السبت 7 مارس 2026
منذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025 وامتداداً خلال شهر يناير/كانون الثاني 2026، تشهد جنوب القارة الأفريقية حالة من الكوارث الطبيعية غير المسبوقة جراء أمطار غزيرة وسيول وفيضانات واسعة النطاق، أثرت بشكل كبير على موزمبيق وجنوب أفريقيا وزيمبابوي، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية جسيمة وتهديدات إنسانية معقدة لا تزال تتصاعد.
لم تكن الأمطار الغزيرة في هذه المنطقة ظرفاً عابراً، بل نتيجة نظام مناخي متأثر بعوامل طبيعية مثل: ظاهرة «لا نينيا» وبرودة المحيط الهادئ، مما جعل الرطوبة تتجمع فوق جنوب القارة، وتُطلق عواصف مطرية استمرت لأيام متواصلة، فملأت الأنهار إلى حد الفيضانات، وكسرت السدود الطبيعية على ضفافها، محدثة أعلى مستويات فيضانات تشهدها المنطقة منذ سنوات.
الحصيلة الإجمالية حتى الآن تشير إلى أكثر من 100 شخص عبر الدول الثلاث الرئيسية المتأثرة، بينما تقارير بعض وكالات الأنباء ومنظمات الإغاثة تفيد بأن الرقم قد يقترب أو يتجاوز 200 حالة وفاة، إذا أُدرجت الحوادث المرتبطة بالفيضانات المباشرة وغير المباشرة، مثل: الصعق بالكهرباء أو انهيار المباني أو الأمراض.
في موزمبيق، التي تحمل العبء الأكبر من الكارثة، تسببت الفيضانات بوفاة ما لا يقل عن 103 شخصاً منذ بداية موسم الأمطار، وفقاً لمعهد إدارة الكوارث والحد من المخاطر في البلاد. مياه الأنهار علّت على نحو خطير في محافظات مثل: غزة وسوفالا وزامبيزيا، وبلغت المناطق الحضرية مستوى غمر المياه، مما دفع آلاف الأسر إلى النزوح والإقامة في ملاجئ مؤقتة. وقد أُبلغ عن أن الفيضانات دمرت آلاف المنازل، وتضررت شبكات المياه والصرف الصحي، وعطل خدمات الكهرباء، حتى أن طرقاً رئيسية حيوية انقطعت، بما فيها أجزاء من الطريق الوطني رقم 1 الذي يربط العاصمة مابوتو ببقية أنحاء البلاد، مما أعاق وصول المساعدات الإنسانية.
أحد الجوانب الأكثر غرابة وخطورة في موزمبيق كان انتشار التماسيح في المناطق السكنية، حيث دفعت المياه العالية كائنات مثل التماسيح من بيئتها الطبيعية إلى داخل المدن والقرى، وأسفرت هذه الظاهرة عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل في هجمات أثناء محاولاتهم عبور المياه أو الاقتراب من الأنهار.
في جنوب أفريقيا، تم إعلان حالة الكارثة الوطنية بعد أن أدت الأمطار الغزيرة إلى مقتل أكثر من 30 شخصاً في المقاطعات الشمالية، مثل: ليمبوبو ومبومالانغا، حيث غمرت المياه المنازل، وجرفت الطرق وأحدثت انهيارات أرضية في بعض المناطق، وأدت إلى انقطاع الخدمات الأساسية. وقد شاركت القوات الجوية الجنوب أفريقية في عمليات إغاثة عبر مروحيات أنقذت مئات الأشخاص علقتهم المياه على أسطح المنازل والأشجار.
في زيمبابوي، رصدت السلطات ما لا يقل عن 70 حالة وفاة مرتبطة بالفيضانات منذ بداية الموسم المطري، خاصة في مناطق، مثل: ماسفينغو ومانيكالاند وميدلاندز، حيث أدت مياه السيول إلى غرق القرى ودمار مئات المنازل، وتعرضت البنية التحتية من طرقات وجسور ومدارس ومرافق صحية لأضرار بالغة.
هذا الدمار المادي غير مسبوق لا يقتصر فقط على المساكن، وإنما يشمل أالخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة؛ فمئات المدارس والمرافق الصحية توقفت عن العمل، وأثرت المياه الملوثة على الآبار والمصادر التقليدية للمياه الصالحة للشرب، ما يرفع من مخاطر تفشي أمراض منقولة بالمياه مثل الكوليرا والإسهال المائي الحاد، لا سيما في مخيمات النازحين حيث الازدحام وضعف الخدمات الصحية والصرف الصحي.
المنظمات الإنسانية والإقليمية تبذل جهوداً متواصلة للتعامل مع هذه الأزمة؛ فقد تم نشر فرق استجابة طارئة من جماعة التنمية لدول جنوب أفريقيا (SADC) لدعم جهود الإغاثة في موزمبيق وجنوب أفريقيا، وتقديم المساعدة في عمليات الإنعاش المبكر والمراقبة المستمرة وإعداد نداءات إنسانية منسقة.
بالنظر إلى الأرقام والآثار الإنسانية والاجتماعية الواسعة، من المتوقع أن تستمر هذه الأزمة في التأثير على ملايين الأشخاص، حيث تتراوح تقديرات عدد المتضررين بين نحو 700 ألف إلى أكثر من 1.3 مليون شخص في جنوب القارة، نصفهم من الأطفال، يعانون من فقدان المنازل وانقطاع المدارس والخدمات الصحية مع تزايد الحاجة إلى موارد الإغاثة العاجلة.
في المجمل، تعكس هذه الفيضانات واحدة من أخطر كوارث الطقس في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وتسلط الضوء على هشاشة البنية التحتية ومحدودية الاستعدادات لمثل هذه الأحداث المتطرفة، بينما يستمر المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية في محاولة احتواء الأزمات المتعددة – من فقدان الأرواح إلى المخاطر الصحية والغذائية والاقتصادية المتشابكة التي تواجهها دول جنوب أفريقيا المتأثرة.