تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

كيف يستعد موسيفيني ليخلف نفسه؟

15 ديسمبر, 2025
الصورة
كيف يستعد موسيفيني ليخلف نفسه؟
Share

لا يعرف الأوغنديون لما يقارب 40 عاما غير يوري موسيفيني، البالغ من العمر 81 عاما، زعيما للبلد، ولايزال متمسكا بالسلطة رغم تعهداته الكثيرة بالاعتزال والتي تتقاطع مع وعوده القديمة الجديدة بتحويل بلاده إلى دولة قوية. وسيحج الأوغنديون الشهر القادم، المقررة يوم 15 يناير/كانون الثاني 2026، إلى صناديق الانتخابات، ومرة أخرى يريدها الزعيم مؤيدة لحكمه، بينما يطمح الشباب إلى التغيير، حيث سيعود مرشح المعارضة، روبرت كياغولاني، المعروف بلقب "بوبي واين"، البالغ من العمر 43 عاما، لينافس الرئيس للمرة الثانية، وعينه على المستقبل كما الكثير من أنصاره. وبينهما تصعب إمكانية الحسم مع نظام هندس كل المحاور ليضمن له البقاء في انتخابات حاسمة مرتقبة، يشتد وطيسها منذ أسابيع.

موسيفيني، الحاكم الأبدي

ظلت أوغندا منذ استقلالها عام 1962 ساحة لعدم الاستقرار والانقلابات العسكرية، اختير أبولو ميلتون أوبوتي أول رئيس للبلد، غير أن الانقلاب العسكري أنهى فترة حكمه عام 1971، فتولى عيدي أمين الحكم، غير أنه لم يعمر طويلا، وإن كانت 8 سنوات التي قضاها في الحكم كافية لتمزيق البلاد، بعدما كشفت عن بشاعة نظامه السلطوي. سيعود أوبوتي للمرة الثانية للحكم بعد الانقلاب على سلفه، ليلقى ذات المصير بالانقلاب عليه في يوليو/تموز 1985.

ووصل يوري موسيفيني إلى السلطة مطلع عام 1986، قادما إليها من تنزانيا التي وصلها معارضا لنظام عيدي امين، مؤسسا "لجبهة الخلاص الوطني" التي نجحت في الإطاحة بنظام عيدي، بعدما خسر الانتخابات الرئاسية لصالح ميلتون أوبوتي عام 1980. بعد ست سنوات سيقود "جيش المقاومة الوطنية" للإطاحة بنظامه، محكما قبضته القوية على السلطة منذ توليته الحكم.

تمكن من ترتيب المشهد ليضمن بقائه في الحكم، وبعد تنظيم أول انتخابات رئاسية متعددة عام 1996، حافظ على الاستمرار في الحكم لعقدين على وصوله إلى المنصب بالشرعية الثورية، بزعامته للحركة الثورية التي أنهت نظام عيدي أمين. لم ينحج الضابط السابق في الجيش كيزا بيسيجي، في مواجهه الرئيس، الذي قام بالتضييق عليه، ثم سجنه لفترة وجيزة، لكن احتفظ به أرنبا مفضلا في سباق الرئاسيات؛ فقد واكب الانتخابات اللاحقة حتى عام 2016.

مستثمرا شهرته كمغني للبوب بعد أن تحول إلى أيقونة للغناء المعارض، ويراهن مغني البوب على إرثه العائلي، فوالده كان معارضا سابقا، ليرسم معالم معارضة جديدة، مستغلا شعبيته بين الشباب، ويوصف "بالمعارض الأحمر" كناية عن ارتداء أنصاره للقبعات الحمراء رمزا لهم

بدأ موسيفيني الحكم على قاعدة الحزب الواحد، فحل الأحزاب السياسية وسيطر حزبه "حركة المقاومة الوطنية" على المشهد إلى غاية عام 1995. بعد عشر سنوات، ستعود البلاد إلى التعددية الحزبية، إذ ستحافظ على انتخابات دورية متحكم فيها سلفا. استطاع موسيفيني عبر شبكة من العلاقات تعزيزها بحكم العائلة؛ حيث شغلت زوجته منصب وزارة التربية والرياضة، ويتولى نجله موهوزي رئاسة الأركان، بينما شغل شقيقه الأصغر مستشار رئاسي لشؤون الدفاع.

