الأربعاء 12 أغسطس 2026
غالبا ما تُرَدّ أزمة الديمقراطية في إثيوبيا إلى صراعات القادة والأحزاب، أو إلى ضعف المؤسسات واختلال الانتخابات. غير أن وراء هذه التجليات السياسية مشكلة أعمق، تتصل بالطريقة التي يفهم بها المجتمع السلطة ويمارسها؛ إذ كثيرا ما تُساوى الطاعة بالاحترام، ويُنظَر إلى الاختلاف بوصفه علامة على عدم الولاء.
فالسلطة في حد ذاتها ضرورة لا غنى عنها لأي مجتمع مركب؛ إذ توفر التوجيه وتتيح تنظيم العمل الجماعي. لكن هذا الدور الضروري انقلب في إثيوبيا، في كثير من الأحيان، إلى هرمية سلطوية لا تنظّم التعاون بقدر ما تعيد إنتاج الهيمنة.
لهذا، لا يكفي تفسير الظاهرة بسلوك القادة السياسيين أو الأفراد الذين يسيؤون استخدام مناصبهم. فالسلطوية هنا تتجاوز الأشخاص لتصبح منطقا اجتماعيا مستبطنا، يتجذر في المؤسسات والعلاقات وتفاصيل الحياة اليومية. ومن الأسرة إلى الدولة، يشكّل هذا المنطق طريقة تعامل الناس بعضهم مع بعض، ويضيّق إمكانات الممارسة الديمقراطية، ويشوّه الحياة الجماعية.
تبدأ هذه الثقافة من داخل الأسرة. ففي البيوت التي تسودها توقعات هرمية صارمة، يتعلم الأطفال مبكرا التعامل مع حدود غير مرئية للسلطة. ويُكافأ الامتثال عادة بالقبول والشعور بالأمان، بينما قد يقود الاختلاف أو الخروج عن المألوف إلى العقاب أو الاستهجان أو الحرمان من الدعم. وسرعان ما يدرك الطفل أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب منه قراءة مزاج الكبار، وتوقّع ردود أفعالهم، وتكييف سلوكه وفقا لها.
لا تبقى هذه الدروس محصورة داخل المنزل؛ فالطاعة المتوقعة للوالدين تمتد غالبا إلى سائر البالغين في المجتمع، ثم يعيد الأطفال إنتاج الأنماط نفسها في علاقاتهم بعضهم ببعض. ففي اللعب والصداقات والتفاعلات اليومية، يتحول العمر والمكانة إلى مصدرين للسلطة. وقد يفرض الأكبر سنا على الأصغر الامتثال، أو يستخدم السخرية والإقصاء والضغط الجسدي ضد من يتحدى مكانته. وهكذا تصبح هذه العلاقات تدريبا مبكرا على العالم الاجتماعي الأوسع، يتعلم الأطفال من خلالها كيف يخضعون للسلطة، وكيف يمارسونها بدورهم على الآخرين.
تواصل المدرسة ترسيخ هذه الأنماط حين تتمحور العملية التعليمية حول المدرّس، كما لا يزال شائعا في إثيوبيا، فتُقدَّم سلطته ومهمته في تلقين المعرفة على الحوار وطرح الأسئلة ومشاركة الطلاب.
وحين يُفسَّر السؤال على أنه إساءة إلى المدرّس، يحل الحذر محل الفضول. ويتعلم الطلاب أن النجاح لا يعتمد على المعرفة وحدها، بل أيضا على فهم مراتب السلطة ومجاراة توقعاتها. بذلك لا يعود الفصل الدراسي فضاء للحوار والتفاعل، بل يصبح ساحة أخرى يتدرب فيها الطلاب على التكيّف مع السلطة.
السلطوية هنا تتجاوز الأشخاص لتصبح منطقا اجتماعيا مستبطنا، يتجذر في المؤسسات والعلاقات وتفاصيل الحياة اليومية
تمتد هذه التنشئة بسلاسة إلى أماكن العمل والمؤسسات العامة. فقد يكتم موظف أدنى رتبة نقدا وجيها خشية اتهامه بالعصيان، وقد يلتزم موظف حكومي أو عضو في حزب سياسي الصمت إزاء أوجه القصور أو السياسات المعيبة، لأن تحدي الممارسات القائمة قد يهدد أمنه ومستقبله المهني أو طموحه السياسي.
