تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

لاهوت الحظ.. الدين واللايقين في كرة القدم الأفريقية

17 يونيو, 2026
الصورة
لاهوت الحظ.. الدين واللايقين في كرة القدم الأفريقية
Share

على امتداد قرون، انشغل علماء اللاهوت بمحاولة فهم موقع الرياضة، بما فيها كرة القدم، داخل التصور الأوسع لمقاصد الله. فمن منظور مسيحي تقليدي، بدت الألعاب الأولمبية القديمة احتفالًا بالآلهة الوثنية، لا نشاطا يمكن إدراجه ضمن المجال الديني المقبول. ومع مشاركة الرياضيين عراة في تلك المنافسات، وجد البيوريتانيون المسيحيون المعرفون بالتزمت الأخلاقي بأن الرياضة برمتها تقع خارج نطاق الله، أو في الأقل خارج المجال الذي يمكن للدين أن يباركه.

لم يبدأ هذا الموقف في التحول فعليا إلا مع الثورة الصناعية وصعود الرياضات الحديثة وانتشارها، وفي مقدمتها كرة القدم. عندئذ بدأ بعض المسيحيين ينظرون إلى الرياضة لا بوصفها نشاطا دنيويا صرفًا بل باعتبارها مساحة ممكنة لتعليم الأخلاق ومنصة للتبشير الديني أيضًا. وفي السنوات الأخيرة، اتجه عدد متزايد من باحثي مجال الدين إلى دراسة الرياضة المعاصرة، ليس فقط بوصفها نشاطا واسع الانتشار جماهيريا بل باعتبارها تجربة تحمل ملامح شبه دينية، وتمثل أحد أكثر أبعاد الحياة الإنسانية حضورا وتأثيرا في القرن الحادي والعشرين.

أما في السياقات الأفريقية، فقد عكست الدراسات الإثنوغرافية التي تناولت العلاقة بين الدين وكرة القدم تنوع المشاهد الدينية في القارة وتعقيدها. غير أن القسم الأكبر من هذه الدراسات انشغل بما يُوصف عادةً بـ«السحر» أو «الشعوذة» أو «التعاويذ» الأفريقية. وقد غلب على هذا المسار البحثي خطاب نفسي ـ ثقافي يحاول فهم المنطق الديني الذي يلجأ إليه الفاعلون في كرة القدم عند تفسيرهم للمباريات ونتائجها. وبعبارة أخرى، انبرت هذه الأدبيات إلى تحليل الكيفية التي يربط بها لاعبون أفارقة بين لايقين كرة القدم بما تحمله من مصادفات وتقلبات وبين تدخل القوى الغيبية أو الإلهية.

لكن اللافت أن محاولة ترويض الشكوك الملازمة لكرة القدم عبر الممارسات الدينية لم تعد ظاهرة محصورة في أفريقيا، بل أخذت تتسع في أنحاء مختلفة من العالم. ففي البرازيل مثلًا يزداد عدد لاعبي كرة القدم المنتمين إلى الحركات الخمسينية الجديدة. وفي بلدي الأصلي، الذي يُنظر إليه عادة بوصفه مجتمعا شديد العلمنة أصبح المهاجم كاسبر هوغ مؤخرا من أوائل لاعبي المنتخب الوطني الذين ربطوا إنجازاتهم على أرض الملعب بإيمانهم المسيحي.

فكرة القدم قد تكون لعبة اعتباطية إلى حد بعيد. وفي رياضة يطارد فيها اللاعبون المجد والكبرياء ومكانًا في كتب التاريخ، يمكن للضغط أن يصبح طاغيًا. من هنا، يصف بعض الباحثين انخراط اللاعبين في الممارسات الدينية لا بوصفه نابعًا بالضرورة من تصور ميتافيزيقي بعيد عن العالم ودور الإنسان فيه، بل بوصفه استجابة لظروف واقعية وضاغطة يعيشها اللاعبون في الحاضر. وقد أُطلق على هذا السلوك اسم «البراغماتية الدينية».

