تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

خطّة الولايات المتّحدة لإسناد تدخلها الإمبريالي في هايتي إلى كينيا

20 ديسمبر, 2024
الصورة
Geeska cover
Share

لقد أوزعت الولايات المتّحدة منذ أمدٍ بعيد مهمّة التدخل في هايتي إلى بلدان الجنوب العالمي. وقد وافقت كينيا في الآونة الآخرة على قيادة تدخلٍ في هايتي، تديره شرطة متعددة الجنسيات، تدعمها الولايات المتحدة؛ مبررة مهمة «تحقيق الاستقرار» التي تشرف عليها عبر خطابِ البان-آفريكانيزم.

في 23 مايو/ آيار استضاف الرئيس جو بايدن الرئيس الكيني ويليام روتو في البيت الأبيض في زيارة دولة، بمناسبة الذكرى الستين للعلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكينيا. وتزامن هذا التجمع -أول زيارة من نوعها لرئيس دولة إفريقية منذ عام 2008 - مع الإطلاق الرسمي لبعثة الشرطة المتعددة الجنسيات بقيادة كينيا، والتي تدعمها الولايات المتحدة للتدخل في هايتي، وهو ما يعني- بكلمات السكرتيرة الإعلاميّة للبيت الأبيض كارين جان بيير- أن «القيادة الأفريقية ضرورية لمعالجة الأولويات العالمية».

ما دام الأمر يتعلّق بخطة «تحقيق الاستقرار» في هايتي، فإن التحالف بين الولايات المتحدة وكينيا يمثّل تقاطعاً في المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة باعتبارها قوّةً إمبريالية، وكينيا بصفتها لاعباً يفرض نفسه بشكلٍ قوي في الجنوب العالمي. ونظراً لتاريخ التدخل الإمبريالي في هايتي، الذي تعرض لانتقاداتٍ واسعة، سعت إدارة بايدن إلى تجنّب النظر إليها على أنّ لها دوراً مباشراً في أحدث خطّةٍ للتدخل في البلاد (وهي خطة تدفعها مخاوف الولايات المتحدة من الهجرة وليس قلقها بشأن رفاهيّة الشعب الهايتي).

تأمل إدارة بايدن، من خلال تكليف كينيا بالمهمّة، إقناع الجمهور الأمريكي بعدم تورط الولايات المتحدة في احتلال عسكري أجنبي آخر، وبإقناع المواطنين الهايتيين -على نحو ما فعلت عام 2004 حينما وافقت البرازيل على قيادة مهمّة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار، المعروفة باسم بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي - بأن المتدخلين أصدقاءٌ وليسوا محتلّين. سوى أنّه لم ينظر، استراتيجيّاً، لحقيقة أن الولايات المتحدة ستوفر الدعم اللّوجستي للمهمة في هايتي؛ من ضمن ذلك تبادل المعلومات الاستخبارية، والاتصالات والدّعم الجوي، إلى جانب ما لا يقل عن 300 مليون دولار كدعمٍ ماليّ. كل هذا يعنّي أنّها قيادة أمريكيّة بقدر ما تقدّم نفسها على أنّها مهمّة بقيّادةٍ كينيّة.

لقد قدّمت إدارة بايدن مكافئةً لكينيا بالفعل بعقد اتفاق تعاونٍ دفاعيّ مدته خمس سنوات، بهدفِ تعزيز القدرات الأمنية للبلاد في شرق أفريقيا، ومن ضمن ذلك حملة كينيا العسكرية المستمرة ضد «حركة الشباب الصومالية» المسلحة. لكن حسابات كينيا تمتد إلى ما هو أبعد من هذه المادية البليدة، والرغبة في إرضاء حليفها الأقوى. فقد أدرك الرئيس روتو، تماماً مثل قادة الجنوب العالمي الآخرين، بما فيهم سلفه أوهورو كينياتا، أن الأمن هو الملعب الذي عبره ستتمكن كينيا من إبراز قيادتها على نطاق أوسع.

