تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

"لا أحد يريد العودة للحرب" في إقليم تيجراي بإثيوبيا

18 يونيو, 2025
الصورة
"لا أحد يريد العودة للحرب" في إقليم تيجراي بإثيوبيا
Share

تقدم أوجستين باسيلي في تقريرها قصة معمقة عن الأزمة الحالية في إقليم التيجراي، مستشهدة بآراء عدد ممن يعانون من الأزمة الراهنة داخل معسكرات الإيواء، أو ممن فقدوا عددًا من ذويهم في ظروف إنسانية بائسة. فيما يرفرف شبح الحرب على الإقليم تعمق الشهادات التي يسردها باسيلي، تكتمل بانسياب واضح نقد الحالة السياسية المتحجرة بين القادة السياسيين، سواء في العاصمة ميكيلي أو العاصمة الفيدرالية أديس أبابا، الذين يسعون للتصعيد حتى النهاية، رغم أنه لا أحد بين مواطني الإقليم يريد العودة للحرب وعواقبها الكارثية عليهم. 

بعد عامين ونصف من نهاية الصراع، الذي خرب هذا الإقليم الشمالي الإثيوبي، يتجدد التهديد والتلويح بالصدامات على المستويات المحلية والوطنية وحتى الدولية، ولاسيما مع إريتريا المجاورة. لكن جموع السكان ومشردي الحرب والقادة السياسيين، وحتى المقاتلين السابقين، يخشون هذا السيناريو القاتم ويرفضونه.

باتت متاهة من الخيام التي تحمل شعار الأمم المتحدة الأزرق، والمنتشرة في ممرات ضيقة وملتوية ومتربة، مأوى لقرابة 28 ألف شخص على مدى أكثر من أربعة أعوام. يقع معسكر آدي مهمداي على بعد 82 كلم من مدينة شاير، في إقليم التيجراي بشمالي إثيوبيا. يأوي المعسكر جزءًا بسيطًا من إجمالي مليون شخص مشرد لم يعد بمقدورهم العودة إلى منازلهم، بالرغم من نهاية الحرب بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي "TPLF" وقوات الدفاع الوطنية الإثيوبية في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2022.

تقول مِذين يالم، التي ينطق وجهها بالتعب والإرهاق: "لقد كان يحدونا أمل، لكن لا زلنا بعد لم نتلق أية معلومات محددة من قادتنا. فقد أعلنوا في مرات متفرقة عودتنا، لكن ذلك لم يحدث أبدًا". قضى نقص الطعام على والدها الذي كان أضعف من أن يسير على قدميه لمدة عام، بينما يعاني ابنها البالغ عمره 20 عامًا من الأنيميا، فنادرًا ما تأكل الأسرة أكثر من وجبة واحدة في اليوم.

ترجع أصول مِذين يالم، كأغلب الناجون في معسكر آدي مهمداي، إلى ولكيت "Wolkait"، وهي منطقة إدارية في غربي تيجراي. "لقد حاول بعض جيراننا العودة إلى تسيليمتي (مقاطعة قرب ولكيت)، لكنهم قفلوا عائدين. إذ لم تكن المنطقة آمنة،" حسبما تذكر سيدة في الخمسينيات من عمرها، والتي باتت الآن بلا دخل بعد هجر ماشيتها وقطعة الأرض التي كانت لديها.

إن الحرب لا تساعد أحدًا. تفقدون حيوات جمة، وتنتهي باتفاق لا يغير من الأمر شيئًا

بالرغم من اتفاق السلام، لا يزال إقليم التيجراي –الذي تحكمه حاليًا إدارة انتقالية مرتبطة بجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكنها تخضع رسميًا لسلطة أديس أبابا حسبما نص عليه اتفاق بريتوريا- تحت الضغط من قبل العديد من الفصائل المسلحة. ولا تزال القوات الأمهرية تحتل ولكيت، انطلاقًا من إقليم أمهرا المجاور الذي حارب في صف القوات الفيدرالية، ويطالب بهذا الجزء من إقليم التيجراي. وفي الوقت نفسه تواصل القوات الإريترية، التي تحالفت أيضًا مع أديس أبابا خلال الحرب، وجودها في شمال شرقي البلاد، واحتلال أجزاء من الإقليم على امتداد حدودها معه.

