الأحد 18 يناير 2026
عدتُ الأسبوع الماضي إلى قريتنا في جنوب تيغراي لزيارة والديّ لأول مرة منذ سبعة أشهر. كنت أعلم أن أمي ستستقبلني بعناقها المعتاد، لكن نظرتها هذه المرة كانت مختلفة. خفتُ أن مكروهًا وقع، فسألتها: «كيف حال جدتي؟ هل توفيت؟» حاولت أن تبتسم وقالت: «ولدي، لماذا جئت الآن؟» صُدمت. إنها المرأة نفسها التي كانت تتصل بي كل يوم ترجوني- بل تُلِحّ- أن أزورها. وهي تحمّص القهوة واصلت سؤالها عن أحوالي، لكن عبارتها ظلت تدور في رأسي. فهمتُ ما قصدته فورًا.
اندلعت حرب مروعة في تيغراي بين عامَي 2020 و2022 شاركتُ فيها، وقُتل خلالها مئات الآلاف. كان القتال بسبب صراع على السلطة بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» (TPLF) التي حكمت الإقليم عقودًا -والحكومة الاتحادية برئاسة آبي أحمد. حين وُقّع اتفاق السلام بين الجبهة والحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، راودني الأمل بأن نمضي إلى إعادة الإعمار. لكن التوتر بين آبي والجبهة يعود اليوم بقوة. الجميع يتذكر عام 2020، الشهور التي سبقت الحرب السابقة، والجميع يخشى أن حربًا جديدة تلوح في الأفق.
في ذلك المساء كنت ألعب مع أطفال القرية، فجاءت أمي وجلست على جدار حجري. قالت وهي تحاول حبس دموعها: «إذا اندلعت الحرب سيجنّدونك. في الحرب الماضية لم أعرف للنوم طعمًا. كنت أفكر فيك وأبكي ليلًا ونهارًا. لا أريد أن يتكرر ذلك. لا أريد أن أراك تموت كما مات أصدقاؤك». ثم تابعت: «إن كنت تحبني حقًا فاستمع إليّ. سنبيع ثورين ونعطيك المال. اذهب إلى أديس أبابا، ولا تعد حتى تهدأ الأوضاع».
كانت الحرب الماضية كابوسًا. حوصرت تيغراي بالأعداء من كل الجهات. بعد وصول آبي إلى السلطة عام 2018، نسج تحالفًا مع إريتريا شمالًا ومع ميليشيات قومية من الأمهرة جنوبًا وغربًا. وكما كان آبي، كان قادة إريتريا ونخب الأمهرة يكنّون عداءً شديدًا للجبهة التي هيمنت على السياسة الإثيوبية منذ أوائل التسعينيات. في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 غزت هذه القوى الثلاث الإقليم.
لم تكن الحرب على الجبهة وحدها، بل على شعب تيغراي كله. وقعت مجازر بحق مدنيين أبرياء، وتعرّضت آلاف النساء للاغتصاب. وفي تيغراي الغربية جرى تطهيرٌ عرقي على يد ميليشيات الأمهرة التي أحرقت قرى بأكملها، وأجبرت عشرات الآلاف من التيغراي على ترك منازلهم، وعبور نهر تكزي إلى السودان. بعد خمسة أعوام ما يزال هؤلاء النازحون في المخيمات يعانون الجوع والمرض.
"إذا اندلعت الحرب سيجنّدونك. في الحرب الماضية لم أعرف للنوم طعمًا. كنت أفكر فيك وأبكي ليلًا ونهارًا. لا أريد أن يتكرر ذلك. لا أريد أن أراك تموت كما مات أصدقاؤك"
مثل آلاف غيري التحقتُ بالمقاومة لأنني لم أرَ خيارًا آخر. لم أقاتل لأجل الجبهة، بل لأجل عائلتي وأرضي وشعبي. رأيت رفاقًا كثيرين يسقطون، وكنت مستعدًا للموت، وأنا مقتنع بعدالة قضيتنا. اليوم يبدو أن كل ذلك تلاشى، كأن تضحياتنا لم تعنِ شيئًا.