قد يواجه المواطنون، لدى تعاملهم مع الجهاز البيروقراطي، مواقف تُحجب فيها التفسيرات، أو تُعقَّد الإجراءات بلا داع، أو تُمارس الصلاحيات التقديرية لمجرد استعراض السلطة. إنها ممارسات يومية للقوة يصبح فيها فرض السيطرة هو الرسالة بحد ذاته.
تعزّز هذه العملية نفسها بنفسها؛ فالمؤسسات تشكّل السلوك، والأفراد يعيدون إنتاج المعايير التي صاغتهم. ينقل الآباء إلى أبنائهم أنماط الطاعة التي عاشوها، ويكرر المدرّسون العلاقات الصفية التي اختبروها حين كانوا طلابا، وقد يمارس المسؤولون الصلاحيات التقديرية نفسها التي عانوا منها سابقا على أيدي رؤسائهم.
هكذا تكتسب التراتبية السلطوية قدرتها على الصمود، ليس فقط من هياكل السلطة الرسمية، بل أيضا من العادات اليومية التي تبدو طبيعية لمجرد أنها مألوفة.
ما يبدأ بوصفه استجابة مكتسبة للسلطة، يتحول في نهاية المطاف إلى توقّع اجتماعي راسخ فيما يسميه الباحثون «الثقافة السياسية السلطوية» المتجذرة في إثيوبيا: أصحاب السلطة يأمرون، ومن لا سلطة لهم ينصاعون، والتشكيك في العلاقة بين الطرفين يُعد تحديا للنظام نفسه.
لا تتوقف آثار هذه التنشئة عند الأسرة والمدرسة، بل تمتد إلى أماكن العمل والمؤسسات العامة، فقد يحجم موظف في مرتبة أدنى عن إبداء نقد وجيه، خشية اتهامه بالتمرد على رؤسائه، وقد يلتزم موظف حكومي أو عضو في حزب سياسي الصمت تجاه مواطن الخلل والسياسات المعيبة، لأن الاعتراض على الممارسات القائمة قد يهدد استقراره الوظيفي أو مستقبله المهني أو طموحه السياسي.
يظهر هذا النمط أيضا في تعامل المواطنين مع الجهاز البيروقراطي؛ إذ قد تُحجب عنهم التوضيحات، أو تُعقَّد الإجراءات من دون مبرر، أو تُستخدم الصلاحيات التقديرية لمجرد إثبات النفوذ. إنها استعراضات يومية للقوة، يصبح فيها فرض السيطرة غاية ورسالة في آن واحد.
من أعمق آثار الهرمية السلطوية أنها تضيق المساحة المشروعة للاختلاف، ففي المجتمعات الديمقراطية السليمة، توجد مساحة وسطى مصونة يمكن داخلها التعبير عن الخلافات والتفاوض بشأنها من دون خوف من العقاب أو الانتقام.
لكن هذه المساحة يصعب أن تنشأ حين تهيمن العادات السلطوية، فسواء داخل الأسرة أو المجتمع المحلي أو المكاتب الحكومية أو الفضاء العام، قد يُفهم الحوار بوصفه تحديًا للسلطة، ويُنظر إلى النقد باعتباره علامة على عدم الولاء. ومع الوقت، تتلاشى الخيارات الواقعة بين الطرفين، فلا يبقى أمام الفرد سوى الامتثال أو المواجهة.
فالطفل الذي يتعلم أن سؤال والديه يجلب العقاب قد يُظهر الطاعة، بينما يخفي أفكاره وتصرفاته. وفي المجتمع المحلي، قد يتجنب الجيران مناقشة مشكلاتهم المشتركة إذا كان أحد الوجهاء أو القادة يفسر أي اقتراح بوصفه مساسًا بمكانته. وفي مثل هذه البيئات، لا يدل الصمت على الرضا، بل يصبح وسيلة لحماية النفس.
