الثلاثاء 19 مايو 2026
على الرغم من التداعيات الواسعة للحرب في الشرق الأوسط التي طالت سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية، فإنها أفرزت في الوقت ذاته فرصًا غير متوقعة لبعض الاقتصادات الأفريقية، وعلى رأسها كينيا. فمع تصاعد المخاطر في الممرات البحرية التقليدية، بدأت موانئ شرق أفريقيا في الظهور كبدائل لوجستية مؤقتة، لكن اللافت أن هذا التحول لم يقتصر على الموانئ التقليدية كميناء مومباسا فقط، بل امتد إلى ميناء لامو، الذي انتقل من مشروع هامشي محدود النشاط إلى نقطة استقبال بديلة لبعض الشحنات الدولية، مكتسبًا بذلك ثقلا استراتيجيا ولوجستيا قويا وسط التصعيدات الذي يشهدها العالم.
منذ اندلاع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير/ شباط، دخلت حركة التجارة العالمية مرحلة من الاضطرابات الحادة، انعكست بشكل مباشر على أمن الممرات البحرية الحيوية. وكان أبرز هذه التطورات الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز. تأتي خطورة غلق هذا المضيق لأهميته الاستراتيجية لكونه عنق الزجاجة للطاقة في العالم، إذ يمر عبره 20٪ من الاستهلاك العالمي للنفط، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والسلع الاستراتيجية، مما يوضح مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار الملاحة في هذا الممر الحيوي.
مع تصاعد التوترات واستمرار تعطل هذا الممر، بدأت مسارات الشحن البحري في إعادة التشكُل تحت وطأة المخاطر الأمنية، وارتفاع تكاليف التأمين. وقد وجدت شركات الشحن نفسها مضطرة لتبني استراتيجيات بديلة تضمن استمرارية تدفق البضائع، ولو على حساب الكفاءة الزمنية أو التكلفة. في هذا السياق، تراجعت جدوى الاعتماد على موانئ الخليج، خاصة ميناء جبل علي في دبي، الذي تعرض لغارات جوية إيرانية في الأول من مارس/ آذار الماضي، مما أدى إلى إغلاقه مؤقتًا.
تكشف تجربة ميناء لامو كيف يمكن للأزمات الجيوسياسية أن تعيد رسم خرائط التجارة العالمية بصورة مفاجئة، دافعةً بمواقع هامشية إلى قلب المشهد اللوجستي
من هذا المنطلق، اكتسبت موانئ الساحل الشرقي لأفريقيا أهمية متزايدة بوصفها نقاط دخول بديلة لإعادة توزيع الشحنات، ومع اعتماد خطوط الملاحة على مسارات أطول مثل طريق رأس الرجاء الصالح (كيب البحري) الذي تضاعفت أعداد السفن المارة عبره يوميًا بفعل التوترات الأمنية الجارية، برز ميناء لامو الكيني كخيار عملي ضمن هذه التحولات، مستفيدًا من موقعه خارج نطاق التوتر المباشر.
حيث تحول من ميناء هامشي ضمن شبكة الشحن إلى موقع أكثر فاعلية قادر على استيعاب أعداد كبيرة من السفن والحاويات لم تكن مطروحة في الأوقات العادية. فبعد سنوات من الاستخدام المحدود، تمكن الميناء خلال الفترة الأخيرة المتزامنة مع الصراع في الشرق الأوسط من تسجيل زيادة 974٪ في أحجام الشحن وفقًا للبيانات الرسمية.
علاوة على ذلك، تظهر أهمية هذا التحول في طبيعة الشحنات التي استقبلها الميناء، حيث سجل سابقة نوعية باستقباله كميات كبيرة من المركبات عبر سفينة واحدة، وهو ما لم يكن مألوفًا في تاريخه التشغيلي. ففي 18 من مارس/آذار السابق، رست سفينة "إم غراندي فلوريدا بارليمو" محملة بنحو 3800 سيارة وقطع غيار قادمة من اليابان، بعد أن تم تحويل مسارها من دبي. ولم تكن هذه الرحلة استثناءً، إذ سبقتها عملية تفريغ لـ469 سيارة أوروبية من السفينة نفسها، في مؤشر على تحول لامو إلى محطة متكررة ضمن مسارات الشحن المُعاد توجيهها.
تخلق هذه الديناميات فرصة اقتصادية غير مباشرة لكينيا، حيث تتحول إلى مستفيد من إعادة توزيع التدفقات التجارية بدلًا من كونها مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمة
كما تُعزز الأرقام هذا الاتجاه؛ فوفقًا لهيئة الموانئ الكينية استقبل الميناء 74 سفينة منذ بداية العام الجاري، وهو ما يمثل نحو ثلث إجمالي عدد السفن التي تعامل معها منذ بدء تشغيله في 2021، مقارنة بنشاط محدود للغاية في الفترات السابقة، بما في ذلك سفينتين فقط في نفس الفترة من العام الماضي. وبحسب هيئة الموانئ الكينية، فإن هذا الزخم مرشح للاستمرار، خاصة مع تزايد اعتماد ناقلات السيارات على الميناء، وسط توقعات بارتفاع إضافي في حركة الملاحة نتيجة استمرار الاضطرابات في مسارات الشحن التقليدية.
