السبت 7 مارس 2026
عادت مسألة استخدام الحكومة السودانية لاستخدام السلاح الكيماوي إلى الواجهة بعد جولة أوروبية قامت بها عناصر من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة، المعروف باسم "صمود". وقد تحركت صمود في عدة وفود، لبحث مواضيع متعددة، مثل: مسألة تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية من خلال إتاحة المنصات اليمينية المتطرفة في أوروبا مساحة لقادة التحالف في نقل رسائلهم. ما علاقة جولة صمود بمسألة السلاح الكيماوي؟ ولماذا ينظر الناس للاتهامات بعين الريبة؟ وماذا قالت المنظمات الدولية في هذا الشأن؟ وما هو سند الاتهامات؟ وهل لها تأثير مستقبلاً؟
أعلن وفد تابع للتحالف، في 26 يناير/ كانون الثاني 2026، مقابلته للرئيس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وحسب البيان الصادر عن صمود، فإن لديهم أدلة مادية موثوقة، لاستخدام القوات المسلحة السودانية سلاح كيماوي؛ مستشهدين بحالات تتلقى العلاج بالخارج.
ورغم أن الرحلة، حسب بيان صمود في 20 يناير/ كانون الثاني 2026، تهدف لبحث وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية؛ إلا أن الوجهات الأوروبية تشي بأن الهدف أبعد من ذلك. زارت وفود صمود خمسة بلدان أوروبية: فرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وبريطانيا. تشترك كل هذه البلدان بارتباطها بمنظمة حظر السلاح الكيماوي؛ ففرنسا وألمانيا وبريطانيا أعضاء بالمجلس التنفيذي للمنظمة. ويعد المجلس الجسم المسؤول عن اتخاذ إجراءات بحق السودان، فضلا عن كون هولندا دولة مقر المنظمة.
المخرج الأكثر فعالية، هو أن تقوم اللجنة الوطنية بتقديم تنوير للرأي العام حول أعمالها وما توصلت إليه إلى الآن، وأن يتبع ذلك مؤتمرات صحفية في الدول الممثلة في المجلس التنفيذي للمنظمة، وفي السفارة السودانية بهولندا. أما التندر على جولة صمود، والتغافل عن آثارها، لن يحصد وباله إلا السودانيون
دفعت خطابات قادة صمود وتصريحاتهم إلى أن الرحلة كانت بغرض مسألة السلاح الكيماوي أكثر من أي ملف آخر. على سبيل المثال، أثنى عبد الله حمدوك، رئيس المكتب التنفيذي لصمود، على فضائية فرنسية استضافته لأنها أعدت تقارير صحفية عن استخدام السلاح الكيماوي في السودان. لقد باتت مسألة الكيماوي العنوان الرئيسي للفضائيات، وأعدت سكاي نيوز عربية مادة، صنفتها القناة تحقيقاً استقصائياً، حول استخدام الجيش السوداني للكيماوي. تداعى لهذه المادة قادة صمود، من كل حدب وصوب، ليشكروا القناة على تقريرها، ويؤكدوا أهميته. ومضت عدد من المحطات الموجودة بالإمارات، مثل قناة المشهد، لتناول الأمر.
أشار رئيس لجنة العلاقات الخارجية بصمود، بابكر فيصل، في مقابلة مع قناة ألمانية، أن هذه الجولة لا تنفصل عن جولاتهم السابقة في القارة الأفريقية، مشيراً بالاسم لزياراتهم إلى المغرب وجنوب أفريقيا، ونيجيريا. هذه الدول أيضاً لها عضوية في المجلس التنفيذي؛ مما يرجح أن مسألة السلاح الكيماوي كانت الغرض الأساسي من الجولة لا البحث عن وقف للحرب.
نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، مطلع عام 2025، تقريراً قالت فيه أن الجيش السوداني استخدم سلاحاً كيماوياً استناداً على شهادات أربعة مسؤولين أمريكيين. وبحسب التقرير فإن السلاح الكيماوي من المرجح أنه استخدم في الخرطوم بحري. لكن المسؤولين قالوا إن عدم الكشف عن الهجمات بغرض حماية المصادر والمنهجية التي تم بها تجميع المعلومات. وفي مايو/ أيار 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها ستفرض عقوبات على السودان بسبب استخدام السلاح الكيماوي.
ردت الحكومة السودانية على قلق الحكومة التشادية بيان شديد اللهجة، عرضت فيه بحرص تشاد على المسؤولية الإقليمية مثمنة هذا الشعور، داعية تشاد "إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الإمداد بالسلاح والعتاد والمرتزقة التي تتم من أراضيها وعبر حدودها"
الإشارة إلى السلاح الكيماوي تعيد للسودانيين قصة قصف مصنع الشفاء للأدوية، والذي تعرض للقصف من قبل الحكومة الأمريكية في 20 أغسطس/ آب 1998، بذريعة إنتاج مواد لتصنيع السلاح الكيماوي، وصلة المصنع بزعيم تنظيم القاعدة الأسبق أسامة بن لادن. جاء الهجوم بعيد أيام من تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي الكينية ودار السلام التنزانية، اللذين خلفا أكثر من 200 قتيل وأكثر من أربعة آلاف جريح.
كان مصنع الشفاء هدفاً للانتقام الأمريكي بصحبة موقع آخر في أفغانستان لارتباطهما بتنظيم القاعدة حسب التقديرات الأمريكية. وقد كشف تقرير صحفي أمريكي، بعد أسابيع فقط من تنفيذ العملية، أن الهجوم لم يستند إلى أي أدلة قوية تؤكد إنتاج المصنع للسلاح الكيماوي. وذهب التقرير إلى أن ضباط الاستخبارات الأمريكان لم يكونوا يعلموا من هو المالك للمصنع لحظة وقوع القصف. وعندما تبين أن المصنع وملكيته لا يمتان بصلة للقاعدة ولا زعيمها، قالوا إن المالك مجرد واجهة. تمكن المفارقة أن المصنع، حصل قبل أشهر معدودة من الهجوم على مصادقة مجلس الأمن لتصدير أدوية بيطرية بقيمة 200 ألف دولار للعراق ضمن برنامج الأممي النفط مقابل الغذاء.
ظل اسم السياسي السوداني، مبارك الفاضل المهدي، أكثر اسم مرتبط بقضية مصنع الشفاء. مبارك كان من أكثر المرحبين بقصف المصنع، بحكم موقعه المعارض للنظام وقتها. وقد ادعى مبارك أن لديه معلومات تثير الشكوك حول المصنع، وأنه ليس مصنعاً لإنتاج الدواء، بذرائع على شاكلة أن خفر المصنع يحرسونه بالبنادق لا العصي، وأن غلايات المصنع حجمها غير طبيعي مقارنة بما هو متعارف لدى مصانع الدواء. ما زال مبارك يحكي عن التقرير الذي حصل عليه من أحد العاملين بمجال صناعة الأدوية، بينما وزيرة الخارجية، مادلين أولبرايت، ووكيلها، توماس بيكرين، قد وأدا تقريراً داخلياً من شعبة البحث والاستخبارات في الوزارة، وصل العاملون عليه إلى أنه لا توجد أدلة لربط المصنع بصنع السلاح الكيماوي ولا بأسامة بن لادن.
اليوم، كثرت الأصوات المعارضة التي تجزم باستخدام السلاح الكيماوي في السودان. بخلاف بنادق مبارك الفاضل، فقد جمعت الحقوقية وعضو المكتب التنفيذي ل "محامو الطوارئ"، رحاب مبارك، ما اعتبرته أدلة لاستخدام السلاح الكيماوي مثل: موت الفئران والثعابين في الحقول، وفشل المحاصيل الزراعية.
