السبت 11 أبريل 2026
ليست المعضلة الصومالية، كما يروّج لها الخطاب الدولي السائد، مجرد حكاية دولة انهارت ثم هبّ العالم لانتشالها. فهذه الرواية، على ما تنطوي عليه من تبسيط مُخِلّ، تحجب حقيقة أشد مرارة؛ أن المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي لم يكونا، في محطات كثيرة من تدخلهما في الصومال، جزءًا من الحل بقدر ما كانا شريكين في تعميق الأزمة وإطالة أمدها. فمنذ عام 2006، أُنفقت أموال طائلة، وحُشدت موارد عسكرية ضخمة، وخيضت حروب طويلة تحت لافتتي مكافحة حركة الشباب واستعادة الاستقرار. غير أن المحصلة الفعلية لهذا كله لا تكشف عن نجاح يُعتدّ به، بقدر ما تفضح إخفاقًا بنيويًا، لأن المقاربة التي حكمت هذا التدخل لم تُصغ انطلاقًا من مصالح الصوماليين، بل نُفذت على حسابهم.
تبلورت ملامح هذه الكارثة مع اندلاع الحرب الأهلية، وانهيار الدولة الصومالية عام 1991، حين غدا الموت واليأس والتشظي جزءًا من الحياة اليومية. وأمام فداحة المشهد، تدخلت الأمم المتحدة بقوة محدودة لتأمين وصول الغذاء إلى المنكوبين، لكن أمراء الحرب سرعان ما أفشلوا المهمة، ثم أسهموا لاحقًا في تعميق المجاعة. بعد ذلك، دفعت الولايات المتحدة بقوة عسكرية كبيرة لضمان إيصال المساعدات إلى المحتاجين؛ وقد نجحت هذه الخطوة، إلى حدّ ما، في تحقيق هدفها الإنساني المباشر، لكنها أخفقت في كسر شوكة أمراء الحرب أو إزاحتهم من المشهد. ومع انسحاب القوات الأميركية عقب مواجهة دامية مع أحدهم، تُرك الصوماليون مرة أخرى تحت رحمة للقوى المسلحة المحلية. أما منظمة الوحدة الأفريقية، سلف الاتحاد الأفريقي، فلم يكن حضورها خلال التسعينيات سوى حضورا خافتا اقتصر على بيانات متفرقة، من دون أثر يُذكر سياسيًا أو ميدانيًا.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف التدخل أو محدوديته، بل في طبيعته ذاتها. فازدواجية المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي اتخذت، في هذا السياق، ثلاثة أوجه واضحة. أولها، أنهما أعادا تثبيت الأيديولوجيا القبلية السياسية التي ساهمت أصلًا في تدمير الجمهورية الصومالية. وثانيها، أنهما قوّضا المبادرة الصومالية الأهم التي حاولت إعادة بناء البلد من داخله وبشروطه الوطنية الخاصة. أما ثالثها، فهو أن الاتحاد الأفريقي، بدل أن يجسد فعلًا مقولة "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية"، تحول إلى أداة تنفيذية لأجندة غربية أعاقت تعافي الصومال أكثر مما دعمته.
لم يقتصر دور المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي على إجهاض أول مبادرة صومالية كبرى سعت إلى انتشال البلاد من الفوضى، بل أسهما أيضًا، على نحو غير مباشر، في تهيئة الشروط التي أفضت إلى ولادة التمرّد الجديد
ومن أعمق التشوهات التي خلّفها الاستعمار في أفريقيا تحويل الوشائج الثقافية والاجتماعية التقليدية إلى هويات سياسية جامدة. ولم يكن ذلك مجرد تصنيف إداري عابر، بل كان تأسيسًا لرؤية جديدة للسلطة والانقسام، أعادت صياغة علاقة المجتمعات المحلية بالدولة على أساس الولاء والخصومة. فالقوى الإمبريالية دأبت على تصنيف الأفارقة إلى "حلفاء" و"متمردين"، وكان يُوسَم المقاومون بالإرهاب، فيما يُكافأ الموالون بوصفهم شركاء محليين. وعلى الرغم من أن هذه التصنيفات السياسية لم تكن تعكس حقيقة البنى الاجتماعية التقليدية، فإن قطاعًا واسعًا من الأدبيات الغربية تبناها وأعاد إنتاجها باعتبارها الإطار التفسيري الأنسب لفهم السياسة الأفريقية. وفي الحالة الصومالية، ظل هذا الإرث حاضرًا بقوة، بل تحول إلى قاعدة غير معلنة تنظّم نظرة الخارج إلى البلد.
