الجمعة 17 أبريل 2026
تحتفل غانا هذا الشهر بالذكرى التاسعة والستين لاستقلالها، وفي هذا السياق، نشر رئيسها الحالي جون دراماني ماهاما (John Dramani Mahama) مقال رأي في صحيفة الغارديان The Guardian، استحضر فيه شجاعة القادة المؤسسين، مذكّرا بما أكده كوامي نكروما: أن الاستقلال السياسي يظل ناقصا ما لم يقترن بتحويل الأنظمة العالمية التي تشكّل اقتصادات الدول وتحدد آفاق فرصها. لكن من يكون كوامي نكروما؟
يمثل كوامي نكروما (1909–1972) إحدى الشخصيات المركزية في تاريخ الفكر السياسي والفلسفي في القرن العشرين، إذ زاوج في مساره بين البعد النظري والفعل التاريخي، وتجاوزت تجربته حدود الزعامة السياسية لتأخذ شكل مشروع فكري يروم إعادة تأسيس الوعي الأفريقي، في سياق التحول من الاستعمار إلى ما بعده؛ تتحدد قيمه هذا المشروع في كونه ينظر إلى التحرر باعتباره عملية متكاملة تشمل البنية السياسية والاقتصادية والبنية المعرفية في الآن نفسه.
هكذا يمكن مقاربة السيرة الفكرية لنكروما باعتبارها حركة متدرجة، تشكلت عبر انتقالات متتابعة من التكوين إلى البناء النظري ثم إلى النقد البنيوي للاستعمار الجديد. تكشف هذه الحركة عن تلازم وتناغم بين التجربة الشخصية والتحولات التاريخية الكبرى، يتشكل الفكر عبرها من خلال استجابته المباشرة لشروط التاريخية.
تشكل وعي نكروما في سياق استعماري مباشر داخل غانا، حيث تلقى تعليمه في مؤسسات تشكلت ضمن النظام الكولونيالي، غير أن هذا التكوين لم يؤد إلى إنتاج ذات مندمجة في المنظومة الاستعمارية، بل أفضى إلى وعي نقدي بها، خاصة من خلال الاحتكاك المبكر بالأفكار القومية الأفريقية. لقد جاءت لحظة انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1935 لتفتح أمامه أفقا فكريا أوسع، حيث انخرط في دراسة متعددة الحقول شملت الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد واللاهوت.
يمكن مقاربة السيرة الفكرية لنكروما باعتبارها حركة متدرجة، تشكلت عبر انتقالات متتابعة من التكوين إلى البناء النظري ثم إلى النقد البنيوي للاستعمار الجديد
في هذا السياق، تأثر نكروما بأفكار عالم الاجتماع الأمريكي دي بوا وماركوس غارفي، حيث وجد في كتاباتهم تصورا يربط بين تجربة الأفارقة في القارة وتجربة السود في الشتات، وتعمق هذا الوعي من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع الاجتماعي في هارلم، الذي شكل فضاء لتكوين سياسي غير رسمي، تتقاطع فيه الخطابات الفكرية مع التجارب اليومية للتمييز والهيمنة، في هذه المرحلة، تبلور تصور يعتبر أن المسألة الأفريقية جزء من بنية عالمية للهيمنة، تتجاوز الحدود الجغرافية.
تواصل هذا المسار في لندن، خاصة خلال مشاركته في المؤتمر الأفريقي الخامس عام 1945، حيث تبلورت فكرة الوحدة الأفريقية بوصفها مشروعا سياسيا، ثم أخذ نكروما في صياغة تصور يتجاوز الدولة الوطنية نحو أفق قاري، يقوم على الربط بين الاستقلال السياسي والوحدة الاقتصادية والتحرر المعرفي.
بلغ المشروع الفكري لنكروما درجة عالية من النضج في كتابه الذي حاولنا قراءته في مقال سابق المعنون ب "Consciencism: Philosophy and Ideology for Decolonization"، ورأينا أنه يمثل محاولة لتأسيس إطار فلسفي يعالج أزمة الوعي في المجتمعات الأفريقية بعد الاستعمار، ينطلق هذا العمل من تشخيص تعددية الروافد التي تشكل البنية الثقافية الأفريقية، حيث تتداخل عناصر مستمدة من التراث التقليدي ومن الإسلام ومن المسيحية المرتبطة بالتجربة الاستعمارية.
يقدم نكروما مفهوم "فلسفة الضمير" باعتباره استراتيجية فكرية تهدف إلى إعادة تنظيم هذه العناصر داخل نسق موحد، تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة الاستيعاب، أي تحويل التعدد إلى وحدة وظيفية تسمح بإعادة بناء الذات الجماعية. يأخذ هذا المشروع بعدا يتجاوز فيه المثالية عبر تبني المادية الجدلية، التي تفهم هنا كأداة لتفسير الواقع الاجتماعي والتاريخي أو بتعبير أدق أداة للتحليل الملموس لمواقع ملموس. تؤسس هذه المادية لفكرة وحدة الأصل الإنساني، وتتيح تصورا للعقل بوصفه نتاجا لتطور مادي معقد؛ من خلال مفهوم "التحويل الفئوي"، يقدم نكروما تصورا لانتقال المادة إلى الوعي، مما يمنح مشروعه أساسا نظريا يربط بين الطبيعة والتاريخ، الشيء تشكلت منه رؤيته للمجتمع على أساس المساواة، باعتبارها نتيجة مباشرة لوحدة الأصل المادي.