منذ ذلك الوقت يعيش ضحايا واحدة من أكثر حروب أفريقيا دموية، والتي قتل خلالها حوالي 400 ألف جندي و300 ألف مدني، وفقًا لتقرير نشره "معهد نيو لاينز" في يونيو/تموز 2024، في حالة "لا سلم، ولا حرب".

الصراع على السلطة والقمع الداخليين

أضاف التوتر داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في مارس/آذار الفائت، مزيدا من الغموض على الوضع المعقد بالفعل. وقد اتهم كل من دبرتسيون جبريمايكل، زعيم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وجيتاتشو ردا، رئيس الإدارة الانتقالية في تيجراي حينذاك، بعضهما البعض بالتباطؤ في تطبيق اتفاق السلام.

حدد الاتفاق عودة المشردين، والانسحاب من المناطق المحتلة، ونزع سلاح 274 ألف مقاتل ممن انضموا لقوات دفاع التيجراي (TDF)، وهي الجناح المسلح لجبهة تحرير التيغراي، وإعادة دمجهم (في القوات الفيدرالية أو مؤسسات أخرى). لم يشارك إلا 17 ألف مقاتل فقط في برنامج التسريح، وفقًا لبيان من المفوضية الوطنية لإعادة التأهيل نهاية أبريل/ نيسان الماضي.

كما قاد عدم الاتفاق المتزايد بين دبرتسيون جبريمايكل وجيتاتشو ردا الأخير للخروج من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في 15 سبتمبر/أيلول 2024. بعد ذلك بستة أشهر، في 10 مارس/آذار الفائت، علق جيتاتشو ردا، الذي لا يزال يخدم رئيسًا للإدارة الانتقالية، عمل ثلاثة جنرالات في قوات الدفاع التيجراي. ردًا على ذلك عين دبرتسيون جبريمايكل حلفائه لقيادة المدن، حيث سبق أن وضع جيتاتشو لقيادتها أوثق مؤيديه في هذه المناصب، بما فيها العاصمة الإقليمية ميكيلي.

كان جيتاتشو يتحدث عن إصلاح المجالس الإدارية المحلية، بينما كان من الواجب أن تكون أولويته تحرير بني شعبه. ورأى كثير من التيجراويين ذلك من السابق لأوانه، فيما لا يزالون يعيشون في ملاجئ مؤقتة دون مأكل أو مشرب أو ملبس، حسبما أوضح دبرتسيون جبريمايكل خلال مقابلة معه في 18 مارس/آذار الفائت في فندق أكسوم في ميكيلي.

أعقبت أحداث العنف المتقطعة والاعتقالات التعسفية، حالة واحدة على الأقل للتصفية خارج المظلة القانونية، وذلك وفق شهادات جمعتها أفريك 21 في ميكليلي ومدينة آدي جودوم الصغيرة الواقعة على بعد 40 كلم جنوبا. وقد قضى هادرا كيروس، وهو رئيس جمعية شباب آدي جودوم، ثلاثة أيام رهن الاعتقال خلال تغيير منصب المحافظ، الذي وصفه البعض بالانقلاب.

في 11 مارس/آذار الماضي وقف أليمو هيلا، وهو عامل بناء يبلغ 37 عامًا، بين مائة مقيم في مدينة آدي جودوم احتجاجًا على استبدال محافظ عينه دبرتسيون جبريمايكل بآخر موال لجيتاتشو. يقول هيلا، وهو أب لطفلين كان يرتدي ضمادة في رأسه، ويتحدث بصوت منهك، أنه قد أصيب بطلقات في الرأس ثلاثة مرات من قبل عناصر ميليشيا تابعة لقوات دفاع تيجراي. وقال أخوه الأكبر جبريهيوت هيلا (موظف حكومي) منتحبًا: من الضروري للغاية أن ينخرط القادة في حوار مع المواطنين. وفي حال عدم فعل ذلك فإن التهديد باندلاع صراع جديد بين مؤيدي جيتاتشو وأنصار دبرتصيون سيكون وشيكًا.