هكذا، ترسم الانتخابات الأوغندية على المقاس بما يضمن استمرار نظام وعائلة موسيفيني، فقد نجح في السهر على تنظيم استحقاقات متحكم فيها منتظمة تاريخيا؛ فبعد أن انتهى زمن الاستفراد الحزبي والرئاسي، سينفتح على التعددية الحزبية والانتخابية، وكان دائما مهندسا كل الأمور لصالحه، فألغى شرط تحديد الفترة الرئاسية في ولايتين في دستور عام 2005، ما أتاح له الاستمرار في الحكم. إغراءات التعديل ستتكرر عام 2017، حيث أزال الحد الاقصى لسن المترشح، بأن لا يتجاوز سن 75 عاما، كما تنكر لوعده بعدم الترشح للانتخابات المقبلة، فعاد قبل أشهر معلنا رغبته في الترشح لتنمية البلاد.

لئن حافظ نظام موسيفيني على ديمومة الانتخابات محققا احتراما لشروطها، لكنه علميا يفرغها من جوهرها. فقد تحولت إلى مجرد مناسبة لتجديد الولاء على ديمومة نظامه، مياه كثيرة جرت في البلد وخارجها، فهل ستتحقق نبوءة تغيير النظام بشرعية الاقتراع لصالح المعارضة؟ أم سيظل عصيا عن التغيير، ويكيف العملية الانتخابية كما هي عادته دائما، لتجديد العهدة؟

هل تفعلها المعارضة مع المرشح الأحمر؟

يبدو أن المعارضة التقليدية ممثله في حزب "المنتدى للتغيير الديمقراطي" وزعيمه السابق كيزا بيسيجي، البالغ من العمر 69 عاما، فضلت في الانتخابات الأخيرة أن تتراجع كما فعلت في الانتخابات السابقة، وفتحت المجال أمام قوى جديدة، يمثلها أساسا حزب "منصة الوحدة الوطنية" بقيادة روبرت كياغولاني المعروف باسم بوبي واين، الذي تقدم للانتخابات القادمة مراهنا على دعم باقي الأحزاب، وإن كانت طموحاته لبناء جبهة للمعارضة لا تزال بعيدة.

يحاول العقيد الأسبق بالجيش، كيزا بيسيجي، الذي يوصف بالمعارض الدائم لنظام موسيفيني، منذ عشرين عاما فتح باب التغيير الديمقراطي. ولج قبل ربع قرن مجال السياسية قادما إليها من "حركة المقاومة الوطنية" التي أطاحت بنظام عيدي وميلتون، وخلالها اشتغل طبيبا خاصا بالرئيس موسيفيني، معلنا لأول مرة ترشحه ضد رئيسه الذي اتهم نظامه بالفساد، فخسر الانتخابات، وألقي القبض عليه لفترة وجيزة بتهمة الخيانة.

كأي معارضة بالبلد فالنظام يواجهها بذات الأساليب، فاعتقل ووضع رهن الإقامة الجبرية عدة مرات، وكان قد اقتحم بوابة السياسة قادما إليها من التمثيل والغناء

ظلت هذه التهمة ملازمة له لكبح جماح معارضته الأول، بعد خسارته الأولى، تمكن من مغادرة البلاد الى جنوب أفريقيا خوفا على حياته، مستغربا الاتهامات بالخيانة ودعم المعارضة، مؤكدا استمراره على نهجه السلمي السياسي. وبنفس التهمة اعتقل قبل انتخابات 2006، بعد عودته وانخراطه في الانتخابات، وأضيفت إليه تهمة الاغتصاب، والتي اعتبرت مجرد تلفيق من النظام للإساءة إليه، ومنعه من الترشح. وللمرة الثالثة، سيترشح في فبراير/شباط 2011، ليخرج خاسرا للرهان، وسيجازى بالاعتقال كالعادة، وبعد مشاركته الأخيرة في انتخابات 2016، سيحكم عليه بالإقامة الجبرية بعد إعلانه الفوز، وخلال أدائه اليمين الدستورية سرا سيعتقل مرة أخرى.

قرر في انتخابات 2021 عدم الترشح، لكن دون أن يتنفس النظام من انتهاء حكاية المعارض الدائم، فانسحابه جاء لدعم المرشح الصاعد بوب وأين. لكنها لم تعفيه من الاعتقال مرة أخرى بعد مشاركته في الاحتجاجات النقابية، واختطف في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 خلال رحلة إلى كينيا، ويتابع أمام محكمة عسكرية بتهمة الخيانة وحيازة الأسلحة، وترفض اطلاق سراحه رغم ظروفه الصحية الحرجة.

