تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

كيف تقوّض الامتيازات البرلمانية الديمقراطية في شرق أفريقيا؟

11 أغسطس, 2025
الصورة
كيف تقوّض الامتيازات البرلمانية الديمقراطية في شرق أفريقيا؟
Share

بينما تستعد دول شرق أفريقيا لخوض استحقاقات انتخابية حاسمة، تلوح في الأفق أزمة تمس جوهر الديمقراطية التمثيلية، ألا وهي الامتيازات البرلمانية، حيث لم يعد المقعد النيابي أداة للتشريع والرقابة، بل تحوّل إلى وسيلة للتربّح والنفوذ، يغري النخب السياسية والاقتصادية لخوض الانتخابات بدافع المكاسب المالية لا بدافع تمثيل المواطنين.

في هذا السياق، يكشف التقرير كيف أصبحت الامتيازات البرلمانية أداةً لتفريغ المؤسسات التشريعية من معناها التمثيلي، ومحركًا أساسيًا للفساد السياسي، عبر تتبّع نماذج أوغندا وكينيا وتنزانيا.

أوغندا: برلمان الثروة

في أوغندا، يتجلى التحوّل الحاد في وظيفة البرلمان، من مؤسسة تشريعية تمثل مصالح المواطنين، إلى نافذة اقتصادية تفتح أمام النخب طريقًا مباشرًا نحو الثراء. فلم تعد الانتخابات البرلمانية ساحة للمنافسة السياسية حول البرامج والرؤى، بل تحوّلت إلى سباق محموم نحو الامتيازات المالية التي يوفرها المقعد النيابي، وهو ما انعكس بوضوح خلال الانتخابات التمهيدية لحزب "حركة المقاومة الوطنية" الحاكم في 17 يوليو/ تموز 2025.

ففي هذا اليوم، شهدت أوغندا انفجارًا في العنف السياسي، حيث اندلعت مواجهات في عدد من الدوائر، وجرى تسجيل اعتداءات جسدية على مرشحين وناشطين، إلى جانب اتهامات واسعة بتزوير النتائج، وشراء الأصوات، واستغلال مؤسسات الدولة لصالح مرشحين بعينهم. وعلى الرغم من إدانة الرئيس يويري موسيفيني لتلك الأحداث، وإعلانه اعتقال عدد من مسؤولي الانتخابات، فإن حجم الانتهاكات كشف مدى هشاشة البنية الديمقراطية، وعمق الفساد الذي تشهده العملية الانتخابية.

أصبح المال هو المحدد الرئيسي للفوز، بينما تتراجع فرص المرشحين ذوي الكفاءة أو البرامج الإصلاحية الحقيقية

لا يكمن السبب الرئيسي لهذا التنافس العنيف في الرغبة في خدمة المجتمع، بل في ما يوفره المقعد البرلماني من منافع مادية ضخمة. فالنائب الأوغندي يتقاضى راتبًا أساسيًا يفوق 5 آلاف دولار شهريًا، إلا أن دخله الفعلي يتجاوز 27 ألف دولار عند إضافة مخصصات، مثل: بدل السيارة والتأمين الصحي الكامل وبدلات السفر، ومكافآت متنوعة لا تخضع للضرائب. وبالتالي تمكنت هذه الامتيازات من خلق حافز قوي للمرشحين لخوض الانتخابات، ليتحول البرلمان بذلك إلى وجهة استثمارية مفضلة، لا منبرًا تشريعيًا، وهذا ما تفسره الأحداث الأخيرة في أوغندا.

وتبعًا لذلك، تشهد الحملات الانتخابية في أوغندا تضخمًا ماليًا غير مسبوق، حيث يُقدَّر إنفاق بعض المرشحين أكثر من نصف مليون دولار، خاصة في الدوائر ذات التنافس الحاد. وتُصرف هذه المبالغ على شراء الأصوات، وتأمين ولاءات محلية، واستئجار مجموعات للحماية أو لترهيب المنافسين. بهذا الشكل، أصبح المال هو المحدد الرئيسي للفوز، بينما تتراجع فرص المرشحين ذوي الكفاءة أو البرامج الإصلاحية الحقيقية.

ووفقًا لتقرير صادر عن المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS) في يناير/ كانون الثاني 2024، فإن عددًا من المرشحين من أوغندا يلجؤون إلى بيع ممتلكاتهم الشخصية أو رهن أراضي عائلية لتغطية تكاليف الترشح، ما يؤدي إلى خلق دائرة فساد مغلقة، حيث يقوم المرشح بدفع مبالغ طائلة للفوز، ثم يسعى لاستردادها من خلال استغلال موقعه النيابي، سواء عبر الحصول على عقود عامة أو النفوذ السياسي والاقتصادي.

نتيجة لهذا النمط، يُفرغ البرلمان من وظيفته الأساسية باعتباره مؤسسة تشريعية ورقابية، ويتحوّل إلى نادٍ للنخب الاقتصادية التي ترى في السياسة فرصة لتوسيع أرباحها لا لخدمة ناخبيها. ومع تزايد هذه الظاهرة، تُقوَّض أسس الديمقراطية التمثيلية في أوغندا، وتتكرّس حالة من التفاوت واللامساواة السياسية، حيث يصبح الوصول إلى السلطة مشروطًا بالمال لا بالصوت الشعبي أو الكفاءة.