تمت إقالة جيتاتشو ردا في النهاية من منصب رئيس الإدارة الانتقالية لصالح الجنرال تاديسي ويريدي في 8 أبريل/نيسان الماضي بموافقة أديس أبابا. غير أن هذا التغيير لم يطمئن شعب التيجراي حتى اليوم. تقول ميسترال أبرهة من شاير "لم ألحظ أي تغيير أو حلول واضحة للمشكلة التي تؤثر علينا. إذ يستمر عدم الاستقرار. ونشعر بعدم الأمان ونعيش في خوف". وقد أجبرت الفوضى السياسية والأمنية هذه الصيدلانية العاطلة عن العمل على تأجيل افتتاح صيدليتها الخاصة لشهور. تؤكد هذه المرأة، التي ساهمت في الجهد الحربي بمعالجة الجرحى في عيادة عامة لم تدفع فيها أية رواتب، "إنني بحاجة إلى ضمانات واستقرار".

آبي أحمد وشبح صراع مع إريتريا

كما يثير تعيين تاديسي ويريدي مخاوف لدى ميريسا ديسو، الباحث في معهد الدراسات الأمنية ومقره أديس أبابا، فطالما قلل تاديسي من فشل الإدارة الانتقالية. وبتعيينه فإن (رئيس الوزراء) آبي أحمد يحاول تعميق الانقسامات داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وقوات دفاع التيجراي، حسبما يحذر ميريسا ديسو.

في أديس أبابا يندر التعليق على النزاعات الداخلية بجبهة تحرير التيغراي. كما ينشغل رئيس الوزراء آبي أحمد بصراعات أخرى داخل بلاده، لاسيما في إقليمي الأمهرا وأوروميا. وفي أبريل/نيسان 2023 شنت ميليشيا فانو، في إقليم امهرا، احتجاجات عنيفة ضد دمج القوات الإقليمية في الجيش والشرطة الوطنيين. وتصاعد هذا التوتر بعدها بأربعة أشهر، ثم تحول إلى تمرد مسلح ضد القوات الفيدرالية- وهي القوات ذاتها التي حاربت في صفها فانو والقوات الأمهرية الإقليمية خلال صراع التيجراي.

لقد ضحى التيجرانيون وتجاوزوا تحديات كثيرة للغاية، لدرجة أنه لا يوجد أحد (من بينهم) يريد العودة للحرب

كما يثير رئيس الوزراء شبح تجدد العداءات مع إريتريا عبر إثارته إشارات عدوانية. ويحذر ميريسا ديسو من أن "التعبئة العسكرية تستمر في إريتريا. ومن جانبه فإن آبي أحمد لم يتخل عن فكرة تأمين الوصول للبحر الأحمر. كما أن المصالح المتضاربة للبلدين –اللتان كانتا دولة واحدة حتى استقلال إريتريا عام 1993- ورفضهما التفاوض سيقود حتمًا إلى حرب". ويضيف الباحث أن الانقسامات وسط سكان إقليم التيجراي تفيد كل من آبي أحمد والديكتاتور الإريتري أسياس أفورقي.

"لا أريد أن أهدر وقتي على حرب"

تمثل كافة أوجه التوتر تلك مصدرًا للقلق بين شعب التيجراي. وقال دبرتسيون جبريمايكل في منتصف مارس/آذار الماضي "إننا نخشى من انفلات هذا الوضع بين إثيوبيا وإريتريا"؛ مضيفًا "نأمل تسوية مثل هذه النزاعات دبلوماسيًا. لأنه حتى لو لم نتورط، فإن القتال سيقع حتمًا هنا، على أرضنا، بسبب موقعنا الجغرافي".

كشفت "أفريكا أنتيليجينس" في فبراير/ شباط الماضي عن "اجتماع سري غير مسبوق في يناير/كانون الثاني الماضي في أسمرا" قيل أن أفورقي وعد خلاله ضباط قوات دفاع التيجراي بحمايته لهم في حالة الصراع مع إثيوبيا. وعندما سُئل زعيم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عن ذلك أنكر أي اتصال بالسلطات الإريترية.

