الأحد 12 يوليو 2026
ترصد لنا رواية "لا تقولى إنك خائفة" للكاتب الإيطالي جوزيه كاتوتسيلا، الجانب القاتم أو بالأحرى السوداوي من مأساة الصوماليين. نجد في التفاصيل سرد لحياة عائلة بسيطة، وإيضاح لظروفها المعيشية، وما فعلته بها الحروب الأهلية، وسيطرة الجماعات المتطرفة. تطرقت في سياقها إلى ويلات الهجرة غير الشرعية لضحايا الحرب والنزاعات القلبلية ولمن أراد النجاة من هذا الجحيم، والبحث عن حياته وحريته. كما هو الأمر عند سامية، العدّاءة الصغيرة التي تجاوزت أحلامها سنين عمرها. تتناول الرواية، واحدة من آلاف قصص الشباب الصومالي الذين يلقون حتفهم في عرض البحار، في محاولة لعبوره إلى الضفة الأخرى.
الرواية شهادة مؤلمة عن الأمل الصومالي الضائع، ونص يروي بألم ويتتبع بصورة تفصيلية قصة العداءة الصومالية سامية يوسف، التي ولدت في مدينة مقديشيو عام 1991. ومثل الطموحين من بنات وأبناء جيلها، كان لديها حلم. الحلم الذي وضعته نصب عينيها، هو أن تصبح عداءة وبطلة أولمبية. كانت "سامية" في 17 من عمرها واحدة من رياضيين اثنين يمثلان الصومال التي مزقتها الحرب في ألعاب بكين في عام 2008، حيث حملت علم بلدها، ونافست في سباق 200 متر. لكن حلمها الأكبر هو أن تشارك في أولمبياد لندن 2012، فما الذي فعلته في سبيل تحقيق ذلك؟
في الحقيقة - الحقيقة الروائية على الأقل - كانت سامية تدرك الواقع المأساوي الذي تعيشه، فقد تعودت على أصوات الرصاص ودوي القنابل والدبابات، وكانت تختلق طرق شتى لتهرب من واقعها بالركض، رغم الفقر والظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة والمعقدة. لم تكن تمتلك أثناء تدريباتها حذاء جيدا، أو أدوات رياضية تناسب عداءة موهوبة مثلها، وإنما كانت ترتدي حذاء قديما، مثقوب من المقدمة، وباطنه مستهلك" لدرجة تجعلك تشعر بأنك تعدو حافي القدمين". فهو ليس سوى غطاء يلتف حول القدمين، لا يحميها من أذى النفايات والآلات الحادة، ولا من الأرض الرملية الحارقة: "كنت أشعر بكل شيء تلمسه قدماي، حصى، بذور، فروع، أغصان، كل شيء. وكان هذا يفقدني تركيزي، فعليّ أن أتوخى الحذر لتجنب عظام الحيوانات، أو علب زيت المحركات الملقاة في الطريق، أو الزحلقة في شقوق الأرض والفتحات التي يبلغ عمقها ثلاثين سنتيمترا".
كانت سامية تهرب من مرارة واقعها بالانخراط في الركض المستمر دون أن تخشى مصادفة أيا من المسلحين الذين يسيطرون على المدينة "رغم أنهم كانوا يتبادلون إطلاق النار في الشوارع". وكانوا في ذات الوقت يستولون على الملاعب التي كانت وسيلتها للانفراد بنفسها، وتتيح لها إمكانية الاستمرار في التدريب بحيث تكون قادرة على المنافسة حين تصبح الفرصة مواتية. "منذ اندلاع الحرب، يتم استخدام الاستاد الجديد كمستودع للجيش. فالملعب يضم الدبابات ورجال الجيش بدلا من الرياضيين، وفي المدرجات ضباط بدلا عن الجمهور". ف"بين عشية وضحاها، تغيرت تقاليد بلدنا. تحولت أرض الشمس والألوان إلى معسكر تدريب للمتطرفين في العراء".