أنشأ الجيش الكيني في سنة 2021، على سبيل المثال، مكتباً للاتصالات الاستراتيجية، يسعى بشكلٍ صريحٍ إلى تشكيل الرأي العام حول قوات الدّفاع الكينية، التي خضع تواطؤها مع حركة الشباب في تجارةٍ غير مشروعة للفحم والسكر لمراجعةٍ نقديةٍ. في نفس العام، أصدرت شركة الإنتاج المرئي الكينية فوكستون ميديا ​​أوّل فيلم روائي طويل لها؛ وهو فيلمُ إثارةٍ عسكريٍّ حمل اسم «مهمّة إنقاذٍ». وتماشياً مع هدف الشركة المتمثل في تسليط الضوء على نجاحات الأجهزة الأمنية في البلاد، أثنى العمل على شجاعة وتضحيةِ قوات العمليات الخاصة الكينيّة من خلال سردٍ متخيّل لمهمةِ إنقاذ مجموعةٍ من الرهائن، تحتجزهم حركة الشباب. حصل الفيلم، الذي حصد ملايين المشاهدات عبر الإنترنت في كينيا وخارجها، على جائزة «مهرجان زنجبار السينمائي الدولي» كأفضل فيلمٍ روائيٍّ طويل في شرق إفريقيا، ثمّ كان مرشّح كينيا لجوائز الأوسكار لعام 2022.

يشكل صعود كينيا بصفتها قائداً اسميّاً للبعثة الهايتية جزءًا من جهدٍ أوسع لتقديم نفسها دولة سوداءَ استثنائيةٍ، على أهبّة الاستعداد لتقديم العون للآخرين، وليس كدولةٍ نمطيّة «فاشلة» لم تكن لتوجد لولا تدخل ليبراليين «بيض». كما توحي قيادتها للمهمة، بشكلٍ رمزي، إلى نظامٍ عالمي أقلّ هرمية وطبقية عنصريةً، حيث تستبدل صورة «المنقذ» الأورو-أمريكي بصورة «الرفيق» الأفريقي الأسود. ومن الجدير بالملاحظة هاهنا هو أنّ القادة الكينيين يصوغون قرارهم بالمشاركة في هايتي في لغة تضامنٍ إفريقي، وليس كدعمٍ خيري -لنتذكّر هاهنا بأن استحضار البان-آفريكانيزم، وخاصة إذا كان من طرف مسؤولي الدولة، غالباً ما يشتغل كتشويشٍ على أسئلة السلطة، وليس كمسائلٍ لها.

كانت كينيا متحمّسة «للمساعدة» منذ سبتمبر/ أيلول 2021، على الأقل، عندما ترأس الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا أوّل قمة لمجموعة إفريقيا-الكاريبي (CARICOM). وبعد ذلك بفترةٍ قصيرةٍ، وأثناء ولايتها العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، استضافت اجتماعاً بصيغة آريا حول الوضع في هايتي. وفي ذلك التجمع، عرضت تدريب ما يصل إلى ألفي من أفراد الأمن الهايتي وموظفي الصّحة والمعلمين وأي مهنة أخرى تساهم بحيويّة في جهود إعادة بناء مؤسسات البلد.

ما يكمن وراء خطاب البان-آفريك الذي تتبناه الحكومة الكينية هو إخضاع مباشر، سيتجلّى عمّا قريبٍ، لسكان هايتي على أيدي الدولة الكينية، وبمساعدةٍ وتحريضٍ من الولايات المتحدة. ويأمل الرئيس روتو، في الوقت نفسه، في تهميش الإحباط المتزايد بين مواطنيه بخصوص الديون الخانقة، والارتفاع الفظيع لتكاليف الوقود والغذاء التي أثارت، عام 2023، احتجاجات كبيرةٍ اعتقلت فيها الشرطة مئات المتظاهرين، وقتلت ثلاثين شخصاً. يرجح في المستقبل أن يكون المراقبين الخارجيين -الذين كانوا ليلفتوا النظرَ إلى المحاولات شديدة العنفِ للدولة الكينية لإدارة وضعها الاقتصادي المضطرب- أكثر انشغالاً بدور كينيا الجديد في هايتي.

إنّ اللجوء إلى الحلول العسكريّة في كينيا هو ما يجيب أن يقود فهمنا لما يمكن توقّعه في هايتي. فقد استفادت كينيا، في العقدين الأخيرين، من باعتبارها شريكا رئيسٍيا للولايات المتحدة في «الحرب على الإرهاب» من تدريبِ وتجهيز -بدعمٍ أمريكي- وحدات نخبةٍ شبه عسكرية ذات توجّه إيديولوجي حربي ومجهزة مادّياً لها. تتسبب الإشارات التعميميّة في وسائل الإعلام الرئيسة إلى «الشرطة الكينية» عند مناقشة خطّة التدخل في هايتي في حجب، على نحوٍ تامٍ، علاقات كينيا بالإمبرياليّة الأمريكيّة.  