تخلق هذه الديناميات فرصة اقتصادية غير مباشرة لكينيا، حيث تتحول إلى مستفيد من إعادة توزيع التدفقات التجارية بدلًا من كونها مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمة. فتنشيط ميناء لامو يعزز موقع نيروبي كممر لوجستي بديل يربط شرق أفريقيا بالأسواق العالمية، ويمنحها فرصة لزيادة عائدات العبور والخدمات المرتبطة بالشحن. كما أن هذا التحول قد يدفع بتسريع الاستثمارات في الممرات البرية والبنية التحتية المرتبطة بالميناء، بما يعزز تكامل الاقتصاد الكيني مع محيطه الإقليمي. ويمكن القول بأنّ هذه الأزمة قد تساهم بشكل فعّال في تسريع عملية كان من الممكن أن تستغرق سنوات لولاها، ألا وهي دمج لامو في شبكات الخدمات اللوجستية الإقليمية والعابرة للقارات.
لكن هذا الانتعاش يكشف في الوقت ذاته عن اختناقات هيكلية وتحديات واضحة، فالميناء لا يزال يعمل بجزء محدود من طاقته (ثلاثة أرصفة فقط من أصل 32 مخططًا لها)، فضلاً عن ضعف شبكات النقل البري والسككي المرتبطة به. ويعتبر لامو أحد المرتكزات الرئيسية لمشروع "لابست" الضخم، الذي يستهدف ربط كينيا بإثيوبيا وجنوب السودان عبر شبكة نقل متكاملة. إلا أن بطء تنفيذ هذا المشروع أضعف من الجدوى التشغيلية للميناء، وأبقاه لفترة طويلة خارج المنافسة الفعلية في حركة الشحن الإقليمية، ومنذ افتتاحه واجه صعوبة واضحة في جذب حركة شحن منتظمة.
يبقى زخم ميناء لامو مرتبطًا مباشرة بمستجدات الأزمة في الشرق الأوسط، ما يجعل استمراريته في حركة الشحن مشروطة باستمرار المخاطر في الممرات البحرية الحيوية
كما تظل الاعتبارات الأمنية، خاصة قرب الميناء من الحدود الصومالية، عاملًا ضاغطًا على قرارات الشركات والمستثمرين. فمؤخرًا أصبحت مقاطعة لامو بيئة مثالية لحركة الشباب الصومالية المصنفة إرهابيًا لعمليات التسلل والاختباء وإجراء التدريبات المسلحة، مستغلة بذلك الطبيعة الديمغرافية المتغيرة بتدفق السكان غير الأصليين، والمشاكل المحلية المتعلقة بالبنى التحتية. وأصبحت المنطقة بأكملها بما فيها ميناء لامو هدفًا لامعًا للأنشطة الإرهابية لحركة الشباب في كينيا، ما يحد من قدرة كينيا على تحويل الانتعاش المؤقت إلى مكاسب مستدامة.
يبقى زخم ميناء لامو مرتبطًا مباشرة بمستجدات الأزمة في الشرق الأوسط، ما يجعل استمراريته في حركة الشحن مشروطة باستمرار المخاطر في الممرات البحرية الحيوية. فعلى الرغم من إعلان اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في السابع من إبريل/نيسان، ما زالت شركات الشحن الكبرى مترددة في عبور مضيق هرمز بسبب المخاطر الأمنية والمعلومات المتضاربة حول الوضع الفعلي للممر وفقًا لما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك الهجمات الإسرائيلية على لبنان مساء الأربعاء الثامن من إبريل/ نيسان، أغلق الجانب الإيراني مضيق هرمز مرة أخرى، ما يُعزي حالة عدم الاستقرار التي تشهدها مسارات التجارة العالمية. وبالتالي يتزايد اعتماد السفن العالمية على موانئ شرق أفريقيا، وبما فيها لامو، ما يضع الميناء في موقع محوري ضمن شبكة النقل البحري الدولية، حيث بإمكانه أن يصبح خيارًا عمليًا ثابتًا لتفادي الاضطرابات وتأمين تدفق البضائع.
في المجمل، تكشف تجربة ميناء لامو كيف يمكن للأزمات الجيوسياسية أن تعيد رسم خرائط التجارة العالمية بصورة مفاجئة، دافعةً بمواقع هامشية إلى قلب المشهد اللوجستي، غير أن ترسيخ هذا الدور يظل مرهونًا بقدرة كينيا على استكمال مشروعاتها وتحسين كفاءة التشغيل، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار. دون ذلك، سيظل لامو مجرد مستفيد مؤقت من اضطراب عالمي، لا نقطة ارتكاز دائمة في النظام التجاري الدولي.