تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

"كراهية مصطنعة".. نخب أفريقية تتودد لأمريكا عبر إسرائيل

29 يونيو, 2025
الصورة
"كراهية مصطنعة".. نخب أفريقية تتودد لأمريكا عبر إسرائيل
Share

على الرغم من حالة العداء المعلن من قبل غالبية النخب الأفريقية للاحتلال الإسرائيلي، وإعلانهم رفض سياساته التوسعية في المنطقة، إلا أن التاريخ السري للعلاقات بين الطرفين قد يحمل في طياتها كثير من المفارقات، فأمام الرفض الشعبي وتصاعد المطالب الأفريقية بالإصلاح، لجأ كثير من القادة الأفارقة المأزومين إلى بوابة تل أبيب للحصول على الدعم السياسي والاقتصادي، إذ عملت أذرع الاحتلال في كثير من المواقع كقنوات اتصال غير رسمية بين نخب أفريقية والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ووفرت لهم الدعم السياسي والاقتصادي وأحيانا الأمني مقابل إطلاق يد إسرائيل في القارة.

الباحثون عن الشرعية المفقودة

تتجلى الاتصالات السرية وعروض تقديم الخدمات الأفريقية لإسرائيل بشكل بارز مع كل أزمة تواجهها الدولة الإسرائيلية المرفوضة من محيطها العربي، إذ كانت تل أبيب أحد الحلول المطروحة على طاولة ثلاثة مواقع أفريقية خلال الأشهر الأخيرة، كل هذه المواقع تشترك مع بعضها في مواجهة أزمات سياسية وأمنية، وغياب الشرعية الدولية عن بعضها، وكان آخر القادة الأفارقة الذين فضلوا اللعب بالورقة الإسرائيلية هو قائد قوات الدعم السريع السودانية، محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي".

في خضم المواجهات الدامية بين قوات الجيش السوداني والدعم السريع والتي خلفت أكبر أزمة إنسانية تعيشها البلاد، ذكرت تقارير إعلامية نقلا عن مصادر مطلعة أن دولة الإمارات العربية، والتي تتهمها السلطات السودانية بتقديم الدعم لميليشيا حميدتي، سعت لتسويق الأخير لدى الإدارة الأمريكية، من خلال تقديم عرض باستقبال جزء من سكان قطاع غزة الفلسطيني، مقابل الحصول على دعم دولي، وإعادة دمج حميدتي في المشهد السياسي السوداني، بعد أن تكبدت قواته خسائر متوالية، تسببت في انسحابها من كثير من المواقع الاستراتيجية.

كانت تل أبيب أحد الحلول المطروحة على طاولة ثلاثة مواقع أفريقية خلال الأشهر الأخيرة، كل هذه المواقع تشترك مع بعضها في مواجهة أزمات سياسية، وغياب الشرعية الدولية عن بعضها

لم يقف الأمر عند عرض خدمات استقبال سكان غزة، بل كان التطبيع والتقرب من تل أبيب أحد الأدوات التي استخدمتها حكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي تواجه أزمات سياسية متعلقة بالشرعية أيضا، حيث أقدم مجلس النواب الليبي على سحب الثقة منها، وتواجه مطالب شعبية بالرحيل كونها معينة من قبل البعثة الأممية للدعم في ليبيا، ولم تأت عبر انتخابات شعبية، كما أنها لم تفلح حتى الآن في المهمة المكلفة بها والمتمثلة في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في البلاد، وهو ما جعلها معرضة للتغير في حال وجود أي اتفاق سياسي يقضي على الانقسام الليبي.

تفاصيل التواصل الليبي الإسرائيلي كُشفت في أغسطس/أب 2023، إذ قالت وسائل إعلام ومسؤولون إسرائيلون وقتها إن لقاءًا سريًا عُقد في روما بين وزيرة الخارجية الليبية المقالة نجلاء المنقوش، ونظيرها الإسرائيلي آنذاك إيلي كوهين، حيث ناقشا معا آليات وسبل تطبيع العلاقات بين الطرفين، في خطوة وصفت وقتها بمحاولة من حكومة الدبيبة للبحث عن دعم دولي، يضمن بقاء الحكومة المؤقتة في منصبها، أو إعادة انتخاب رئيسها مرة أخرى في حال جرت انتخابات في البلاد.

وعلى الرغم من إعلان الحكومة الليبية إقالة الوزيرة وتمسكها بالموقف الشعبي الرافض للتطبيع مع إسرائيل؛ إلا أن المنقوش أكدت في تصريحات لاحقة لها أن اللقاء الذي تسبب في إقالتها كان بعلم رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، وأن الحكومة تعاملت مع الحدث بشكل غير حكيم.