التجربة الأولى للمرشح الصاعد بوبي واين لم تحقق له فوزا أمام نظام عصي عن التغيير، وسيعيد الكرة في الانتخابات المقبلة، مستثمرا شهرته كمغني للبوب بعد أن تحول إلى أيقونة للغناء المعارض، ويراهن على إرثه العائلي، فوالده كان معارضا سابقا وعلى نهجه يسير، ليرسم معالم معارضة جديدة، مستغلا شعبيته بين الشباب، ويوصف "بالمعارض الأحمر" كناية عن ارتداء أنصاره للقبعات الحمراء رمزا لهم.

يرسم النظام صورة تؤكد بأن لا بديل عنه، ويواجه الشارع بالشرعية الثورية تارة، وانصار المعارضة بحبائل الهندسة الانتخابية التي تضمن استمراره تارة أخرى

وكأي معارضة بالبلد فالنظام يواجهها بذات الأساليب، فاعتقل ووضع رهن الإقامة الجبرية عدة مرات، وكان قد اقتحم بوابة السياسة قادما إليها من التمثيل والغناء، وترشح عام 2017 برلمانيا مستقلا عن دائرة كيادوندو الشرقية، وتعززت شعبيته بعد قيادته معارضة التعديل الدستوري في السنة ذاتها. أسس عام 2021 حزب "منبر الاتحاد الوطنية" وتقدم للرئاسيات، كسب اعتقالا بعد خسارته، وصرح بتعرضه للتعذيب خلال فترة الاحتجاز، وسيكرر ذات المحاولة في الاستحقاقات المرتقبة، والأنظار إليه موجهة من الآن.

وعموما، يتأكد بأن النظام لم ينجح في إسكات صوت المعارضة، لكأنه يستأنس بها لتعزيز شرعيته، غير أنه في ذات الوقت حازم في التعامل معها، فيمارس كل السياسات والتضييق على قادتها بما يضمن بقائه وتهميش حضورهم، وبدأ مبكرا حملته للتضيق عليها استعدادا للانتخابات القادمة.

استحقاقات قادمة وانتقال صعب

انتهت الانتخابات السابقة تاركة ندوبا في ذاكرة السياسية للأوغنديين، تتجاوز أسئلة نزاهة وشفافية العملية بعد انسحاب عدة بعثات لمراقبة الانتخابات، إلى سياسة العنف والتضييق على المعارضة. وبالترقب والقلق يتابعون تطور المشهد من تكرار ذات الأحداث في الانتخابات القادمة، وتنذر بذات المصير، فقد بدأت الحملة الانتخابية قبل أيام عنيفة، وعبرت العديد من المنظمات كما مفوضية الانتخابات الأوغندية عن قلقها من قمع المعارضة وتنامي العنف.

يرسم النظام صورة تؤكد بأن لا بديل عنه، ويواجه الشارع بالشرعية الثورية تارة، وانصار المعارضة بحبائل الهندسة الانتخابية التي تضمن استمراره تارة أخرى، رهان يؤكده تأجيله استعمال ورقة تقديم موسيفيني نجله، الجنرال كاينيروغابا، قائد قوات الامن الخاصة ورئيس أركان الجيش لوراثته، ويظهر بأن خطة التوريث لم تقنع الأب الذي فضل العودة إلى رحاب المنافسة مرة أخرى، موقنا بالنصر والعودة المظفرة لسدة الحكم.

اليقين بالنصر يدفعه الى مواصلة الضغط لإسكات وإضعاف المعارضة، لينجح في كسب معركة الانتخابات على طريقته، كما يتحدى الشباب عقب احتجاجات جيل زد، وردا على حملة سابقة تحمل اسم "وداعا موسيفيني" متسائلا ما الذي أنجزتموه؟

يغفل أنظاره على التحدي الانقلاباتي، بعد تجدد المد العسكري في القارة بعد الانتخابات. يوقن بأنه سيناريو صعب في بلد تحكم عائلته سيطرتها على كافة المؤسسات، بما فيها المؤسسة الأمنية والعسكرية، غير أنه خيار قد يثير شهية الأوغنديين رغم خصوصية البلد، وقدرة النظام على التحصين ضد الانقلابات العسكرية، فنجليه يحكمان السيطرة على المشهد، لكن متى كانت الأنظمة الأفريقية محصنة من الانقلابات؟

مهما يكن من أمر، تؤكد كل المؤشرات بأن النتيجة حاسمة مسبقا، عهدة جديدة ما لم تحدث مفاجآت استثنائية، لكن كل الخوف من ان تتقلص مساحة الايمان بالتغيير بالصناديق، وأن يتدخل العسكر لحسم الأمور لصالح التغيير، أو أن يخلف النظام نفسه بانقلاب يتيح له التغيير من الداخل.