هذه البراغماتية الدينية آخذة في الاتساع داخل كرة القدم العالمية. وللأسف، فإن النزعة إلى التعامل مع أفريقيا بوصفها حالة استثنائية وغرائبية آخذة في الاتساع أيضًا. ومع انطلاق كأس العالم 2026، يمكن منذ الآن استشعار ذلك الميل القديم إلى تغريب أفريقيا واختزالها في صورة جوهرية ثابتة، وهو ميل يطلّ برأسه القبيح مع كل بطولة كبرى تقريبًا. إن تحويل كرة القدم الأفريقية، بما في ذلك تأويلاتها الدينية وأشكال انخراطها الروحي، إلى «آخر» بعيد ومثير للدهشة ليس أمرا جديدا. ومع ذلك، تبدو ملامح الروتين القديم نفسها تطلّ برأسها من جديد.

فقبل أيام من انطلاق البطولة في 7 يونيو/حزيران، حضر كوفي إيدي آدامز وزير الرياضة والتعليم في غانا قداسًا في كنيسة حركة فيلادلفيا، والتمس العون الروحي للنجوم السوداء قبل مشاركتهم في كأس العالم 2026. وما إن ظهر في الكنيسة حتى سارعت بعض وسائل الإعلام إلى السخرية من ممارسته الدينية، وقدّمت الزيارة، على نحو مضلل، كما لو أنها تعبير عن خصوصية إفريقية استثنائية، لا عن نزعة أوسع في كرة القدم العالمية.

انبرت هذه الأدبيات إلى تحليل الكيفية التي يربط بها لاعبون أفارقة بين لايقين كرة القدم بما تحمله من مصادفات وتقلبات وبين تدخل القوى الغيبية أو الإلهية

ينبغي هنا الانتباه إلى نزعة عامة تتجاوز أفريقيا بكثير، مفادها أن الممارسات الدينية في كرة القدم تؤدي أدوارًا نفسية وجماعية مهمة. فهي لا تمنح اللاعبين شعورًا بالطمأنينة فحسب، بل تسهم أيضا في بناء روح الفريق، وتؤدي وظيفة عملية يمكن أن تنعكس على الأداء الفردي والجماعي.

لقد لمستُ ذلك عن قرب من خلال تغطيتي لعدد من بطولات كأس الأمم الأفريقية من داخل الملاعب. فالسيناريو يكاد يتكرر في كل مرة: فريق أفريقي أو لاعب أو مجموعة من المشجعين يأتون بسلوك يبدو غريبا وربما استعراضيًا في نظر المراقب الخارجي غير الأفريقي، ذلك الذي لا يصطدم بالوقائع الأفريقية إلا مرة كل أربع سنوات، حين تحضر القارة في كأس العالم.

بعد ذلك، تتحرك مكاتب التحرير في أوروبا، وتتصل بأشخاص مثلي للظهور في برنامج إذاعي أو بودكاست، طالبةً منا أن نختصر، في ثوانٍ معدودة، ظواهر شديدة الارتباط بسياقاتها المحلية، مع أنها ليست حكرا على كرة القدم الأفريقية أصلا.

ولعل المثال الأوضح على ذلك وقع خلال كأس الأمم الأفريقية 2025 في المغرب، التي أُقيمت في يناير/كانون الثاني الماضي. ففي المباراة النهائية بين المغرب والسنغال، وقعت حادثة بدت في ظاهرها بسيطة، لكنها كانت مشحونة بدلالات دينية وثقافية عميقة.

كنت حاضرًا في ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، ذلك الملعب ذي الطابع المستقبلي في أمسية ماطرة حين اندلع شجار حاد بين جامع كرات، وحارس مرمى سنغالي احتياطي، ومسؤول أمن مغربي يرتدي بدلة سوداء. كان موضوع الشجار منشفة مبللة تعود إلى الحارس الأساسي للسنغال، إدوارد ميندي.

في ما صار يُعرف لاحقًا بـ«فضيحة المنشفة»، حاول جامعو الكرات المغاربة منع ميندي من تجفيف قفازيه، وهي الوظيفة المفترضة لتلك المنشفة. وفي الوقت نفسه، ظهر الحارس السنغالي الاحتياطي، يهفان ضيوف، ليدافع عن الخرقة نفسها، في مشهد بلغ حدّ إسقاطه أرضا على يد جامعي الكرات، الذين جرّوه لاحقًا على العشب المبتل.