كينيا وتنزانيا: عدوى الامتيازات

في كينيا، لا تقل الامتيازات المالية التي يتمتع بها أعضاء البرلمان تأثيرًا في تفتيت الديمقراطية عن نظرائهم في أوغندا. فراتب النائب الكيني يصل إلى 6 آلاف دولار شهريًا في بلد يبلغ فيه دخل الفرد السنوي نحو ألفي دولار، ليصبح النائب الكيني من بين الأعلى دخلًا عالميًا مقارنة بمتوسط الدخل القومي. وعلى الجانب الآخر، تبلغ تكلفة الحملة الانتخابية لمقعد برلماني حوالي 300 ألف دولار في بعض الدوائر شديدة المنافسة، ما يضطر المرشحين للاستدانة أو اللجوء لتحالفات مع شبكات أعمال أو زعامات محلية، تُعيد إنتاج منطق المصالح والولاءات الضيقة بدلًا من التمثيل الديمقراطي.

وعليه، تدفع هذه التكاليف الباهظة بالنائب، بعد فوزه، إلى البحث عن وسائل لاستعادة نفقاته، فيتحوّل المنصب البرلماني إلى وسيلة للاستفادة من العقود الحكومية، وتسهيل الصفقات، واستخدام النفوذ السياسي لصالح الداعمين. وفي ظل غياب آليات رقابة فعّالة، يرفض معظم النواب الكينيين بشدة تقليص امتيازاتهم أو إخضاع مخصصاتهم للتدقيق، مبرّرين ذلك بكونهم يقومون بـخدمة مجتمعية من أموالهم الخاصة، وهو ما يعكس اختلالًا عميقًا في وظيفة البرلمان ويُكرّس الطابع الربحي للتمثيل النيابي.

لا يختلف الوضع كثيرًا في تنزانيا عن النموذج الكيني أو الأوغندي، وإن بدا أقل صخبًا من حيث العنف الانتخابي، ورغم أن راتب النائب التنزاني يبلغ حوالي 2,500 دولار شهريًا، إلا أن الامتيازات المرتبطة بالمكانة الاجتماعية والفرص السياسية والاقتصادية جعلت المقعد البرلماني وسيلة للوصول إلى عالم النخب.

كنتيجة طبيعية للامتيازات البرلمانية للنواب في شرق أفريقيا، ازدادت بالطبع حالات الفساد المالي بشكل مطرد، على نحو بات يهدد مصداقية البرلمان

تشير البيانات الميدانية التي جمعها تقرير ""DIIS إلى أن النواب هناك مطالبون بممارسة "سياسات الإحسان"، أي تمويل الأنشطة المجتمعية وتقديم مساعدات مباشرة للناخبين بشكل مستمر، ما يحوّل النائب إلى راعي محلي لا مشرّع. كما أن تكلفة الحملات، رغم أنها قليلة نسبيًا مقارنة بغيرها، إلا أنها ما زالت مرتفعة بما يكفي لإقصاء معظم المرشحين المحتملين من خارج الدوائر السياسية أو الاقتصادية التقليدية.

في هذا السياق، تحوّل المقعد البرلماني في شرق أفريقيا، من وسيلة للتمثيل الشعبي إلى فرصة استثمارية تسيل لها لعاب النخب السياسية والاقتصادية. فارتفاع الامتيازات المادية جعل المال الدافع الأول للترشح، بينما باتت الكفاءة والبرامج الإصلاحية عوامل ثانوية أو مُهمّشة. هذا التحوّل غيّر جوهر العملية الانتخابية، فصار الوصول إلى البرلمان مرهونًا بالقدرة على الإنفاق لا بثقة الناخبين، ما أضعف التنافسية، وأقصى الأصوات المستقلة، وأفرغ المؤسسات التشريعية من مضمونها. وهكذا، أصبحت الديمقراطية في هذه الدول هشّة، تُبنى على المال لا على التمثيل، وتُعيد إنتاج الولاءات بدلًا من تجديد الثقة الشعبية.

الامتيازات البرلمانية محرّكا للفساد في شرق أفريقيا

كنتيجة طبيعية للامتيازات البرلمانية للنواب في شرق أفريقيا، ازداد بالطبع حالات الفساد المالي بشكل مطرد، على نحو بات يهدد مصداقية البرلمان ويقوّض أسس الديمقراطية التمثيلية في دول شرق أفريقيا.

تجلى هذا الواقع في أوغندا عبر سلسلة من محاكمات الفساد العلنية التي طالت عدد من النواب البارزين من الحزب الحاكم بعد اتهامهم بتضخيم ميزانية هيئة حقوق الإنسان مقابل عمولات وصلت إلى 20٪ من المخصصات الحكومية، وفقًا لوكالة رويترز، وذلك في عام 2024.

