داخلي تعكس تراكمات ثقافية، وسياسات هيمنة، وتنافس على الموارد الشحيحة بالمنطقة المعينة.
تأتي في سياق أوسع من الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون في بلدان اللجوء، فقد سبق لمعسكر "أولا أولا" بإثيوبيا أن شهد انتهاكات شنيعة ضدهم، كما يعانون في مصر من الاعتقال التعسفي والترحيل القسري، وفي ليبيا من الاحتجاز والاختطاف والتعذيب، بينما يتعرضون في تشاد لأشكال متعددة من العنف. إضافة إلى أعمال عنف مختلفة تعرضوا لها، منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، في مختلف ولايات جنوب السودان، من قِبل من مواطنيه.
بين تقاعس المجتمع الدولي وتردي الأوضاع الإنسانية، يبدو أن اللاجئين السودانيين، الذين هربوا من جحيم الحرب، باتوا محاصرين في دوامة عنفٍ جديدة، لا تقل فتكًا عن تلك التي فرّوا منها قبل أكثر من عامين
كما تكشف أحداث كيرياندنغو، أن تكرارها سيؤدي إلى ترسيخ أنماط العنف كممارسة يومية داخل المخيم. لذلك فإن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على تعزيز الوجود الأمني، إنما يجب أن تشمل: إصلاحات مؤسسية وأمنية في إدارة المخيمات، وآليات فعالة للوساطة المجتمعية وفض النزاعات داخلها، إلى جانب زيادة الدعم الإنساني لتقليل الضغوط المرتبطة بالموارد والأرض. فهذه الأحداث ليست مجرد أزمة أمنية متعددة الأبعاد، بل اختباراً صعباً لأخلاقيات اللجوء وفعالية نظم الحماية. وبين تقاعس المجتمع الدولي وتردي الأوضاع الإنسانية، يبدو أن اللاجئين السودانيين، الذين هربوا من جحيم الحرب، باتوا محاصرين في دوامة عنفٍ جديدة، لا تقل فتكًا عن تلك التي فرّوا منها قبل أكثر من عامين.
تتوارى وراء مشهد العنف الذي شهده المخيم خلفيات إقليمية معقدة، وتشابكات سياسية عميقة، تلقي بظلالها على حياة اللاجئين. فالوقائع تشير إلى أن التوترات داخل المخيم لا تنفصل عن العلاقة المتأزمة بين مكونات اجتماعية، على رأسها مجتمع النوير والحكومة الأوغندية، وذلك في سياق الصراع المستمر في جنوب السودان، وما يُثار من اتهامات بشأن دعم كمبالا لنظام الرئيس سلفاكير.
هذا التوتر الإقليمي المتراكم يشكّل أرضية خصبة لاحتقان داخلي يُحتمل تأجيجه مع تنامي الحضور الاقتصادي والاجتماعي للاجئين السودانيين داخل المستوطنة. فقد يُساهم النشاط المتزايد للأخير في إثارة هواجس محلية مرتبطة بالتمدد الديمغرافي وتغيير معادلات النفوذ على الأرض، ما يفتح الباب أمام جهات ما لتغذية الانقسام واستغلال هشاشة الأوضاع لتحقيق مكاسب ذات طبيعة سياسية أو اقتصادية.
تتفاقم حساسية هذه التطورات، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أوغندا التي بدأت عملية تسجيل الناخبين خلال الشهر الجاري؛ حيث تصبح مثل هذه الساحات المهمشة نقاط ضغط مثالية في لعبة الصراع السياسي. فاللاجئون، في مثل هذه اللحظات، يتحولون من ضحايا إلى أدوات في معادلات أكبر منهم، إذ يمكن توظيف العنف ضدهم لتوجيه رسائل سياسية، أو تشتيت الأنظار عن أزمات داخلية، أو حتى لاختبار التوازنات بين القوى الفاعلة داخلياً وخارجياً. وبذلك، فإن ما حدث في كرياندونغو لا يمكن فصله عن البيئة السياسية الإقليمية المتوترة، ولا عن ديناميكيات الهشاشة الأمنية وسيناريوهات الاستثمار في معاناة الفئات الأضعف لتحقيق أهداف تتجاوزهم بكثير.
ينبه ما حدث في كرياندونغو، الجميع إلى هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مناطق اللجوء، خاصة حين تتقاطع فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية وذواكر الشعوب المختلفة ومدى التوتر بينها. السعي الجادّ لاتخاذ اجراءات صارمة تحمي حقوق اللاجئين كافة في كل الأحوال، يمثل السبيل الأهم لتفادي أي كوارث إنسانية جديدة تُضاف إلى سجل نزاعات اللاجئين المنسية في الإقليم.
تُثبت هذه الأزمة، إلى أي مدى يحمل اللاجئون معهم جراح أوطانهم، وأن مخيمات اللجوء تصبح مختبرات صغيرة لانفجار توترات قديمة وظروف غير عادلة أنتجتها أوضاع الشتات الطارئة. وستظل هذه جمرة تحت الرماد بين شعبي البلدين على الأقل، ما لم تعالج جذور التوتر القائمة.