كنّا موحّدين من قبل، لكننا منذ اتفاق السلام أصبحنا منقسمين. قياداتنا انشطرت إلى فصيلين متشاكسين يجرّاننا إلى صراع جديد، لا خدمةً لمصلحة شعب تيغراي، بل لترسيخ السلطة والامتياز. يتبادل السياسيون الاتهامات ويختصمون، وكل ما يريدونه احتكار موارد الإقليم والهيمنة على اقتصاده السياسي، أرضِه وذهبِه. بعضهم منخرط في تهريب البشر وأنشطة إجرامية أخرى، ويسعى لحماية ثروات غير مشروعة.
نصّ اتفاق السلام على تشكيل إدارة انتقالية في تيغراي تُحدَّد تركيبتها بالتفاوض بين الطرفين: الجبهة والحكومة الاتحادية. رشّحت الجبهة بدايةً رئيسها دبريتسيون جبرميكائيل لقيادة الإدارة، لكن آبي رفض. وفي النهاية رشحت غيتاتشو رضا، وهو أصغر سنًا وليس من الحلقة الضيقة للحزب. سرعان ما نشب صراع على النفوذ بينه وبين حرس الجبهة القديم.
أعلن غيتاتشو أنه يريد «دمقرطة تيغراي»، وفتح المجال أمام أحزاب المعارضة والمجتمع المدني - أي عمليًا تقليص نفوذ الجبهة وسيطرتها على الموارد- فردّت الجبهة باتهامه بالخيانة، وبأنه دمية لدى حكومة آبي. في أغسطس/آب 2024 طردته من صفوفها، لكنه بقي رئيسًا انتقاليًا حتى مارس/آذار الفائت حين أطاح قادة بارزون في جيش تيغراي بإدارته، وأعادت الجبهة الإمساك بالسلطة. فرّ غيتاتشو إلى أديس أبابا، وانضم إلى حكومة آبي مستشارًا خاصًا لرئيس الوزراء.
أثار ذلك غضب آبي أحمد، وانتشر الخوف من أن يعيد إشعال الحرب لإعادة غيتاتشو إلى منصبه. صمد السلام في النهاية، لكن الأوضاع واصلت التدهور. يشعر آبي أحمد بالغضب، لأن الجبهة تحدّت سلطته، ولأنها بدأت في الآن نفسه بناء علاقة مع إريتريا - الدولة التي ساندته ضد تيغراي في الحرب السابقة.
لم يستمر التحالف التكتيكي بين آبي ورئيس إريتريا أسياس أفورقي طويلًا بعد انتهاء الحرب. وقد أغضب توقيعُ آبي اتفاق السلام مع الجبهة أسياس الذي خشي أن ينقلب عليه. وتأكدت مخاوفه في أكتوبر/تشرين الأول 2023 حين بدأ آبي يتحدث عن حاجة إثيوبيا إلى منفذ على البحر الأحمر، ما أثار مخاوف من محاولة انتزاع عَصَب أو مصوّع من إريتريا. ردًا على ذلك شرع أسياس والجبهة، خلال العام الماضي، في نسج تحالف تكتيكي خاص بهما، أطلق عليه مروّجون موالون في تيغراي وإريتريا اسم «تسمدو»، وهي كلمة بالتغرينية تعني النير الذي يربط ثورين إلى محراث واحد.