في مرحلة التحرر الوطني وما أعقبها، تبلور في الصومال اتجاهان رئيسيان: اتجاه سعى إلى تفكيك الإرث الاستعماري القائم على الانقسام، وبناء دولة وطنية تتجاوز العصبيات الضيقة؛ واتجاه آخر استعاد، بوعي أو من دونه، آليات الحكم الاستعماري نفسها، عبر تسييس الانتماءات القبلية وتكريسها أساسًا للتنافس على السلطة. ولم تمضِ سنوات قليلة على الاستقلال حتى رجحت كفة هذا الاتجاه الثاني، فدُفع الصوماليون إلى معسكرات سياسية مغلقة، وتحول الانتماء القبلي إلى أداة للفرز والتعبئة وتقاسم النفوذ. وفي نهاية المطاف، لم يُفضِ هذا المسار إلا إلى تقويض الدولة وتمزيق البلاد إلى كيانات متناحرة وأشباه إقطاعات سياسية. والمفارقة أن القوى الدولية، بدل أن تقرأ هذه التجربة بوصفها إنذارًا مبكرًا بخطورة القبلية السياسية، قبلت بها إطارًا لإعادة بناء الصومال. وهكذا أضفت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة شرعية على بنية الانقسام ذاتها، وكرّست نظامًا يوزّع الصوماليين على جماعات متقابلة بدل أن يجمعهم في مشروع وطني جامع.
إن الاتحاد الأفريقي، بدل أن يجسد فعلًا مقولة "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية"، تحول إلى أداة تنفيذية لأجندة غربية أعاقت تعافي الصومال أكثر مما دعمته
وقد تجلى هذا المنحى بوضوح في مؤتمر المصالحة الصومالية الذي انعقد في كينيا بين عامي 2003 و2004. فالمؤتمر، بدل أن يؤسس قاعدة فعلية للمصالحة الوطنية والتضامن الأهلي، أفضى إلى سلطة تقوم على المحاصصة القبلية. ولم يكن ذلك، في نظر كثير من الصوماليين، مدخلًا إلى استعادة الثقة، بل سببًا إضافيًا لتعميق التناحر الداخلي، لأن الحكومة التي انبثقت من تلك العملية لم تبدُ تعبيرًا عن إرادة وطنية جامعة، بقدر ما بدت تسوية مفروضة داخل ميزان انقسام كان قائمًا أصلًا.
في تلك الأثناء، بقيت الحكومة التي شُكّلت في نيروبي معزولة في مدينة بيدوا، بينما ظلت مقديشو خاضعة لأمراء الحرب. وفي المقابل، بدأت تتبلور مبادرة صومالية مختلفة، بعدما نجحت مجموعة من القادة الدينيين في تعبئة سكان العاصمة ومواجهة نفوذ أمراء الحرب المحليين. وتمكّنت هذه الحركة، المعروفة باتحاد المحاكم الإسلامية، من هزيمة أمراء الحرب عام 2006، فاستقبل الصوماليون (في مقديشو) سقوط تلك السلطة بوصفه لحظة أمل نادرة في مسار الانهيار الطويل. غير أن هذا التحول لم يُقرأ خارجيًا باعتباره فرصة لاستعادة حدّ أدنى من الاستقرار الداخلي، بل قوبل سريعًا بالعداء. فقد سارعت إثيوبيا إلى تصنيف اتحاد المحاكم الإسلامية تنظيمًا إرهابيًا، وما لبثت الولايات المتحدة وأوروبا أن تبنّتا هذا التوصيف، فيما اكتفى الاتحاد الأفريقي بدور المتفرج.
ثم عززت إثيوبيا وجودها العسكري في بيدوا، قبل أن تدخل مقديشو في 25 ديسمبر/كانون الأول 2006. وأفضى القصف العشوائي للمدينة إلى دمار واسع في بنيتها المدنية، وتشريد أكثر من مليون إنسان، وسقوط آلاف القتلى، فيما لجأت قوات المحاكم الإسلامية إلى حرب العصابات. ومع تصاعد الخسائر الإثيوبية خلال عام 2007، غدا الاحتلال عبئًا يصعب استدامته. عندئذ بلورت واشنطن، بدعم أوروبي وتحت غطاء أممي، مقاربة جديدة ذات شقين: تمويل قوة تابعة للاتحاد الأفريقي لتحل محل القوات الإثيوبية، والعمل سياسيًا على استيعاب قيادة اتحاد المحاكم الإسلامية داخل الترتيب الرسمي الجديد. وفي هذا السياق، مُهّد الطريق أمام زعيم الاتحاد لتولي الرئاسة بعد "انتخابات" نُظمت في جيبوتي عام 2008.