كما كان متوقعًا، لم تؤدِ «فضيحة المنشفة» إلا إلى تعميق موجة السخرية من أفريقيا، ومن كرة القدم الأفريقية، داخل الوسط الإعلامي الذي أعمل فيه. وسرعان ما تحولت الحادثة إلى محور أساسي في تغطيتي لما بعد المباراة. وفي صباح اليوم التالي، بعد ليلة قضتيها تقريبًا بلا نوم، إثر واحدة من أكثر مباريات كرة القدم إثارة في الذاكرة القريبة، ظهرت في عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية الدنماركية. سألني أحد مقدمي البرامج الإذاعية: «لماذا، بحق السماء، تشاجر الأفارقة على منشفة مبللة؟»، من دون أن يحاول حتى إخفاء ضحكته المتعالية.

غير أن هذا التعالي لن يدوم طويلا. ففي كأس العالم 2026، سيكون فريق واحد من كل خمسة فرق مشاركة أفريقيا. وخلال السنوات الأخيرة، أثبتت كرة القدم الأفريقية أنها تستحق أن تؤخذ بجدية أكبر من أي وقت مضى. ولا يقتصر الأمر هنا على الإنجاز التاريخي الذي حققه المغرب بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر، بل يمتد أيضًا إلى النسخ الأخيرة من كأس الأمم الأفريقية، حيث شهد مستوى اللعب تطورًا واضحًا ولافتًا. كما أن المباريات الودية التحضيرية لكأس العالم قدّمت، خلال الأيام الماضية مؤشرات واعدة للمنتخبات الأفريقية؛ من بينها فوز كوت ديفوار على فرنسا في نانت، وفوز الجزائر على هولندا في روتردام.

في النهاية، سيكون على الإعلام المتمركز حول أوروبا أن يطرح على نفسه أسئلة أكثر جدية، كيف ينبغي أن نتعامل مع كرة القدم الأفريقية خلال كأس العالم؟ وهل من المنطقي أن نواصل النظر إلى الأنظمة الدينية في القارة كما لو أنها عوالم منفصلة تمامًا عن الطرق التي يلجأ بها لاعبون آخرون، في أماكن أخرى، إلى مواجهة اللايقين العميق الذي تقوم عليه هذه الرياضة؟

لم يبدأ هذا الموقف في التحول فعليا إلا مع الثورة الصناعية وصعود الرياضات الحديثة وانتشارها، عندئذ بدأ بعض المسيحيين ينظرون إلى الرياضة لا بوصفها نشاطاً دنيوياً صرفاً بل باعتبارها مساحة ممكنة لتعليم الأخلاق ومنصة للتبشير الديني أيضا

بدلًا من تحويل «فضيحة المنشفة» إلى مادة للسخرية، كان الأجدر النظر إليها بوصفها حالة كاشفة لفهم الطريقة التي ظلت بها كرة القدم الأفريقية، منذ زمن طويل، فضاءً للتنازع الثقافي والديني.

ففي أفريقيا، أدّى دخول المعتقدات الدينية الوافدة، بوجه عام، إلى دفع الأنظمة الدينية الأصلية في القارة نحو الهامش، وتحويل كثير من ممارساتها إلى طقوس موصومة اجتماعيًا وقانونيًا. وفي بعض الدول الأفريقية، بقيت تشريعات مثل «قوانين السحر» قائمة لأكثر من قرن، وغالبًا ما دعمتها أحزاب سياسية تستند إلى قومية دينية شعبوية.

داخل كرة القدم الأفريقية، يمكن ملاحظة هذا التوتر منذ عقود، فمن جهة المسيحية والإسلام بوصفهما ديانتين إبراهيميتين واسعتَي الحضور؛ ومن جهة أخرى، الأنظمة الدينية الأصلية التي لم تختفِ تمامًا بل استمرت بأشكال مختلفة داخل الملاعب ومحيطها.