السلطة، حين تُفهم على نحو سليم، ليست ملكًا شخصيًا ينبغي الدفاع عنه، بل مسؤولية ينبغي الاضطلاع بها في خدمة الآخرين
ينشأ عن ذلك تأرجح خطير بين فترات طويلة من الخضوع، وانفجارات مفاجئة من التمرد، ولأن النظام القائم يستند إلى الصمت لا إلى التوافق، فإنه يظل هشا مهما بدا مستقرا. فالهدوء الظاهري قد يخفي توترات متراكمة، تنفجر لاحقا في صورة تمرد داخل الأسرة، أو نزاع محلي، أو احتجاج عنيف ضد الدولة.
في ظل هذه الأوضاع، تتضرر المؤسسات كلها. فعندما يدرك الناس أن للاختلاف ثمنًا، يحجمون عن تقديم المعرفة والخبرة العملية اللازمتين لعمل المنظومة. وتبقى الأخطاء من دون تصحيح، لا لأن أحدا لم يلاحظها، بل لأن الحديث عنها غير آمن. وهكذا تتحول السياسة والحياة اليومية إلى صراع على فرض السيطرة، بدلا من أن تكونا مجالا للتفكير المشترك والتعاون المستمر.
لا يقتصر أثر هذه الثنائية الخانقة على توجيه سلوك الأفراد، بل يمتد مع الوقت إلى قدرتهم على الاحتكام إلى حكم أخلاقي مستقل. فالاعتياد على الامتثال، وإلقاء المسؤولية على الآخرين، وتبرير الأفعال المؤذية، يترك أثرًا عميقا في الحياة النفسية والأخلاقية للمواطنين. تعتمد الهرمية السلطوية في ذلك على طيف واسع من وسائل الإكراه التي تزرع الخوف، بدءا من التهديد بالإقصاء الاجتماعي والإذلال العلني، وصولًا إلى استخدام القوة الجسدية.
ليست الدولة وحدها من يمارس هذه الضغوط؛ فالآباء والمدرّسون والمشرفون والجيران والوجهاء قد يستخدمون بدورهم ما يمتلكونه من سلطة لإحباط التساؤل وفرض الامتثال. وبذلك تتحول الطاعة إلى مطلب يتكرر في مختلف دوائر الحياة، من المنزل والمدرسة إلى مكان العمل والفضاء العام.
مع استمرار التعرض لهذه الضغوط، يعيش الأفراد في حالة دائمة من الحذر والترقب، فيراقبون كلماتهم، ويلطفون نبرتهم، ويحاولون توقّع ردود الفعل قبل أن تكتمل أفكارهم. وما يبدأ بوصفه وسيلة لحماية النفس، مثل خفض الصوت أو تجنب المواجهة، يتحول تدريجيًا إلى عادة راسخة في التعامل مع الآخرين والعالم.
في المؤسسات التي تكافئ الامتثال على حساب التفكير المستقل، يبدأ الأفراد في قياس أفعالهم وفق ما تتوقعه المؤسسة، لا وفق قناعاتهم الأخلاقية. ويصبح نيل رضا الجماعة التي ينتمون إليها أو يسعون إلى قبولها عاملًا مؤثرًا في قراراتهم، فيما يساعدهم الانفصال الأخلاقي على تجنب الشعور بالذنب والحفاظ على صورة إيجابية عن أنفسهم، حتى عندما تترتب على أفعالهم أضرار واضحة.
فقد يقنع موظف جمارك يعمل في بيئة اعتادت المدفوعات غير الرسمية نفسه بأن قبول إحداها ليس إلا اتباعًا لممارسة شائعة. وقد ينفذ موظف أمرًا مشكوكًا فيه أخلاقيًا، معتقدًا أن المسؤولية تقع كاملة على من أصدره. وتنتشر مثل هذه السلوكيات حين تصبح كلفة الاستقلال الأخلاقي أعلى مما يستطيع الفرد تحمّله. فالضمير لا يختفي في هذه الظروف، لكن التصرف وفقًا له يصبح مكلفًا.