لم تقف محاولات التقرب من إسرائيل عند إقالة الوزيرة وإعلان، وهمي لرفض التطبيع، حيث ذكرت قناة NBC الأمريكية في مايو/آيار الماضي، أن إدارة ترامب ناقشت خطة لنقل ما يصل إلى مليون فلسطيني بشكل دائم من قطاع غزة إلى ليبيا، مشيرة إلى أن مسؤولين أمريكيين ناقشوا مع الإدارة الليبية هذه القضية، وهو ما نفته الحكومة الليبية لاحقا.

الدعم السياسي ومواجهة المتمردين

داعبت بوابة تل أبيب أيضا عددًا من القادة الأفارقة الباحثين عن الدعم السياسي، أو من يواجهون تحديات أمنية سواء بوجود حركات تمرد في بلدانهم، أو الذين يخوضون مواجهات مع الجماعات المتطرفة، كما هو الحال مع بوكوحرام، فقبل الإطاحة برئيس النيجر محمد بازوم عبر انقلاب عسكري عام 2023، ذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن النيجر كان مرشح بقوة لعقد اتفاقية تطبيع معه، ضمن الاتفاقيات التي عرفت وقتها بالاتفاقيات الإبراهيمية، والتي طبعت العلاقات بموجبها مع بعض الدول الأفريقية والعربية من بينها السودان والمغرب.

هذه الرؤية تنطلق من براغماتية فجة تتبناها بعض الأنظمة التي تعتقد أن جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة قادرة على التأثير في القرار الأمريكية وأن تقربها من إسرائيل سيجعلها تنال رضا هذه الجماعات التي بدورها ستضغط لمساندة هؤلاء القادة

وذكرت المعلومات وقتها أن الخارجية الإسرائيلية كانت ترى في قرب موعد الانتخابات الرئاسية في النيجر بابا مهما يمكن أن يقرب خطوات التطبيع بين البلدين، حيث كان بازوم يحتاج إلى مزيد من الدعم السياسي لمواجهة خصومه في الداخل، إلا أن الانقلاب الذي وقع في يوليو/ تموز 2023، عطل هذه الخطوة.

المساعدات الإسرائيلية وازدواجية المواقف الأفريقية

ظهرت ازدواجية المواقف أيضا مع السنغال الذي اضطر قبل أعوام لمساندة الرغبة الإسرائيلية في الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، بعد أن عاقبت تل أبيب داكار بقطع المساعدات الاقتصادية عنها بسبب موقفها الداعم لقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في 2016، والذي أدان النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، حيث استدعت إسرائيل وقتها سفيرها، وألغت برامج المساعدات الخارجية في السنغال، وهو ما دفع السنغال لاحقا للسعي لإصلاح العلاقات، عبر دعم انضمام إسرائيل للمنظمة القارية بصفة مراقب، وهي الخطوة التي فشلت أيضا بسبب الرفض الأفريقي الواسع لوجود إسرائيل في الاتحاد.

الأمر نفسه تكرر مع بعض البلدان الأفريقية المنتجة للنفط، وفي مقدمتها نيجيريا أكبر البلدان الإسلامية في القارة، التي تُصر على إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، إلا أنها في الوقت نفسه ترفض المطالب الخاصة بوقف تصدير الوقود إلى الاحتلال، والذي يستخدم في تشغيل آلة القتل في غزة والضفة، حيث تمد أفريقيا إسرائيل بحوالي 37٪ من احتياجاتها النفطية، وحصة كبيرة منها تأتي من نيجيريا.

الخطوات ذاتها أقدمت عليها دولا أفريقية تشهد رفضا شعبيا للوجود الإسرائيلي إلا أنها أمام الحاجة للدعم الاقتصادي والأمني لجأت للبراغماتية في التعامل مع تل أبيب، لاسيما في الدول التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا والتسليح العسكري الإسرائيلي، والتي من بينها "إثيوبيا وكينيا وأنغولا وجنوب أفريقيا وساحل العاج وملاوي وزامبيا وتوغو ونيجيريا والكاميرون" حيث تقيم هذه الدول علاقات عسكرية قوية مع الاحتلال الإسرائيلي على الرغم من إعلانها الرسمي رفض سياستها بحق الفلسطينيين.

تل أبيب طريق المأزومين في القارة

البوابة الإسرائيلية لم يدخلها القادة الحاليون فقط، بل كانت دوما طريقا سلكه المأزومين في القارة الأفريقية حيث يشير الكاتب عامر خليل أحمد عامر، في كتابه الذي نشر تحت عنوان "السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أفريقيا: السودان نموذجا" إلى أن بعض الساسة السودانيين وجزء من قادة حركات التمرد السودانية ربطتهم علاقات قوية بتل أبيب، وأن هذه العلاقات بدأت في وقت مبكر من عقد خمسينيات القرن الماضي، وتطورت بشكل كبير حيث قدمت إسرائيل الدعم الاستخباراتي والتسليحي لكثير من هذه الحركات.

