تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

كورونا وإيبولا والسلاح.. كيف يدير متمردو الكونغو أزمتهم الصحية بعيدا عن الدولة؟

15 يوليو, 2026
الصورة
كورونا وإيبولا والسلاح.. كيف يدير متمردو الكونغو أزمتهم الصحية بعيدا عن الدولة؟
Share

في الوقت الذي تواصل فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية مواجهة واحدة من أكثر موجات الإيبولا تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، تحولت الاستجابة الصحية في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف AFC/M23 إلى ساحة جديدة للصراع السياسي والعسكري، بعدما سعت الحركة المسلحة إلى تقديم نفسها بوصفها سلطة قادرة على إدارة الأزمات العامة بعيداً عن مؤسسات الحكومة المركزية في كينشاسا، في خطوة تعكس تحول المنافسة بين الطرفين من ساحات القتال إلى مؤسسات الحكم والإدارة العامة.

كشفت وثائق رسمية وشهادات من فرق الاستجابة الصحية اطلعت عليها وكالة رويترز أن الحركة المتمردة أدارت استجابتها لتفشي محدود للإيبولا داخل المناطق التي تسيطر عليها بصورة شبه منفصلة عن وزارة الصحة في كينشاسا، مع تلقيها دعماً فنياً ولوجستياً من رواندا، الأمر الذي وفر لها فرصة لإظهار قدرتها على إدارة الخدمات العامة بعد سيطرتها على مدينتي غوما وبوكافو وأجزاء واسعة من إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو خلال تقدمها العسكري في العام الماضي.

تشير المعلومات إلى أن الإصابات داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة ظلت محدودة، إذ سجلت أربع حالات مؤكدة فقط، وهو ما دفع قيادة الحركة إلى إعلان احتواء التفشي بعد تنفيذ إجراءات عزل للمصابين، وتتبع ما يقارب أربعمائة مخالط، وفرض قيود على التنقل نحو المناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة المركزية، مع تنظيم حملات توعية صحية وإعادة هيكلة آليات المراقبة الوبائية داخل المدن التي تسيطر عليها.

يقول عاملون في المجال الإنساني إن هذه الإجراءات مثلت أكثر من مجرد استجابة صحية، إذ ارتبطت بمحاولة واضحة لإبراز قدرة الإدارة الجديدة على توفير الخدمات الأساسية وإظهار نفسها بوصفها سلطة أمر واقع تمتلك مؤسسات تنفيذية قادرة على التعامل مع الأزمات، وهو ما منح الحركة مساحة لإرسال رسائل سياسية إلى السكان المحليين وإلى المجتمع الدولي في آن واحد.

توضح الوثائق التي استندت إليها رويترز أن الحركة أنشأت هياكل صحية موازية داخل المناطق التي تسيطر عليها، مع الاستعانة بأطباء ومختصين محليين وإمدادات طبية وصلت عبر قنوات مرتبطة برواندا، في وقت واجهت فيه الحكومة المركزية صعوبات كبيرة في إيصال المعدات الطبية والفرق الفنية، نتيجة استمرار القتال وتعطل البنية اللوجستية وإغلاق بعض المطارات المحلية والقيود المفروضة على النظام المصرفي في تلك المناطق.

تأتي هذه التطورات في سياق سياسي وعسكري بالغ التعقيد، فمنذ سيطرة قوات AFC/M23 على غوما ثم بوكافو، توسعت الحركة في إنشاء مؤسسات إدارية بديلة شملت الأجهزة الأمنية والإدارات المحلية والقطاع الصحي والجباية، في محاولة لترسيخ صورة سلطة تمتلك مقومات الحكم اليومية، بينما تتهم الأمم المتحدة وعدد من الحكومات الغربية رواندا بتقديم دعم عسكري ولوجستي للحركة، وهو ما تنفيه كيغالي بصورة متكررة.

يرى محللون أن إدارة ملف الإيبولا وفرت للحركة فرصة نادرة لاختبار نموذج الحكم الذي تحاول ترسيخه. فالأوبئة تفرض على أي سلطة مسؤوليات تتجاوز العمل العسكري، وتشمل إدارة المستشفيات، وتتبع المخالطين، وتنسيق أعمال الإغاثة، وإقناع السكان بالالتزام بالإجراءات الوقائية، وهي وظائف ترتبط عادة بالدولة ومؤسساتها المدنية أكثر من ارتباطها بالحركات المسلحة.

مع ذلك، يحذر خبراء الصحة العامة من أن نجاح الحركة في احتواء التفشي المحدود داخل مناطقها لا يعكس بالضرورة قدرة النظام الصحي الموازي على التعامل مع موجة واسعة من الإصابات إذا استمر انتشار الفيروس. فشرق الكونغو يعاني أصلاً من هشاشة البنية الصحية، واستمرار النزاع المسلح، وصعوبة الوصول إلى عدد كبير من المناطق الريفية، وهي عوامل تزيد من احتمالات انتقال العدوى خارج نطاق السيطرة.

يأتي ذلك بينما يتواصل اتساع الوباء على المستوى الوطني. فقد أعلن المعهد الوطني للصحة العامة في الكونغو الديمقراطية انتقال المرض إلى مقاطعتي تشوبو وأوت-أويلي، بعد أن كان متركزاً في إيتوري ثم امتد إلى شمال كيفو وجنوب كيفو. وبلغ عدد الإصابات المؤكدة حتى 11 يوليو نحو 1926 إصابة، بينها 702 وفاة، مع تحذيرات من منظمة الصحة العالمية بأن العدد الحقيقي للحالات قد يتجاوز الأرقام المعلنة بمرتين إلى أربع مرات بسبب وجود إصابات كثيرة لم يتم ربطها بسلاسل انتقال معروفة.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه الموجة تختلف عن تفشيات سابقة بسبب تسببها بسلالة بونديبوجيو من فيروس الإيبولا، وهي سلالة لا تتوافر لها حتى الآن لقاحات معتمدة على نطاق واسع، بينما يجري اختبار علاجات تجريبية في عدد محدود من المراكز الطبية، وسط تحديات تتعلق بنقص التمويل والإضرابات التي ينفذها بعض العاملين الصحيين وتأثير النزاع المسلح على عمليات الاستجابة.

يخشى مختصون في الصحة العامة من أن يؤدي وجود منظومتين صحيتين منفصلتين، إحداهما تديرها الحكومة المركزية والأخرى تشرف عليها الحركة المتمردة، إلى تعقيد جهود احتواء المرض إذا توسع انتشاره مستقبلاً. ففعالية مكافحة الإيبولا تعتمد على تبادل البيانات الوبائية بصورة يومية، وتنسيق عمليات تتبع المخالطين، وتوحيد بروتوكولات العزل والعلاج، وهي مهام تصبح أكثر صعوبة في بيئة منقسمة سياسياً وعسكرياً.

يرى مراقبون أن ما يجري في شرق الكونغو يعكس تحولاً في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المنافسة بين كينشاسا وحركة AFC/M23 مقتصرة على السيطرة على الأرض أو المواقع العسكرية، بل امتدت إلى محاولة كل طرف إثبات قدرته على إدارة السكان وتقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك الاستجابة للأوبئة. وفي ظل استمرار الحرب واتساع انتشار الإيبولا، قد يصبح أداء المؤسسات الصحية أحد عناصر التنافس على الشرعية السياسية، إلى جانب موازين القوة العسكرية التقليدية.