كان شهر مارس/ آذار 2025، هو موعد الدورة 108 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر السلاح الكيماوي بعد ظهور الاتهامات المتعلقة باستخدام السلاح الكيماوي. على عكس المتوقع، لم ترد الإشارة إلى استخدام السودان للسلاح الكيماوي مطلقاً في هذه الجلسة. قدمت الولايات المتحدة في هذه الجلسة حوالي أربعة خطابات، أشارت في اثنين منهما لدول بعينها: الجمهورية العربية السورية وبرنامجها للسلاح الكيماوي، والحكومة الفنزويلية وتهديد نظام مادورو للأمن الأمريكي. وفي خطاب آخر أكثر شمولاً تحدثت عن إيران.
انعقد الاجتماع 57 للمجلس التنفيذي، في يوليو/تموز 2025، بطلب من إيران مسببة ذلك بتعرض أحد منشآتها الكيميائية للتدمير خلال هجوم إسرائيلي في يونيو/حزيران 2025. بطبيعة الحال، لم يكن السودان ضمن الأجندة، لكن كلمات الوفود، والتي تضمنت خطاباً للمندوب الأمريكي خلت من الإشارة إلى السودان مطلقاً.
ما زال مبارك يحكي عن التقرير الذي حصل عليه من أحد العاملين بمجال صناعة الأدوية، بينما وزيرة الخارجية، مادلين أولبرايت، و وكيلها، توماس بيكرين، قد وأدا تقريرا داخليا من شعبة البحث والاستخبارات في الوزارة، وصل العاملون عليه إلى أنه لا توجد أدلة لربط المصنع بصنع السلاح الكيماوي ولا بأسامة بن لادن
انعقدت الدورة 109 للمجلس التنفيذي بعد أيام من الاجتماع الذي دعت له إيران. كانت هذه المرة الأولى التي يرد فيها اسم السودان مرتبطاً بمسألة السلاح الكيماوي. وقد جاءت الإشارة بناء على طلب دولة تشاد، بحكمها طرفاً موقعاً ومصادقاً على المعاهدة، من المنظمة أن تستقصي مزاعم استعمال السودان للسلاح الكيماوي، وعن نتائج تقرير لجنة التحقيق الوطنية التي شكلتها الحكومة السودانية، بالإضافة لمساءلة الحكومة السودانية عما إذا كانت تمتلك أو تدرك بوجود سلاح كيميائي بالسودان أم لا. وقد سبقتها جمهورية موريتانيا في طرح ذات الأسئلة، بالإضافة لبنين وغينيا بيساو. قامت الولايات المتحدة بالترحيب بتشكيل السودان للجنة فنية للبحث في هذا الأمر. بعد ذلك، قال موفد السودان في كلمته أن الحكومة السودانية تلقت بقلق بالغ المزاعم الأمريكية، وأن اللجنة المشكلة تنتظر أن تقدم لها الجهة التي أصدرت المزاعم المعلومات الكافية. وفي ردها على كلمة السودان، قالت الولايات المتحدة إنها منخرطة بشكل بناء مع السودان ليكون ضمن التي تعلن عن وجود سلاح كيماوي وتتخلص منه.
عادت تشاد للواجهة مرة أخرى في أعمال الدورة 110، معلنة أن الرد السوداني لم يكن مقنعاً، وأن دولة تشاد لديها شكوك وتحفظات على نزاهة وحيادية اللجنة الوطنية للبحث في مزاعم استخدام السلاح الكيميائي. وقد ردت الحكومة السودانية على قلق الحكومة التشادية بيان شديد اللهجة، عرضت فيه بحرص تشاد على المسؤولية الإقليمية مثمنة هذا الشعور، داعية تشاد "إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الإمداد بالسلاح والعتاد والمرتزقة التي تتم من أراضيها وعبر حدودها".