يبدو أن الاتحاد الأفريقي لم يكن في عجلة من أمره لإنهاء هذه المهمة ما دام التمويل الأميركي والأوروبي متدفقًا، كما أن الحكومة الصومالية، بما تنطوي عليه من فساد وارتهان، وجدت في هذا الوجود العسكري سندًا لبقائها
غير أن هذه الخطوة، بدلًا من أن تطوي الأزمة، أسهمت في تفكيك الحركة نفسها. ورأى المقاتلون الموجودون في الخطوط الأمامية في ذلك خيانة لمشروعهم، وشعروا بأن تضحياتهم أُقحمت في صفقة سياسية جُرِّدت من مضمونها. ومن رحم هذا الإحساس بالغدر، أعاد كثير منهم تنظيم صفوفهم في تشكيل جديد هو حركة الشباب، التي ستواصل لاحقًا إنهاك البلاد وتعميق محنتها. وهكذا، لم يقتصر دور المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي على إجهاض أول مبادرة صومالية كبرى سعت إلى انتشال البلاد من الفوضى، بل أسهما أيضًا، على نحو غير مباشر، في تهيئة الشروط التي أفضت إلى ولادة التمرّد الجديد.
منذ ما يقرب من عقدين، استقرّ التدخل الدولي والأفريقي على معادلة مأزومة تقضي بدعم حكومة فدرالية هشة تستند إلى منطق المحاصصة القبلية، ونشر قوات أفريقية تحت شعار تخليص الصومال من حركة الشباب. وقد بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال "أميصوم" بقوات من أوغندا وبوروندي، قبل أن تنضم إليها لاحقًا قوات من إثيوبيا وكينيا وجيبوتي. ولا جدال في أن هذه القوات خاضت معارك قاسية، ولا سيما في المدن، وتمكنت من استعادة مقديشو وعدد من المراكز الحضرية. غير أن حركة الشباب ظلت متمكنة في مساحات واسعة من الأرياف، وبقيت الدولة الصومالية، بعد كل هذه السنوات، تعتمد اعتمادًا جوهريًا على القوة الأفريقية في حفظ أمنها الداخلي. ويبدو أن الاتحاد الأفريقي لم يكن في عجلة من أمره لإنهاء هذه المهمة ما دام التمويل الأميركي والأوروبي متدفقًا، كما أن الحكومة الصومالية، بما تنطوي عليه من فساد وارتهان، وجدت في هذا الوجود العسكري سندًا لبقائها. وبهذا تضافرت المصالح الدولية والإقليمية والمحلية، مع استمرار تهديد حركة الشباب، لتكريس حالة من التعليق المزمن: فلا الدولة تتعافى، ولا الحرب تنتهي، ولا السيادة تُستعاد.
يقتضي خروج الصومال من هذا المأزق مراجعة جذرية للمقاربة التي حكمت التدخل الدولي طوال السنوات الماضية. فأول ما ينبغي أن يتوقف هو إسناد النظام السياسي القائم على المحاصصة القبلية بوصفه قاعدة للحكم، على أن يُستعاض عنه بدعم بناء روابط مدنية ومجتمعية أوسع، قادرة على إنتاج معنى وطني جامع. وثانيًا، لا بد من إعطاء الأولوية للمبادرات السياسية الصومالية الشاملة، بدل الارتهان إلى نخب ضيقة لا تعيش إلا على إعادة إنتاج الانقسام. وثالثًا، ينبغي وضع جدول زمني صارم، لا يتجاوز خمس سنوات، لانسحاب القوات الأفريقية، بالتوازي مع تأسيس جيش وطني مهني جديد، لأن المؤسسة العسكرية القائمة استُنزفت إلى حد بعيد بالفساد والتسييس. غير أن المعضلة الأعمق تكمن في أن المؤشرات كلها لا تدل على وجود إرادة حقيقية لدى المجتمع الدولي أو الاتحاد الأفريقي لتعديل هذا المسار؛ وهو ما يعني أن العطب مرشّح للاستمرار، وأن الصومال سيظل يدفع ثمن سياسات رفعت شعار إنقاذه، بينما كانت، في واقع الأمر، تعيد إنتاج أزمته على نحو ممنهج.