إلى جانب ذلك، تورّط نواب آخرون في فضيحة شملت اختلاسًا يقارب 7.3 مليار شلن أوغندي من أموال دعم الجمعيات الزراعية ما بين عامي 2019 و 2023. وقد وثّقت الشرطة هذه الوقائع في تقارير رسمية، وجرى تناولها في جلسات البرلمان، ما يعكس تغلغل الفساد ضمن النخبة التشريعية. ما يبرز بشكل جلي مدى انتشار الفساد داخل المؤسسات التشريعية تحت غطاء الامتيازات البرلمانية.

إنّ أقل من 50٪ من الكينيين يثقون بأداء البرلمان، ويُعزى هذا التدهور إلى سلسلة من فضائح النواب، التي شملت تسهيل صفقات حكومية والفساد وإساءة استخدام السلطة

لا يقتصر الأمر على أوغندا، بل يتفاقم أيضًا في كينيا، حيث يواجه نواب حاليون وسابقون اتهامات مباشرة في قضايا غسيل أموال، من أبرزهم النائب ديدموس باراسا، الذي تم استدعاؤه من قِبل هيئة الأخلاقيات ومكافحة الفساد (EACC) في يناير/ كانون الثاني 2024، بشأن تلقيه تحويلات مالية مشبوهة تُقدّر بـ 2 مليون شلن كيني من سيدة أعمال من أجل حصولها على مناقصة حكومية في مشاريع الطرق.

علاوة على ذلك، أفادت الهيئة نفسها بتلقيها أكثر من 5 آلاف قضية جنائية مُدرجة في تقريرها السنوي بشأن الجرائم الاقتصادية لعام 2023/2024، وتناول التقرير 25 ملفًا من الفساد رفيع المستوى الذي ضمّ مسؤولين أثرياء، من بينهم نواب برلمانيون سابقون وحاليون. وتم استرداد حوالي 2.9 مليار شلن كيني من هذه القضايا. واللافت أن نسبة القضايا المنتهية بإدانة بلغت نحو 26.7٪ فقط، ما يشير إلى أن الغالبية لم تُحاسب فعليًا، ومعظمها يتعلق بالنواب الذين استغلوا مناصبهم لتسهيل صفقات أو رشى، بينما تُركت أغلب الملفات معلقة أو أُغلقت دون متابعة داخل البرلمان.

بحسب التقرير الصادر عن مؤشر التحوّل (BTI) لعام 2024، والذي يستند إلى بيانات من Afro barometer، فإن أقل من 50٪ من الكينيين يثقون بأداء البرلمان، ويُعزى هذا التدهور إلى سلسلة من فضائح النواب، التي شملت تسهيل صفقات حكومية والفساد وإساءة استخدام السلطة، ما أكسب البرلمان صورة سلبية أمام الرأي العام الكيني.

انتقالاً إلى تنزانيا، تكشف سجلات هيئة مكافحة الفساد (PCCB)عن تورط عدد من النواب في فضائح مالية أثارت الجدل حول وظيفة البرلمان كمؤسسة رقابية. ففي عام 2016، وُجهت اتهامات رسمية لأربعة نواب من الحزب الحاكم بتلقي رشاوى مالية تجاوزت 30 مليون شلن تنزاني مقابل إعداد تقارير برلمانية موالية لصالح مسؤولين في الحكومات المحلية بمناطق مثل مفوميرو وموبيارا، وقد اعتبرت هذه الوقائع مؤشرًا على تحوّل الامتيازات البرلمانية إلى أداة لشراء الولاءات السياسية داخل المجلس، بدلًا من تعزيز الاستقلال الرقابي.

في المحصلة، تعكس هذه الوقائع نمطًا بنيويًا يتجاوز حدود الحالات الفردية ليكشف عن علاقة عضوية بين الامتيازات البرلمانية وتقويض الديمقراطية واستشراء الفساد في شرق أفريقيا. فالمكاسب المالية والسلطوية التي يحصل عليها النائب، من رواتب ومخصصات وامتيازات غير خاضعة لرقابة فعّالة، تخلق بيئة مثالية لتحويل المنصب العام إلى أداة استثمار شخصي. وبالتالي يعيد إنتاج اقتصاد سياسي للريع داخل البرلمانات، حيث يصبح النفوذ التشريعي سلعة قابلة للمساومة، سواء عبر تضخيم الميزانيات، أو تمرير المناقصات، أو تعطيل الرقابة في مقابل العمولات.

وفي ظل ضعف أجهزة المساءلة، وبطء إجراءات التحقيق، وانخفاض معدلات الإدانة كما في حالة كينيا، تتحول القوانين من أدوات للردع إلى واجهات شكلية، مما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب. هذا الوضع لا يقوّض فقط ثقة المواطنين بالمؤسسات التشريعية، بل يعمّق أيضًا الفجوة بين النخب الحاكمة والقواعد الشعبية، ويفتح المجال أمام تآكل شرعية البرلمان بوصفه ركيزة أساسية للديمقراطية التمثيلية. وبهذا، تصبح الامتيازات البرلمانية، بدل أن تكون ضمانة لاستقلال النائب، محركًا لتقويض الاستقلال ذاته، وتحويل البرلمان من ساحة للمساءلة إلى سوق مغلقة للصفقات السياسية.