لا تكمن المشكلة في وجود السلطة، بل في الطريقة التي تُفهم بها وتُمارس
في نهاية المطاف، يتحول الخوف إلى صمت. فالناس الذين يتوقعون العقاب أو الإقصاء أو الانتقام يحجمون عن النقد، لا لأنهم راضون عن الأوضاع القائمة، بل لأنهم يدركون ثمن التحدث علنًا.
غير أن أصحاب السلطة كثيرًا ما يسيئون فهم هذا الصمت، فيعدّونه دليلًا على القبول والمشروعية، فتزداد الهياكل التي أنتجته رسوخًا. وهكذا تنشأ حلقة مغلقة تعيق الابتكار، وتحرم المؤسسات من النقد والملاحظات التي تحتاج إليها، وتضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
مع مرور الوقت، لا يفقد الناس ثقتهم فيما يحق لهم قوله فحسب، بل قد يفقدون أيضًا قدرتهم على التعبير وتكوين صوت مستقل. وحين تقوّض الهرمية السلطوية الثقة الضرورية للمشاركة، يتوقف المواطنون تدريجيًا عن النظر إلى أنفسهم بوصفهم أطرافا فاعلة قادرة على الإسهام في تشكيل الحياة العامة.
لا يعني إدراك أضرار الهرمية السلطوية رفض السلطة في حد ذاتها؛ فكل مجتمع مركب يحتاج إلى القيادة والخبرة والتنسيق. ولا تكمن المشكلة في وجود السلطة، بل في الطريقة التي تُفهم بها وتُمارس. فهي تستعيد مشروعيتها عندما تصبح أمانة ومسؤولية، لا امتيازًا شخصيًا، وحين تعتمد على الإقناع بدلا من التخويف.
يقتضي هذا التحول إصلاح المؤسسات، إلى جانب مراجعة العادات اليومية التي يتعلم الناس من خلالها معنى السلطة. فلا بد من تقييد الممارسات التعسفية بسيادة القانون، واستقلال القضاء، وشفافية الإجراءات الإدارية. وتصبح المؤسسات أكثر فاعلية عندما تكون المسؤوليات واضحة، ويتمكن المواطنون من الاعتراض على القرارات ومساءلتها من دون خوف من العقاب أو الانتقام.
لكن الإصلاح لا يبدأ من مؤسسات الدولة وحدها. فالأسرة والمدرسة ومكان العمل هي المساحات الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيفية التعامل مع السلطة. ويمكن للأسرة أن تستبدل الطاعة العمياء بالحوار، وللمدرسة أن تكافئ الفضول وطرح الأسئلة بدلًا من الامتثال، ولمكان العمل أن ينظر إلى النقد بوصفه مسؤولية مهنية، لا تهديدًا يجب إسكاته. ففي هذه المساحات اليومية تتشكل العادات التي تقوم عليها الممارسة الديمقراطية.
قد توسّع الدولة هذه الأنماط وتمنحها قوة أكبر، لكنها لا تخلقها بمفردها. لذلك، لا تستطيع الدساتير والقوانين وحدها تفكيك عادات الخضوع المتجذرة، ما لم تتغير أيضًا الطرق التي تُمارس بها السلطة يوميًا داخل المنازل والفصول الدراسية والمكاتب.
قد تبدو هذه التحولات محدودة، لكنها تمس جوهر الديمقراطية: الإنصات من دون ترهيب، وطرح الأسئلة من دون عداء، وتقبّل النقد بوصفه جزءًا من التعاون، لا فعلًا من أفعال العصيان.
فالتحدي ثقافي بقدر ما هو مؤسسي. صحيح أن العادات الهرمية المتوارثة عبر الأجيال لا تتغير بين ليلة وضحاها، لكنها ليست قدرًا دائمًا. وكل علاقة يُستبدل فيها الأمر بالحوار، والهيمنة بالمسؤولية، تسهم في إضعاف منطق السلطوية.
ستظل السلطة ضرورية لتنظيم المجتمعات البشرية، لكنها لا تحتاج إلى أن تتحول إلى أداة للهيمنة. فالسلطة، حين تُفهم على نحو سليم، ليست ملكًا شخصيًا ينبغي الدفاع عنه، بل مسؤولية ينبغي الاضطلاع بها في خدمة الآخرين.