وجدت فيها الصحافة الغربية مادة مسلية لتلطخ بها حبرها الذي يبحث عن الإثارة، ويهتم بالسرديات التي تناسبه، وهذا ينطبق على سامية باعتبارها "قصة مثالية تناسب الذوق الغربي"
تحلم بأن تصبح عداءة عالمية تمثّل بلدها في المحافل الدولية، وبدأت المشاركة في المباريات المحلية في مدينتها، وتخطت العراقيل لتخوض تجربة السفر لأول مرة إلى جيبوتي، وحين عادت، تعاظمت آمالها بأن تمضي نحو حلمها الأكبر، وهو المشاركة في أولمبياد الصين، لتصبح بعد ذلك، العداءة الأشهر في المنطقة، مع إخفاقها في تجربة الصين. فلم تكن مستعدة لتنافس العداءات المحترفات القادمات من بلدان آمنة وداعمة. "كنت آخر من عبر خط النهاية، ورغم ذلك، فقد حدث شيء، لا يصدق: لم يمض من الوقت أكثر من عشر دقائق، وإذا بي محاطة من جميع الجهات بالصحافيين، من جميع أنحاء العالم".
لم تنجح في أولمبياد بكين، لأنها أقل موهبة، أو أن مؤهلاتها لا ترقى إلى منافسة عداءات محترفات قدمن من بلدان مستقرة سياسياً واقتصادياً، ولها لجان عملها الاهتمام بالرياضات من أمثالها، بل لأنها كانت ضعيفة، ومنهكة، ومستنزفة، وجائعة، "كانت ساقاي - مقارنة بسيقان المنافسات الأخريات - تبدوان مثل فرعين جافين".
بما أنها من أفريقيا، أرض الحروب والدم والمجاعات والعجائب، فقد وجدت فيها الصحافة الغربية مادة مسلية لتلطخ بها حبرها الذي يبحث عن الإثارة، ويهتم بالسرديات التي تناسبه، وهذا ينطبق على سامية باعتبارها "قصة مثالية تناسب الذوق الغربي".
كانت تتعايش مع الواقع الذي ضّيق الخناق عليها مرارًا، لأنها كانت تحلم بصومالٍ حرّ تستطيع الرَّكض فيه بحرية، ولأنّها امتلكت حلمًا سعت وراءه في بلدٍ يقتل الأحلام، مقتدية بمثلها الأعلى العداء محمد فرح الذي ذهب إلى إنجلترا وهو طفل في التاسعة من عمره، "والإعجاب الذي ليس له حدود، يجعلني أحلم أن أصبح مثله".
كان من السهل العثور على مهرّبي البشر في الصومال، وأن تدفع لهم مبالغ طائلة من أجل رحلة غير مأمونة العواقب... تتصرف كما لو أنها بضاعة تشحن في حاوية مظلمة
تريد هي أيضا أن تفعل مثله، وأن تشارك في الأولمبياد المقرر إقامتها في لندن. لكن ليس من السهل تحقيق هذا الحلم، لعدة أسباب: من بينها أنها صومولية، وليس من المقبول أن يتم منح الصومالي تأشيرة سفر لأي بلد أوروبي، فما الخيارات التي أمامها: ليس ثمة خيارات كثيرة إن هي أرادت المضي قدما وراء حلمها، ورؤية راية بلدها تخفق في ملاعب لندن. هناك خيار واحد فقط. لكنه يتطلّب مغامرة.
هكذا قررت أن تخوض غمار مغامرتها المحفوفة بالجوع والبرد والأخطار والموت، لا سيما بالنسبة لها كامرأة شابة، فراشة لم يكتمل نضجها بعد، وأيضا كما تصفها الرواية، ضعيفة مثل أجنحة فراشة، هشّة مثل سحابة. مع ذلك، لم تتردد، آخذة وصية والدها "لا تقولي إنك خائفة، أبدا، يا صغيرتي سامية، أبدا. وإلا فإن ما تخافين منه، سيتعاظم حتى يهزمك".
