تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

لا حجب دون إذن قضائي.. حكم تاريخي يحمي الفضاء الرقمي في كينيا

3 يوليو, 2026
الصورة
لا حجب دون إذن قضائي.. حكم تاريخي يحمي الفضاء الرقمي في كينيا
Share

أصدرت المحكمة العليا في كينيا، في الثاني من يوليو/تموز 2026، حكما اعتبره خبراء القانون ومنظمات الحقوق الرقمية أحد أهم الأحكام القضائية المتعلقة بحرية الإنترنت في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما قضت بعدم دستورية مواد رئيسية من قانون تعديل جرائم الحاسوب والجرائم السيبرانية لعام 2025، والتي كانت تمنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة لحجب المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية دون الحصول على إذن قضائي مسبق. ويأتي الحكم في سياق تصاعد التوتر بين الحكومة الكينية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين، والتي لعبت خلالها وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في التنظيم والتعبئة ونشر المعلومات.

كان البرلمان الكيني قد أقر في عام 2025 تعديلات على قانون جرائم الحاسوب والجرائم السيبرانية، منحت اللجنة الوطنية لتنسيق الأمن السيبراني (NC4) صلاحيات إصدار أوامر مباشرة لمزودي خدمات الإنترنت بحجب المواقع الإلكترونية والتطبيقات والمنصات الرقمية التي ترى السلطات أنها تنشر محتوى مرتبطاً بالإرهاب أو التطرف أو الجرائم الإلكترونية أو غيرها من الأنشطة المحظورة. إلا أن منظمات حقوقية وصحفية، من بينها الفرع الكيني للجنة الحقوقيين الدولية (ICJ Kenya)، ومنظمة ARTICLE 19 شرق أفريقيا، ورابطة المدونين الكينية (BAKE)، اعتبرت أن هذه الصلاحيات تمنح السلطة التنفيذية أدوات رقابة واسعة قد تستخدم لتقييد حرية التعبير وملاحقة المعارضين والصحفيين والنشطاء السياسيين.

في حكمها، رأت المحكمة العليا أن المادة المتعلقة بحجب المواقع الإلكترونية تخالف الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الإعلام والحقوق الأساسية، لأنها تسمح لهيئة إدارية غير قضائية بفرض ما وصفته المحكمة بـ"الرقابة المسبقة"، وهي إحدى أكثر صور تقييد حرية التعبير صرامة. وأكدت القاضية باتريشيا ماندي أن منح لجنة إدارية صلاحية حجب المواقع والمنصات دون رقابة قضائية مسبقة يخلق مخاطر كبيرة تتمثل في الاستخدام التعسفي للسلطة، ويؤدي إلى خلق مناخ من الرقابة الذاتية والخوف لدى المستخدمين ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية. كما شددت المحكمة على أن أي قيود على الحقوق والحريات الأساسية يجب أن تكون محددة وواضحة وضرورية ومتناسبة مع الهدف المراد تحقيقه، وفقاً للمادة 24 من الدستور الكيني.

لم يقتصر الحكم على إلغاء صلاحيات حجب المواقع، بل شمل أيضاً إبطال المادة الخاصة بما يعرف بـ"التحرش الإلكتروني"، والتي اعتبرت المحكمة أنها صيغت بصورة فضفاضة ومبهمة تسمح بتفسيرات واسعة قد تؤدي إلى تجريم أشكال مشروعة من التعبير السياسي والإعلامي. ورأت المحكمة أن النصوص القانونية التي تنظم الفضاء الرقمي يجب أن تكون دقيقة بما يكفي لمنع استخدامها في تقييد الحريات السياسية أو الإعلامية أو المجتمعية. وفي المقابل، رفضت المحكمة الطعون المتعلقة بالإجراءات البرلمانية لإجازة القانون، معتبرة أن البرلمان استوفى من الناحية الإجرائية متطلبات التشاور والمشاركة العامة المنصوص عليها دستورياً.

وقد رحبت منظمات حقوق الإنسان والمدافعون عن الحقوق الرقمية بالحكم، معتبرين أنه يشكل سابقة قضائية مهمة ليس فقط في كينيا، وإنما على مستوى القارة الأفريقية بأكملها، حيث تتجه عدة حكومات إلى توسيع صلاحياتها في مراقبة الفضاء الرقمي وتنظيمه. واعتبرت منظمة ARTICLE 19 ومنظمات إعلامية كينية أن القرار يعزز مبدأ خضوع القيود المفروضة على الإنترنت للرقابة القضائية، ويؤكد أن حماية الأمن القومي أو مكافحة الجرائم الإلكترونية لا يمكن أن تكون مبرراً لتجاوز الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

يحمل الحكم أبعادا سياسية تتجاوز الجانب القانوني، إذ يأتي في مرحلة تشهد فيها كينيا نقاشاً متزايداً حول العلاقة بين الدولة والفضاء الرقمي، خاصة بعد الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي خلال احتجاجات عامي 2024 و2025. ويرى محللون أن قرار المحكمة يعكس استمرار الدور المركزي للسلطة القضائية الكينية كأحد أهم مراكز التوازن داخل النظام السياسي، كما يبعث برسالة إلى الحكومات الأفريقية الأخرى مفادها أن التوسع في الرقابة الرقمية وحجب المحتوى الإلكتروني يظل خاضعاً للمعايير الدستورية والرقابة القضائية، حتى في ظل تصاعد المخاوف الأمنية والسياسية التي تواجهها دول القارة.