بالعودة إلى القناة الفرنسية التي أثنى عليها حمدوك، فإنها قد أعدت تقريرين حول استعمال السودان للسلاح الكيميائي في منطقة الجيلي شمالي الخرطوم. كان التقرير الأول عبارة عن مجموعة من المقاطع والصور التي تظهر استخدام غاز أصفر اللون، والذي يشابه غاز الكلور. رغم ترجيح التقرير إلى أن هذا غاز للكلور واستخدم كسلاح كيماوي؛ فإن التقرير اختتم بإفادات للخبراء، بأن تجميع الأدلة من خلال بحث العينات، خاصة فيما يتعلق بالكلور، أمر صعب جداً، وأن الحل الوحيد للتقصي هو إجراء فحص دم لأولئك الذين تعرضوا للهجوم. وأفاد خبير آخر، في ذات التقرير، أنه يعتقد أن هذه هجمات بالكلور، لكن الفيديوهات ليست دليلاً قاطعاً، لأن اللون الأصفر قد يشابه الدخان الناتج عن استخدام قنابل القرنيت. بينما اعتبر أحد الخبراء أن هذه الأدلة مقنعة وتشير لوقوع هجوم. وقد بنى التقرير هذه التهمة بناء على أن الجيش هو الجهة الوحيدة التي لها القوة الجوية الكافية لتنفيذ هكذا عملية.
في التقرير الثاني، شاركت في إعداد أجزاء منه منظمة أمريكية غير حكومية معنية بمحاربة الشبكات التي تقوض السلم والأمن الدوليين. هدف التقرير للقول بأن الكلور الذي استورد بغرض تنقية المياه تحول إلى سلاح كيماوي. وقد تطابقت صورة من الصور المنشورة في التقرير، مع إحدى الوثائق المتعلقة بتصدير الكلور للسودان، ما يضع تضييقاً للمسألة بربطها بالحكومة السودانية، لأن الشركة المستوردة للكلور تتبع للحكومة السودانية. وقد كانت المعلومات المقدمة من المنظمة الأمريكية ذات تأثير بالغ في بنية التقرير، إذ قدمت معلومات مفصلة عن التبادلات التجارية لشركة الموانئ الهندسية المسؤولة عن استيراد الكلور، حسب الوثائق. ولأن الشركة تستورد معدات ذات استخدام عسكري من بلدان أخرى، فالتقرير يقود القارئ ضمناً لأن يصل لخلاصة أن الكلور استخدم كسلاح، بصورة أشبه بالحجج التي سيقت لتبرير الهجوم على مصنع الشفاء أنه لا ينشر منتجاته التي يبيعها على عكس مصانع الدواء الأخرى. غير أن الإشكالية الرئيسية هي أن المنظمة الأمريكية تتلقى دعماً وتمويلاً من جهات حكومية أمريكية؛ مما يطعن في حيادتيها، خاصة أن الولايات المتحدة هي التي أطلقت هذه المزاعم. وقد قامت القناة الفرنسية بالتنويه لعلاقات المنظمة بعد نشر التقرير.
ستنعقد الدورة 111 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر السلاح الكيميائي في غضون أسابيع. هذه المرة ستكون الحكومة السودانية أمام تحد صعب، خاصة في ظل تحركات تحالف صمود المشبوهة، والتي يبدو أنها عمل تراكمي للضغط على الحكومة السودانية. ولن يزيد التقرير الفرنسي الأمور إلا تعقيداً. المخرج الأكثر فعالية، هو أن تقوم اللجنة الوطنية بتقديم تنوير للرأي العام حول أعمالها وما توصلت إليه إلى الآن، وأن يتبع ذلك مؤتمرات صحفية في الدول الممثلة في المجلس التنفيذي للمنظمة، وفي السفارة السودانية بهولندا. أما التندر على جولة صمود، والتغافل عن آثارها، لن يحصد وباله إلا السودانيون.