كان من السهل العثور على مهرّبي البشر في الصومال، وأن تدفع لهم مبالغ طائلة من أجل رحلة غير مأمونة العواقب. عليها أن تسافر عبر الحدود البرية، وأن تنتقل من دولة إلى دولة، ومن صحراء إلى صحراء أخرى. عليها أن تتصرف كما لو أنها بضاعة تشحن في حاوية مظلمة، فيها شقّ صغير في الجزء العلويّ فقط للتهوية حيث ستقبع داخلها، برفقة مئتين وعشرين شخصاً، عليها إبقاء ركبتٓيها مفتوحٓتٓيْن، كي يدخل بينهما ساق شخص آخر لا تعرفه. "باعتبارنا، لا شيء، كما لو كنا مجرد أشياء تنقل، من مكان الى آخر".
العيش داخل حاوية، يشبه العيش داخل غرفة غاز تقوم الشمس بتسخين الجدران المعدنيّة بشدّة، ما يجعل كلّ شيء يتبخر بعد بضع ساعات تنفُّس، بول، براز، قيء، عرق، وأنفاس فيها مزيج من الجوع والخوف والأمل، تحارب الحرب والفقر وانعدام الأمن وخذلان الصديق وقسوة الرحيل لحياة مجهولة العواقب، والنضال لنيل ما تتمنى، عبر "طوابير من الشاحنات، تضم أناسا، أفنتهم حرارة الشمس، وقتلهم فرن الصحراء. تجار البشر والسجون الليبية الرهيبة. ثم أعداد المسافرين الذين يموتون في أصعب الطرق لعبور البحر المتوسط من ليبيا الى إيطاليا. هناك من يقول إنهم بالآلاف، وهناك من يقول إنهم بمئات الآلاف".
غادر المهربون السودانيون عند الحدود مع ليبيا، فجاء مهربون ليبيون "حملونا على حافلة صغيرة، وأوصلونا الى سجن كفرة، هناك كان ينتظرنا الكابوس الأسوأ". وفي سجن الكفرة عليك أن تدفع ألف دولار لنقلك إلى طرابلس "إذا كنت رجلا، يعيدونك مرة أخرى إلى الحدود. إذا كنت امرأة يقومون باغتصابك مقابل إعطائك تذكرة ذهاب فقط".
كانت سامية تهرب من مرارة واقعها بالانخراط في الركض المستمر دون أن تخشى مصادفة أيا من المسلحين الذين يسيطرون على المدينة
كافحت سامية وثابرت لتصل إلى ليبيا. واجهت السجن والاغتصاب والجوع والإذلال. مع ذلك، لم تستسلم، بل تصبر وتقاتل وتنجح في تجاوز هذه المطبة، وتصل المتوسط، حيث اصطدم طموحها بأمواجه الهائجة التي طالما ابتلعت آلاف وربما ملايين الأفارقة الهاربين من جحيم بلدانهم، لتلقى هي الأخرى مصرعها غرقاً في البحر المتوسط. "الآن اجلس فوق أحد جوانب قاربنا المتهالك والصدئ، أنظر إلى الفضاء اللانهائي، أنظر إلى البحر. أنظر إلى الحبال. أنظر إلى البحر".
وعندما رأتْ حبال القوارب الإيطالية قفزت نحوها، أملا في الحرية من القوارب، ومن البحر، ومن السجون، ومن الموت، وأملا في بلوغ المراد "القفزة مرتفعة، كما هو الحال في كل قفزة إلى الحرية".
البحر الذي أحبته في بلادها بسبب الحرب "سلبتني الحرب البحر"، ابتلع جسدها التواق إلى العدو،"الجري هو بحري". لينهي بذلك طموحها في أن تغدو مثل البحر. "للمرأة الأولى في حياتي يمكنني أن أشعر بأنني محاطة، بكل تلك المياه، بإمكاني السباحة داخلها، كما وددت أن أفعل دائما".
يعرف أحد قصتها، قبل أن تصل إلى الروائي الإيطالي الذي شاهد قصتها في إحدى القنوات الإخبارية التي تقدّم تقريراً عن حكايتها، وغرقها في المياه الإيطالية، حين كانت في قارب تهريب من ليبيا. الأمر الذي دفعه إلى تتبع قصتها والتواصل مع عائلتها، والبحث في جذور حياتها القصيرة الحافلة، بالطموح والأمل والتحدي.