التحقتُ بالمقاومة لأنني لم أرَ خيارًا آخر. لم أقاتل لأجل الجبهة، بل لأجل عائلتي وأرضي وشعبي. رأيت رفاقًا كثيرين يسقطون، وكنت مستعدًا للموت، وأنا مقتنع بعدالة قضيتنا. اليوم يبدو أن كل ذلك تلاشى، كأن تضحياتنا لم تعنِ شيئًا
خلال الأشهر الأخيرة تبادلت إثيوبيا وإريتريا الإهانات والتهديدات، وكل طرف يتهم الآخر بالتخطيط للحرب وزعزعة الاستقرار. وفي تيغراي انقسمت القيادة إلى معسكرين: الجبهة اصطفّت مع إريتريا، بينما وقف غيتاتشو وأنصاره إلى جانب آبي أحمد. سألتُ عضوًا في «حزب تضامن تيغراي» - تنظيم سياسي جديد يقوده غيتاتشو- عن سبب هذا الشرخ في منطقة عُرفت طويلًا بتماسكها. قال: «بصراحة ليست لدينا خلافات أيديولوجية. مشكلتنا أن الجماعة الجشعة –الجبهة– تعمل ضد شعب تيغراي. أنظر إلى ما يفعلونه في شمال غرب تيغراي: استخراجٌ للذهب باستخدام مواد كيميائية خطرة تضر السكان الذين أقسموا على حمايتهم، وانخراط في اقتصاد غير مشروع وتهريب أسلحة». وأضاف أن الجبهة «تعمل مع الشعبيّة - وهو الاسم التغريني لحزب السلطة والجيش في إريتريا - الذين ارتكبوا إبادة بحق شعبنا. هذه الجماعة ستواصل جرائمها ما دام ذلك يخدم مصالحها، وسنعمل على إقصائها من المجال السياسي في تيغراي».
تحدثتُ أيضًا إلى عضو في الجبهة يعمل في مقرها بمكلي وسألته عمّا تأخذه الجبهة على غيتاتشو وأنصاره. أجاب: «إنهم جماعة خونة. عملوا على تفكيك حزبنا الذي تأسس بدماء وتضحيات شعب تيغراي. أنظر إلى سيرتهم لتعرف حقيقتهم. إنهم متمركزون في أديس أبابا، ويطلبون صراحةً تدخلًا عسكريًا من الحكومة الاتحادية». كان يشير إلى جماعة مسلحة جديدة ظهرت عقب استيلاء الجبهة على السلطة في مكلي في مارس/آذار. تُسمّي نفسها «قوات سلام تيغراي» (TPF)، وتتكوّن من مقاتلين سابقين في «قوات دفاع تيغراي» (TDF) - القوة شبه العسكرية التي نشأت بعد هجوم 2020، وكنتُ واحدًا من أفرادها- ممن رفضوا قرار قادتهم مساندة الجبهة. تتمركز هذه القوة في إقليم عفار المجاور، وقد أقسمت على إزاحة الجبهة من الحكم، ويُقال إنها تتلقى دعمًا من حزب غيتاتشو ومن الحكومة الاتحادية الإثيوبية.
تتسارع وتيرة الأحداث، فثمة مؤشرات مرعبة على انزلاق تيغراي، حتميًا وبلا كوابح، إلى حرب جديدة. تصاعد التوتر في الفاتح يوليو/تموز بعد حادثة في ويجيرات على حدود تيغراي مع عفار؛ إذ تقدمت قوات «سلام تيغراي» من داخل عفار نحو حدود الإقليم، فردّت «قوات دفاع تيغراي» بإطلاق قذائف هاون. توسّل وجهاء قرية سنايله إلى قوات «سلام تيغراي» أن تتراجع قليلًا. كان موسم البذر، وترجّى المزارعون هدنة تتيح لهم زراعة أراضيهم. في النهاية انسحبت القوة وسيطرت «قوات الدفاع» على المنطقة، ولم يردّ الطرف الآخر بالنار.
