الاثنين 7 سبتمبر 2026
تستضيف أفريقيا أكثر من 45 مليون لاجئ ونازح داخليًا، ما جعلها واحدة من أكثر مناطق العالم تأثرا بأزمات النزوح. وبينما تُختزل هذه الظاهرة عادة في أبعادها الإنسانية، تكشف التطورات الأخيرة عن واقع اقتصادي مختلف؛ إذ لم يعد اللاجئون والنازحون مجرد متلقين للمساعدات، بل أصبحوا يشاركون في الإنتاج والاستهلاك وريادة الأعمال. ما أفرز ما باتت بعض الأدبيات الحديثة تُطلق عليه "اقتصاد النزوح"، وهو نمط اقتصادي ينمو خارج الأطر الرسمية، ويعيد تشكيل النشاط الاقتصادي في العديد من الدول الأفريقية.
خلف أزمات النزوح الممتدة في أفريقيا نشأت أسواق جديدة ترتبط باحتياجات ملايين اللاجئين والنازحين، بدءا من الغذاء والسكن وصولا إلى التجارة والخدمات والمشروعات الصغيرة. يكشف تقرير "الاختباء في وضح النهار: فرصة سوق النزوح في أفريقيا بقيمة 27 مليار دولار" حجم هذه القوة الاقتصادية غير المرئية، إذ يقدر أن النازحين في القارة يولدون دخلا سنويا يبلغ نحو 27 مليار دولار، منها 22.1 مليار دولار للنازحين داخليا و5.6 مليار دولار للاجئين. كما تشير التقديرات إلى أن نسبة ريادة الأعمال بين النازحين تصل إلى نحو 12٪، بما يعكس تحول هذه المجتمعات من مجرد ساحات لتلقي المساعدات إلى تجمعات اقتصادية تمتلك أنشطة إنتاجية وتجارية خاصة بها.
لا تكمن أهمية اقتصاد النزوح فقط في حجم الأنشطة التي ينشئها اللاجئون والنازحون، بل أيضا في كونهم يمثلون قاعدة استهلاكية مؤثرة داخل الاقتصادات المضيفة. فوفقًا لبعض التقديرات، تبلغ القوة الشرائية للنازحين قسرا في أفريقيا نحو 82 مليار دولار؛ أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل غانا، ما يعكس حجم الطلب الاقتصادي الذي تولده هذه المجتمعات.
تكشف التجربة الأفريقية أن اللاجئين والنازحين ليسوا مجرد ضحايا للأزمات أو مستفيدين من المساعدات، بل يمثلون قوة اقتصادية حقيقية قادرة على المساهمة في النمو والتنمية إذا أُتيحت لها الفرصة
تزداد أهمية هذا الاقتصاد في أفريقيا مع طول أمد أزمات النزوح، حيث تحولت العديد من تجمعات اللاجئين والنازحين من مواقع مؤقتة إلى مجتمعات ذات دورة اقتصادية مستمرة. تشير تقارير البنك الدولي إلى أن حالات النزوح الممتدة تدفع نحو توسع أنشطة العمل الحر والمشروعات الصغيرة بين اللاجئين، كما تؤثر في اقتصادات المناطق المضيفة من خلال تنشيط قطاعات مثل: التجارة والزراعة والخدمات. ومع ذلك، يظل جزء كبير من هذه القيمة الاقتصادية خارج الحسابات الرسمية، بسبب اعتماد العديد من هذه الأنشطة على الاقتصاد غير الرسمي، الأمر الذي يجعل مساهمة النازحين في الاقتصاد الأفريقي أكبر بكثير مما تعكسه الإحصاءات التقليدية.
توضح التجارب الأفريقية أن القيمة الاقتصادية للنزوح لا تتوقف عند حجم الإنفاق والاستهلاك، بل تمتد إلى قدرة اللاجئين أنفسهم على تأسيس مشروعات وتحويل احتياجات مجتمعاتهم إلى فرص اقتصادية. وتبرز أوغندا ـ والتي تعد من أكبر خمس دول مستضيفة للاجئين حول العالم بواقع 1.9 مليون لاجئ ـ أحد النماذج الأكثر وضوحًا في هذا المجال، حيث سمحت سياساتها للاجئين بالعمل وامتلاك مشروعات والتنقل داخل البلاد، وهو ما ساعد على نمو أنشطة اقتصادية داخل تجمعات اللاجئين وخارجها.
في ظل استمرار أزمات النزوح في أفريقيا، تتزايد الدعوات إلى التعامل معه باعتباره قضية تنموية واقتصادية، وليس مجرد أزمة إنسانية
في مخيم بيدي بيدي، أنشأ لاجئون جمعية ادخارية تطورت من مبادرة صغيرة إلى مؤسسة تضم أكثر من 12 ألف عضو، وقدمت قروضا بملايين الشلنات الأوغندية لتمويل مشروعات داخل المجتمع المحلي. كما دفعت هذه التجارب مؤسسات مالية، مثل DFCU Bank إلى تطوير برامج لدعم رواد الأعمال من اللاجئين بالتعاون مع تحالف "أماهورو"، بما يعكس تحولًا تدريجيا في التعامل مع مجتمعات النزوح باعتبارها قاعدة اقتصادية يمكن الاستثمار فيها، وليس فقط مجالا للتدخلات الإنسانية.