أدى هذا التشخيص الاقتصادي- السياسي إلى إعادة طرح مسألة الوحدة الأفريقية بوصفها ضرورة استراتيجية، تتجاوز البعد الرمزي لتأخذ شكل مشروع سياسي واقتصادي متكامل
تتموقع "فلسفة الضمير" ضمن الموقع الأوسط بين الفلسفة والأيديولوجيا، حيث تجمع بين التحليل النظري والوظيفة التوجيهية؛ يظهر هذا التداخل في سعيها إلى تقديم تفسير للواقع، وفي الوقت نفسه توجيه الفعل السياسي نحو تحقيق التحرر، بمنحها هذا الطابع المركب قوة خاصة، ويجعلها في الآن نفسه موضوعا للتساؤل حول حدودها النظرية والمعرفية، وهذا مجال يفتح أفقا للباحثين في الفلسفة الأفريقية قصد كشف لقيمتها ورصد محدوديتها.
على عكس المثقفين بعض في شمال أفريقيا الذين درسوا في المدارس الغربية خلال الاستعمار، الذين بقوا حبسي الأطر المعرفية، وعلى شاكلة المثقفين في غرب و جنوب وسط أفريقيا الذين حاولوا أن يخترقوا ويفهموا جوهر الاستعمار وأعراضه وآلياته، تحول المشروع النظري لنكروما إلى ممارسة سياسية مع عودته إلى غانا عام 1947، حيث انخرط في العمل التنظيمي وأسهم في تأسيس حزب المؤتمر الشعبي، اعتمد في نضاله على استراتيجية "العمل الإيجابي"، التي تقوم على تعبئة الجماهير واستخدام الوسائل المتاحة للضغط على السلطة الاستعمارية، ما أفضى إلى تحقيق الاستقلال عام 1957، مما أتاح لنكروما فرصة تطبيق أفكاره على مستوى الدولة.
من ضمن أفكاره بناء نموذج تنموي قائم على تدخّل الدولة، مستلهما تصورات اشتراكية تتلاءم مع السياق الأفريقي؛ وقد ارتبط هذا المشروع بفكرة الاستقلال الاقتصادي، التي اعتبرت شرطا لاستكمال الاستقلال السياسي، غير أن هذه التجربة كشفت عن إشكالات داخلية، خاصة في ما يتعلق بإدارة التعدد الاجتماعي وبناء مؤسسات سياسية مستقرة.
أظهرت الممارسة السياسية حدود المشروع النظري، حيث واجهت الدولة الجديدة تحديات تتعلق بالبنية الاقتصادية وبالضغوط الخارجية (امبريالية). في هذا السياق، برزت إشكالية العلاقة بين القيادة المركزية والمشاركة السياسية، وهو ما أثر في مسار التجربة برمتها.
أما في كتابه: "الاستعمار الجديد"، يقدم نكروما تحليلا مهما للمرحلة التي تلت الاستقلال السياسي، ينطلق هذا التحليل من فكرة أن الهيمنة لم تختف، بل أعادت تشكيل نفسها عبر آليات جديدة، خاصة في المجال الاقتصادي والمالي، تتجسد هذه الآليات في التحكم في الموارد، وفي توجيه السياسات الاقتصادية عبر مؤسسات دولية وشبكات محلية.
ينطلق من تشخيص تعددية الروافد التي تشكل البنية الثقافية الأفريقية، حيث تتداخل عناصر مستمدة من التراث التقليدي ومن الإسلام ومن المسيحية المرتبطة بالتجربة الاستعمارية
يقدم مفهوم "الاستعمار الجديد" إطارا لفهم استمرار التبعية في سياق يبدو ظاهريا مستقلا، في هذا الإطار تصبح الدولة الوطنية جزءا من نظام عالمي معقد، تتحكم فيه قوى خارجية عبر وسائل غير مباشرة. يرتبط هذا التحليل بفكرة "البلقنة"(Balkanization)، التي تشير إلى تفتيت القارة إلى وحدات صغيرة، مما يضعف قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية، قد أدى هذا التشخيص الاقتصادي- السياسي إلى إعادة طرح مسألة الوحدة الأفريقية بوصفها ضرورة استراتيجية، تتجاوز البعد الرمزي لتأخذ شكل مشروع سياسي واقتصادي متكامل. في هذا السياق، تتحدد الوحدة باعتبارها شرطًا لإعادة التوازن في العلاقات الدولية.
تشكل السيرة الفكرية لكوامي نكروما مسارا متكاملا يجمع بين التحليل النظري والممارسة العلمية، ويعكس محاولة لإعادة بناء الذات الأفريقية في سياق عالمي، وفق تصور يعتبر أن التحرر عملية متعددة الأبعاد، تشمل الاقتصاد والسياسة والمعرفة. تظل أهمية هذا المشروع قائمة في قدرته على طرح أسئلة جوهرية حول الاستقلال والوحدة وإنتاج المعرفة في عالم ما بعد الاستعمار الشيء الذي يتيح إمكانات متعددة لإعادة القراءة، خاصة في ضوء التحولات الراهنة، حيث تستمر إشكالات التبعية والهيمنة في أشكال جديدة.
يفتح المشروع النكروماوي مجالا واسعا للتفكير في قضايا الأصالة والتركيب والعلاقة بين الفكر والممارسة، ويظهر مفهوم "الأصالة" في سياق البحث عن هوية أفريقية مستقلة، ويطرح في الوقت نفسه سؤالا حول طبيعة هذه الهوية وحدودها، وتثير "فلسفة الضمير" إشكالية تتعلق بإمكانية تحقيق وحدة بين منظومات فكرية متنوعة، حيث يعتمد المشروع على تصور استيعابي يسعى إلى دمج هذه العناصر داخل نسق واحد.