تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 15 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

كيف تحول الأزمات الإقليمية إلى ضغوط معيشية مباشرة على اقتصادات شرق أفريقيا؟

21 مارس, 2026
الصورة
كيف تحول الأزمات الإقليمية إلى ضغوط معيشية مباشرة على اقتصادات شرق أفريقيا؟
Share

لا تبدو الحرب في الشرق الأوسط، بالنسبة إلى دول القرن الأفريقي، أزمة بعيدة جغرافيًا بقدر ما هي صدمة مباشرة تتصل بالموانئ والأسواق ومحطات الوقود. فهذه المنطقة تقع بمحاذاة باب المندب، وتعيش اقتصاديًا على اتصال دائم بممرين من الأكثر حساسية في التجارة العالمية: البحر الأحمر وقناة السويس. لذلك فإن أي اضطراب أمني في الخليج أو في خطوط الملاحة القريبة ينعكس فورًا على كلفة النقل، وأسعار الطاقة، وتدفق السلع الأساسية إلى شرق أفريقيا.

ظهرت المؤشرات الأولى سريعًا في قطاع الشحن، فقد أعلنت شركة "ميرسك" مطلع مارس إعادة توجيه بعض خدماتها حول رأس الرجاء الصالح، مع تعليق العبور عبر مضيق هرمز مؤقتًا، بسبب تدهور الوضع الأمني. كما فرضت "إم إس سي" رسوماً إضافية على الشحنات المتجهة إلى شرق أفريقيا والبحر الأحمر، في خطوة تعكس ارتفاع المخاطر التشغيلية والتأمينية. وهذه التحركات لا تعني فقط تأخير البضائع، بل تعني أيضًا رحلة أطول، وكلفة إضافية تنتقل في النهاية إلى المستورد ثم إلى المستهلك.

ولا تتعلق الخطورة بالنسبة إلى القرن الأفريقي بالموقع وحده، بل بطبيعة الاقتصادات نفسها. فالأمم المتحدة للتجارة والتنمية تشير إلى أن تراجع المرور عبر قناة السويس وخليج عدن خلال أزمة البحر الأحمر السابقة كان حادًا؛ إذ هبطت حمولة السفن العابرة لقناة السويس بنحو 70% وبخليج عدن 76% بحلول منتصف 2024، بينما قفزت الرحلات عبر رأس الرجاء الصالح 89%. كما تؤكد المنظمة أن الاضطراب الحالي في هرمز يهدد ممراً يحمل نحو ربع تجارة النفط البحرية عالميًا، ما يعني أن أي توتر ممتد سيضغط على أسعار الوقود والأسمدة والشحن معًا.

في الحالة الكينية، تبدو الصورة أوضح، حيث تظهر البيانات الحكومية أن صادرات كينيا إلى الشرق الأوسط ارتفعت إلى 164.65 مليار شلن في 2024، فيما تجاوزت وارداتها من المنطقة 554.45 مليار شلن، ما يكشف حجم التشابك التجاري مع الخليج. والأمر لا يقتصر على كينيا؛ فدول مثل جيبوتي والسودان تعتمد على قناة السويس في نحو ثلث تجارتها، بحسب "أونكتاد"، فيما حذّر الاتحاد الأفريقي من أن ارتفاع أسعار النفط وتعطل طرق التجارة بدأ بالفعل يؤثر في الأسواق الأفريقية وفي صادرات السلع سريعة التلف وحركة الطيران.

وهنا يتجاوز الأثر ملف التجارة إلى الأمن المعيشي. تقرير أممي صدر في 10 مارس 2026 أوضح أن أسعار خام برنت ارتفعت إلى 91.8 دولارًا للبرميل، مع زيادات متزامنة في أسعار الغاز وكلفة وقود السفن والتأمين الحربي. كما نبّه التقرير إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا يمر عبر هرمز، وهو ما يرفع احتمالات انتقال الأزمة من الموانئ إلى الحقول الزراعية، ثم إلى أسعار الغذاء. وهذه نقطة حساسة جدًا في إقليم يعاني أصلًا هشاشة غذائية مزمنة؛ فالبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية يؤكدان أن القرن الأفريقي يواجه أصلًا أزمة غذاء وتغذية تفاقمت بفعل الجفاف والنزاعات وارتفاع الأسعار العالمية.

المحصلة أن القرن الأفريقي لا يدفع ثمن الحروب الخارجية سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا ومعيشيًا أيضًا. فكل تصعيد قرب الممرات البحرية الحساسة قد يتحول، في نيروبي ومقديشو وببربرة ووجيبوتي وأديس أبابا، إلى شحنة متأخرة، وتأمين أغلى، ووقود أعلى سعرًا، وغذاء أكثر كلفة. وما لم تنجح الجهود الدولية في خفض التصعيد وحماية الملاحة، فإن دول المنطقة ستظل تتحمل فاتورة جغرافيا جعلتها على تماس دائم مع أخطر اختناقات التجارة العالمية.