يشير إلى أن حركة تحرير جنوب السودان تلقت دعما كبيرا من تل أبيب، وكان زعيم الحركة الراحل جون قرنق تربطه علاقات قوية بالدولة العبرية، وأنه زارها أكثر من مرة. كما يوضح الكاتب أن بعض الحركات الدارفورية أيضا سعت لطرق البوابة الإسرائيلية، مقابل الحصول على دعم اللوبي الصهيوني الذي تعهد بدفع قضية دارفور إلى سلّم الاهتمام العالمي ومائدة مجلس الأمن الدولي.

دولة عربية الإمارات العربية والتي تتهمها السلطات السودانية بتقديم الدعم لميليشيا حميدتي، سعت لتسويق الأخير لدى الإدارة الأمريكية، من خلال تقديم عرض باستقبال جزء من سكان قطاع غزة الفلسطيني

يتفق الكاتب مع ما ذكرته مصادر أخرى في أن الرئيس السوداني السابق جعفر النميري الذي حكم السودان في الفترة ما بين عامي (1969–1985)، وهي الفترة التي واجه فيها السودان تحديات أمنية وسياسية، سعى هو الآخر لطرق البوابة الإسرائيلية في سبيل الحصول على الدعم الغربي، حيث ربطته علاقات سرية برئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل ارائيل شارون، والذي نسق معه رحلة خروج يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر الأراضي السودانية، وهي الخطوة التي ساهمت في استيطان حوالي 52 ألف يهودي للأراضي في فلسطين المحتلة.

وسيلة للتقرب من واشنطن

في معرض تعليقه على الأشكال السرية من العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية والأفريقية، يقول الباحث أحمد الجندي أستاذ الدراسات اليهودية بجامعة القاهرة، إن بعضا من الدول تنظر إلى تقوية علاقتها بإسرائيل على أنها وسيلةٌ للتقرب من واشنطن.

يضيف في ورقة بحثية له أن هذه الرؤية تنطلق من براغماتية فجة تتبناها بعض الأنظمة التي تعتقد أن جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة قادرة على  التأثير في القرار الأمريكية، وأن تقربها من إسرائيل سيجعلها تنال رضا هذه الجماعات التي بدورها ستضغط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة لمساندة هؤلاء القادة.

يشير إلى أنه على الرغم من هذه الوقائع إلا أن الأحداث أثبت أن إسرائيل حققت استفادةً أكبر مما يحقِّقه العرب والأفارقة نظير التقرب من تل أبيب، فبالإضافة إلى مكاسبها الاقتصادية والأمنية، فإن العلاقات السرية مع الأفارقة جعلت إسرائيل تقدم نفسها دوما لواشنطن على أنها صاحبةُ تأثيرٍ كبيرٍ في سياسات المنطقة، وأنها قادرة على حماية المصالح الأمريكية.

بعض الحركات الدارفورية أيضا سعت لطرق البوابة الإسرائيلية في مقابل الحصول على دعم اللوبي الصهيوني الذي تعهد بدفع قضية دارفور إلى سلّم الاهتمام العالمي ومائدة مجلس الأمن الدولي.

يؤيد ذلك ما ذهبت إليه ورقة بحثية نشرها مركز المعلومات الفلسطيني من أن إسرائيل علمت على تقديم الدعم للجماعات الانفصالية في المنطقة، ورأت في كثير من النخب الأفريقية فرصة لمواجهة المد العربي والتحرري في بلدان القارة، والذي يهدد المصالح الغربية، مستشهدة بما حدث مع الرئيس الكونغولي السابق "موبوتو سيسيكو"، الذي تلقى دعما غربيا وإسرائيليا واسعا لمواجهة الزعيم الوطني  باتريس لومومبا.

مواقف بعض النخب وقادة الدول الأفريقية من إسرائيل، وإن أبدوا معارضة لأنشطتها، سمحت بفتح أبواب القارة أمام تل أبيب للتغلغل فيها، وتنفيذ استراتيجياتها، وهو ما يقول عنه الباحث وليد عبد الحي في ورقة نشرها مركز الزيتونة للدراسات، إن إسرائيل ساعدت بعضا من الحكام الأفارقة المقربين منها للبقاء في السلطة حتى وإن كان ذلك على غير رغبة الشعوب الأفريقية.

يلفت الباحث إلى أن الاستفادة لم تكن من طرف واحد بل عملت إسرائيل على تحقيق أكبر قدر من المكاسب نظير هذه الخدمات، مشيرا إلى أن السودان وتشاد اللذان كانا آخر الدول الأفريقية انضماما لقوافل التطبيع، وحصلوا على دعم مالي سياسي، لكن مقابل هذا التقارب سعت إسرائيل للاحتفاظ بوجود عسكري لها في المنطقة بما يسمح لطائراتها المُسيرة مسح المنطقة الممتدة بين السودان وتشاد وليبيا وكامل صحراء الساحل الأفريقي وهو ما يهدد الأمن الإقليمي واستقرار التجمعات البشرية الرافضة لإسرائيل في هذه المناطق.