على نحوٍ أكثر تحديدًا، تخفي النّقلة نحو استراتيجيةِ مكافحة التمرد في الأماكن التي لم تعلن فيها الولايات المتحدة الحرب بشكلٍ رسمي. ويتعين على المحللين الذين تساءلوا عما إذا كانت الشرطة الكينية قادرة على هزيمة «العصابات المخيفة» في هايتي، أن يتساءلوا أيضاً عن كيفية تحديد ما يعتبر نجاحاً؛ وذلك نظراً للعدد الهائل من الأسر الكينيّة المسلمة التي فقدت أقاربَ بسبب الممارسات المميتة لوحدات «الرد السريع» الكينية، المدربة على القتال في الصومال وداخل كينيا نفسها.

في الواقع، ينظر الاستراتيجيون العسكريون الأمريكيون، في سياق الجهود المستمرة لقمع حركة الشباب في شرق أفريقيا، إلى كينيا - تماماً مثل هايتي- باعتبارها «منطقة رمادية؛ أو بيئة سياسية معقّدةً ومتقلبةً، تحتاج إلى "الاستقرار"». ويرجع ذلك على وجه التحديد إلى كون القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) استثمرت سنوات من الوقت والمال في تنمية شركاء موثوق بهم داخل المؤسسة الأمنية الكينية، وقد أعلن المعهد الأمريكي للسلام بأن البلاد «تمتلك خبرة واسعة في هذا النوع من العمليات في المناطق الرمادية، وستكون قواتها بمثابة دراسة سريعة عمّا هو مطلوب لتحقيق النجاح». بشكلٍ مُبّسطٍ، كانت أعمال الشرطة الكينيّة الوحشية داخل الدولة وفي ساحتها الخلفية، بمثابة تدريبٍ لتدخلاتها في الخارج.

لنكن واضحين: تأتي لغة «الاستقرار» التي تظهر براءةً لتصرف انتباهنا عن حقيقة أن الشرطة الكينية - من المحتمل أن تواصلها المباشر مع عملاء الجيش والاستخبارات الأمريكية - ستطلق عمّا قريبٍ جهود تهدئة جماعية، تحمل في طياتها عواقب مميتة محتملة للشعب الهايتي. ويتحدث المحللون الاستراتيجيون الذين يتابعون الوضع على الأرض، بصراحة صارخةٍ، عن الحاجة إلى رد فعل عسكري ضد ما يصفونه بالتمرد الشامل.

كما هو الحال مع الحرب الدائرة - غير المعلنة - ضد «حركة الشباب» في شرق أفريقيا، فإن التأثير الإنساني لهذا التدخل سيمتد دونما شكٍ خارج الحدود الجغرافيّة لهايتي. وفي الواقع، ونظراً للتحديات الاقتصادية الحقيقية التي يواجهها روتو في داخل كينيا إلى جانب تعطشه الذي لا يروى للدعم والإشادة الدوليين، يوجد احتمال يفرض نفسه بشدّة بأن كينيا -على نحو ما كانت البرازيل قبلها- تعتزم استخدام هايتي مختبر أبحاثٍ لجهود التهدئة الخاصة بها مستقبليّاً في داخل كينيا وخارجها.

لقد كانت دول الجنوب العالمي كهايتي تاريخياً مختبراتٍ للقوى الإمبريالية الأورو-أمريكيّة لتجريب تقنياتٍ جديدة للسيطرة. ولكن احتضان الولايات المتحدة المريب لكينيا، بصفتها «الوجه» البان-آفريكي المزعوم للتدخل، يشكل علامة على الطبيعة المتغيرة للإمبريالية. لفهم هذه التحولات، يجب علينا أن نكون منتبهين معاً للسياسة الداخلية لدول الجنوب العالمي والمعاملات التي يمكن لها تشكيلها مع الولايات المتحدة لأجل تعزيز أجنداتها الخاصة.

 

مُترجم من هذا المصدر