"مشكلتنا أن الجماعة الجشعة –الجبهة– تعمل ضد شعب تيغراي. أنظر إلى ما يفعلونه في شمال غرب تيغراي: استخراجٌ للذهب باستخدام مواد كيميائية خطرة تضر السكان الذين أقسموا على حمايتهم، وانخراط في اقتصاد غير مشروع وتهريب أسلحة"
ألقى آبي أحمد في 3 يوليو/تموز خطابًا في البرلمان، دعا فيه الزعماء الدينيين إلى الشروع فورًا في حوار لمنع اندلاع حرب أخرى في تيغراي. قال محذّرًا: «ابدأوا عملكم الآن لمنع تيغراي من الدخول في صراع، فالحديث بعد أن يبدأ سيكون بلا جدوى». دبّ الخوف في تيغراي، واعتبر كثيرون كلمات آبي تهديدًا صريحًا. أخبرني صديق في مكلي أن أسعار الغذاء ارتفعت بعد الخطاب مع إقبال الناس على تخزين المعكرونة والدقيق والأرز وزيت الطهي. بعد أيام، وفيما بدا ردًا على خطاب آبي، أدلى القائد البارز في «قوات دفاع تيغراي» الجنرال هايليسيلاسي غيرماي بتصريح شديد اللهجة، قال فيها: «نُجري استعدادات لأننا نسمع عن أوضاع تُحتّم الاستعداد. سندافع عن أنفسنا ونصون سيادتنا، ومن أجل ذلك سنُعِدّ العدّة».
كل شيء يذكّرني اليوم بعام 2020: تنقل الوجهاء والزعماء الدينيين بين أديس أبابا ومكلي للتفاوض، التوتر والارتياب والبلبلة، التحركات العسكرية. الفارق الوحيد الآن هو الإعلام؛ في المرة السابقة ضخّ الطرفان دعاية سياسية أجّجت الأزمة، أما اليوم فلا أحد يريد هذه الحرب، ولا أحد يحرّض الناس عليها علنًا. لكن الحديث عنها لا ينقطع. الناس يتجادلون في كل مكان: هذا يلوم الجبهة أو يثني عليها، وذاك يهاجم «قوات الدفاع» أو يناصر «قوات السلام». تعمّ الفوضى، والشباب يغادرون جماعات عبر طرق محفوفة بالمخاطر نحو السعودية أو أوروبا. والأسوأ احتمال أن يتقاتل التيغراي فيما بينهم. كانت الحرب الماضية فظيعة، لكنها - على الأقل - وجدتنا موحّدين، ولنا قضية واحدة.
حين زرت قريتي الشهر الماضي التقيت تكلي، جارنا السبعيني. بعد التحية سألته عن موسم الزرع. قال بلا حماس: «أنا نصف قلب. لا أزرع كما ينبغي، ولا أهيّئ الأرض كما في السابق. كيف أزرع والجميع يتحدث عن الحرب؟» ثم تذكر أيام القتال: «طلبوا منا -قادة الجبهة والجيش- أن نزوّدهم بالطعام، فأعطيناهم طعام موائدنا وجاع أطفالنا. طلبوا الملابس فأعطيناهم ما نملك. طلبوا الأحذية فخلعنا ما في أقدامنا وسلمناهم إياها. طلبوا أبناءنا فسلّمناهم أبناءنا. وما جدوى كل ذلك؟ أليس طلبًا للعدالة التي حُرمنا منها؟ الآن نسوا التضحيات والوعود وصاروا يتنازعون. كانوا معًا في الحرب، وقاتلوا جنبًا إلى جنب، ووثقنا بهم لذلك سلّمناهم أبناءنا. أما اليوم فقد صاروا أعداء. لِمَ لم يأخذني الله من هذا العالم كي لا أرى هذا الزمن الرديء؟ أخٌ على أخيه وأختٌ على أختها يستعدان ليتقاتلا».
لا تفارقني كلمات ذلك الشيخ. كان هو وسائر مزارعي قريتنا ينتظرون حياةً أفضل بعد انتهاء الحرب. لا شيء أشدّ إيلامًا من رؤيتهم اليوم بوعود مكسورة وأحلام محطّمة.
*حُجب اسم الكاتب لدواعٍ أمنية.