لذلك، قد نرى اللاعبين يؤدون طقوسًا دينية مألوفة في الديانات الإبراهيمية، مثل رسم علامة الصليب، أو رفع الأصابع نحو السماء أو الصلاة الجماعية في حلقات، وفي الوقت نفسه يشاركون في ممارسات تُعرف، بحسب السياق الجغرافي، باسم «الجوجو» أو «موتي» أو «السحر» أو «التعاويذ».

وباعتبار هذه الممارسات نوعًا من المعركة الروحية التي تدور في رؤوس اللاعبين، حدّد الباحث الكيني ويكليف نجوروراي 22 ممارسة ترتبط عادةً بالجوجو. من بينها نثر الملح الخشن على أرضية الملعب، وغسل قمصان الفريق على يد العرّافين بدلًا من مسؤولي المعدات، وكذلك، في مثال لافت، إخفاء حارس المرمى شيئًا داخل مرماه أو قرب القائمين، كما بدا في تلك الأمسية الشهيرة في الرباط.

لكن الأهم من ذلك كله أن الممارسات الدينية التي قد نشهدها في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك خلال الأسابيع المقبلة لا ينبغي أن تُفهم فقط بوصفها شكلًا من أشكال التوفيق الديني بين معتقدات مختلفة، بل يجب أن تُقرأ أيضًا من زاوية «التحييد».

مع انطلاق كأس العالم 2026، يمكن منذ الآن استشعار ذلك الميل القديم إلى تغريب أفريقيا واختزالها في صورة جوهرية ثابتة، وهو ميل يطل برأسه القبيح مع كل بطولة كبرى تقريبا

ففي ملاعب كرة القدم الأفريقية، ينتشر التحييد الديني على نطاق واسع. ففي حزام النحاس بزامبيا، تُدخِل بعض الفرق الزائرة حافلاتها إلى الملاعب وهي تسير إلى الخلف، حين تكون تلك الملاعب معروفة محليًا بامتلاك قوى روحية خاصة. وفي واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، وجد عالم الأنثروبولوجيا أرنولد باننبورغ أن الملح والبول يُستخدمان في كرة القدم الغانية بوصفهما مكوّنين مثاليين لمقاومة «الجوجو».

بعبارة أخرى، لا تلجأ معظم فرق كرة القدم ولاعبوها إلى «الجوجو» من أجل مهاجمة الخصوم، بل لحماية أنفسهم مما يعتقدون أنه استخدام من الطرف الآخر للممارسة نفسها.

ومن المرجح أن يقول المغاربة إنهم لم يؤمنوا - أيًا كان معنى الإيمان هنا - بأي قيمة روحية أو إلهية للمنشفة التي استخدمها حارس السنغال في النهائي. ومع ذلك، فقد أقرّوا ضمنيًا بأن الخصم ربما نسب إلى تلك المنشفة معنى روحيًا، ومن ثم وجدوا أنفسهم داخل ذلك النوع من الحرب الروحية الموازية التي رافقت كرة القدم الأفريقية منذ بداياتها الأولى.

وخلال كأس العالم، من المرجح أن نشهد قدرًا واسعًا من الممارسات الدينية، وكلها تؤدي غرضًا متقاربًا، وهو التعامل مع لايقين كرة القدم. قد تبدو هذه الممارسات مختلفة في ظاهرها، وقد عبرت فعلًا تواريخ وتأويلات متباينة، لكنها جميعًا تنتمي، كما يرى بيتر أليغي، إلى ما يمكن تسميته «تدجين الحظ»، أو، بتعبير آن ليسيث، «عقلنة عدم قابلية كرة القدم للتنبؤ».

واستعدادًا للمباريات الـ104 التي تنتظرنا في أميركا الشمالية، تبقى أمنية الكاتب، المتواضعة وربما الطوباوية، أن نوحّد معايير النظر. أن ننظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين لا بوصفنا كائنات مختلفة جوهريًا، بل بوصفنا جميعًا ملاحين يحاولون عبور اللايقين العميق الذي يشكل جوهر هذه الرياضة.