تؤكد تجربة جنوب أفريقيا أن مشروعات اللاجئين يمكن أن تحقق أثرا اقتصاديا يتجاوز حدود مجتمعهم المباشر. فقد أظهرت دراسات حديثة أن 85٪ من اللاجئين الذين أسسوا مشروعات صغيرة اعتمدوا على مدخراتهم الخاصة كبداية لرأس المال، خاصة في قطاعي التجارة والخدمات. وأسهمت هذه المشروعات في تنشيط الأسواق المحلية من خلال التعامل مع الموردين، ودفع الإيجارات والرسوم، وتوفير فرص عمل لبعض أفراد المجتمعات المضيفة. وتوضح هذه التجارب أن اللاجئين لا يمثلون فقط قوة استهلاكية داخل الاقتصاد، بل يساهمون أيضًا في جانب الإنتاج والاستثمار، بما يجعل دمجهم اقتصاديًا فرصة لتعزيز النمو المحلي في أفريقيا.
على الرغم من المؤشرات الإيجابية السابقة، فإن الجزء الأكبر من الاقتصاد المرتبط بالنزوح لا يزال يعمل خارج الأطر الرسمية. فالكثير من اللاجئين والنازحين في أفريقيا يفتقرون إلى الحسابات المصرفية أو السجلات التجارية أو الضمانات المطلوبة للحصول على التمويل، الأمر الذي يحد من قدرتهم على التوسع والاستثمار.
تشير التقارير الدولية إلى أن العديد من المؤسسات المالية الأفريقية لا تزال تنظر إلى اللاجئين باعتبارهم فئة مرتفعة المخاطر، وهو ما يؤدي إلى استبعادهم من الخدمات الائتمانية والتأمينية. كما أن غياب الوثائق القانونية أو القيود المفروضة على العمل في بعض الدول يزيد من صعوبة دمجهم في الاقتصاد الرسمي. ونتيجة لذلك، تستمر نسبة كبيرة من الأنشطة الاقتصادية للاجئين في العمل داخل القطاع غير الرسمي، ما يحرم الحكومات الأفريقية من الإيرادات الضريبية، ويحرم اللاجئين من فرص النمو.
تؤكد تجربة جنوب أفريقيا أن مشروعات اللاجئين يمكن أن تحقق أثرًا اقتصاديا يتجاوز حدود مجتمعهم المباشر
في ظل استمرار أزمات النزوح في أفريقيا، تتزايد الدعوات إلى التعامل معه باعتباره قضية تنموية واقتصادية، وليس مجرد أزمة إنسانية. يشير البنك الدولي إلى أن دمج اللاجئين في الاقتصادات المحلية عبر توفير فرص العمل، والخدمات المالية، وتنمية المهارات يمكن أن يعزز النمو والاستقرار في المجتمعات المضيفة.
تتزامن هذه التوجهات مع ارتفاع أعداد النازحين عالميا إلى أكثر من 117 مليون شخص بحلول منتصف عام 2025، وهو ما يعكس أن النزوح لم يعد ظاهرة مؤقتة أو استثنائية، بل أصبح أحد التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد العالمي. وفي أفريقيا على وجه الخصوص، حيث تستضيف الدول النامية النسبة الأكبر من اللاجئين، فإن تجاهل الإمكانات الاقتصادية لهذه الفئات يعني إهدار فرصة مهمة لتحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة.
من ثم، فإن الاستفادة من الاقتصاد المرتبط بالنزوح تتطلب سياسات جديدة تشمل تسهيل الوصول إلى الخدمات المالية، وتبسيط إجراءات تسجيل الأعمال، وتوفير التدريب المهني، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المجتمعات النازحة. فهذه الإجراءات لا تخدم اللاجئين وحدهم، بل تسهم أيضًا في تنشيط الاقتصادات المحلية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
تكشف التجربة الأفريقية أن اللاجئين والنازحين ليسوا مجرد ضحايا للأزمات أو مستفيدين من المساعدات، بل يمثلون قوة اقتصادية حقيقية قادرة على المساهمة في النمو والتنمية إذا أُتيحت لها الفرصة المناسبة. وبينما تستمر أعداد النازحين في الارتفاع، يصبح السؤال المطروح أمام الحكومات والمؤسسات المالية ليس كيفية إدارة أعباء النزوح فحسب، بل كيف يمكن تحويل هذه المجتمعات إلى شريك اقتصادي منتج يساهم في تحقيق التنمية الشاملة. فالأدلة المتراكمة تشير بوضوح إلى أن الاقتصاد الخفي للنزوح في أفريقيا لم يعد هامشيًا، بل أصبح واقعًا اقتصاديًا يستحق أن يحتل مكانًا أساسيًا في سياسات التنمية بالقارة.