تظل العلاقات بين فصيل دبرتسيون جبريمايكل وأديس أبابا متوترة للغاية. "وبدلًا من التركيز على إعادة تأهيل سكان التيجراي، الذين مروا بحرب إبادة، انخرطت الحكومة الإثيوبية في أعمال مؤذية مثل منع دخول السلع الأساسية إلى إقليم التيجراي- بما في ذلك الوقود- ووقف الأنشطة المنقذة لحياة سكانه. تهدد هذه الأعمال حياة وسبل عيش أهل تيغراي" حسبما أدانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في بيان لها بتاريخ 26 مارس/آذار الماضي.

لقد طفح الكيل بالمحليين نحونا. ولم يعد لديهم طعام كاف لنشاركهم إياه لأنهم أنفسهم يعانون من آثار الصراع

كما بات أغلب مقاتلي قوات دفاع التيجراي طلقاء: ولن يحملوا السلاح مرة أخرى. "إن الحرب لا تساعد أحدًا. تفقدون حيوات جمة، وتنتهي باتفاق لا يغير من الأمر شيئًا" حسبما يقول كاليب، وهو يتحدث باسم مستعار. عام 2021 تم تجنيد الرسام بعد مقتل أحد أقاربه. وعمل، بسبب تبرمه من صراعات السلطة بين قادة التيجراي، على تأمين تأشيرة للذهاب للولايات المتحدة. "إنني شاب، يمكنني تحقيق الكثير. كما تعول أسرتي علي. ولا أريد أن أهدر أي وقت آخر على الحرب".

سوء التغذية يحصد حياة البشر بالفعل

في زقاق ضيق في ميكيلي، بعيدًا عن الآذان المتلصصة، يؤكد أبيبي (وهو اسم مستعار) أنه سيسعى أيضًا لمغادرة إثيوبيا بدلًا من ارتداء الزي العسكري مرة أخرى. "نعرف الآن عواقب الحرب" حسبما يؤكد الشاب الذي يبلغ 30 عامًا. "لقد فقدت أخويَ الصغيرين وعددا من الأصدقاء. على القادة السياسيين تحقيق السلام، ووقف العمل من أجل مآربهم الخاصة". يخشى هذا الطبيب، الذي كان ضمن أعضاء قوات دفاع التيجراي الذين لم يتم تسريحهم، ولا يزال يعمل في مستشفى عسكري في ميكيلي، من أن يتم إجباره على خوض القتال مجددًا، إذا تجددت الصدامات مرة أخرى. ولا زال موطنه محتلًا من قبل القوات الإريترية. "لقد ضحى التيجرانيون وتجاوزوا تحديات كثيرة للغاية، لدرجة أنه لا يوجد أحد (من بينهم) يريد العودة للحرب".

عودة إلى آدي مهمداي، والفلاح العاطل مِذين يالم المذكور سابقًا، فإنه يصف كيف أن المجتمع الذي يستضيف المشردين بدأ بالتدريج يدير ظهره لهم. "لقد طفح الكيل بالمحليين نحونا. ولم يعد لديهم طعام كاف لنشاركهم إياه لأنهم أنفسهم يعانون من آثار الصراع"، حسبما رثت أم حال عائلتها. وفي هذا الوقت فإن سوء التغذية يزداد سوءًا في تيجراي. وفي مطلع مارس/آذار، حصد الجوع حياة أبيا تيكلو، وهي أم لثلاثة فتيات صغيرات. "لقد كانت تعاني من سوء التغذية لمدة من عامين على ثلاثة أعوام. وقد ساءت حالتها، كما أصيبت بفشل كلوي" حسبما يذكر زوجها تيشيجير تيجيجني.

سجل معهد ميكيلي لبحوث الصحة العامة زيادة في سوء التغذية بين الأطفال والمراهقين تحت سن 18 عامًا، إذ ارتفعت من 43٪ إلى 48٪ بين يوليو/تموز 2024 ويناير/كانون الثاني 2025. "إن التوتر على مستويات متعددة والخوف من (اندلاع) حرب جديدة يسهم في سوء التغذية وعدم الأمن الغذائي" حسبما يقول هايلوم كانساي مدير المعهد. كما زاد قرار تجميد التمويل المقدم من الهيئة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، الذي أمرت به إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20 يناير/كانون الثاني، من تردي الوضع الإنساني الذي سيصبح كارثيًا حال استئناف الحرب.