تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

خطة "بولس" للسودان: رهان أميركي على ربط التمويل الدولي بوقف إطلاق النار

10 يناير, 2026
الصورة
خطة "بولس" للسودان: رهان أميركي على ربط التمويل الدولي بوقف إطلاق النار
Share

تنطلق الجهود الأمريكية الأخيرة بشأن السودان من التحضير لعقد مؤتمر دولي للمانحين، تسعى واشنطن إلى تنظيمه خلال الأسابيع المقبلة، في محاولة لمواجهة التدهور غير المسبوق في الأوضاع الإنسانية، وفي الوقت نفسه خلق مدخل سياسي ودبلوماسي، قد يفتح الطريق أمام هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار. يأتي هذا التوجه في ظل قناعة أميركية متزايدة بأن الأزمة السودانية لم تعد قابلة للاحتواء عبر بيانات الإدانة أو المساعدات المحدودة، بل تحتاج إلى حشد دولي منظم يربط بين الدعم الإنساني والضغط السياسي.

في هذا السياق، كثّف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، لقاءاته مع أطراف إقليمية ودولية معنية بالملف السوداني، لا سيما شركاء ما يُعرف بالرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر. وتركزت هذه الاجتماعات على بحث سبل إنجاح مؤتمر المانحين المرتقب، وضمان مشاركة واسعة من الدول والمؤسسات الدولية، إلى جانب مناقشة آليات توجيه التمويل نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، في ظل تحذيرات أممية من أن السودان يشهد واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.

ترى واشنطن أن المؤتمر لا يقتصر على كونه منصة لجمع التبرعات، بل يُراد له أن يشكّل إطارًا سياسيًا ضاغطًا، تُطرح من خلاله مسألة الوصول الإنساني الآمن وضرورة وقف القتال كشرط أساسي لفعالية أي دعم مالي. ويعكس هذا التوجه قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن استمرار العمليات العسكرية، سواء من قبل الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، يقوض أي جهد إغاثي، ويحوّل المساعدات إلى حلول مؤقتة لا تعالج جذور الكارثة.

بحسب ما طُرح في لقاءات بولس الأخيرة، فإن الولايات المتحدة تناقش مع شركائها إمكانية ربط مخرجات مؤتمر المانحين بالدفع نحو هدنة إنسانية محددة زمنياً، تتيح فتح ممرات آمنة، واستعادة قدر من الاستقرار يسمح للمنظمات الدولية بالعمل على الأرض. تُطرح الهدنة، وفق هذه الرؤية، كخطوة أولى، وليست حلاً نهائياً، على أن تُستثمر لاحقاً في إطلاق مسار سياسي أوسع إذا ما توفرت ضمانات الالتزام بها.

مع ذلك، تواجه هذه المقاربة تحديات كبيرة، أبرزها استمرار انعدام الثقة بين أطراف النزاع، وتباين مواقفهم حيال شروط أي هدنة، إضافة إلى تعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل المصالح الخارجية. كما أن تجارب الهدن السابقة، التي انهارت سريعاً، تجعل من الصعب التعويل على وقف إطلاق نار مستدام دون آليات رقابة وضمانات دولية فعالة.

ورغم هذه العقبات، ترى دوائر دبلوماسية أن مؤتمر المانحين قد يشكّل لحظة ضغط نادرة، إذا ما نجحت الولايات المتحدة في توحيد موقف المانحين وربط الدعم الإنساني بخطوات ملموسة على الأرض. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تحركات مسعد بولس على أنها محاولة لإعادة إدخال الملف السوداني إلى دائرة الاهتمام الدولي، ليس فقط كأزمة إنسانية، بل كملف سياسي وأمني يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الإغاثة الطارئة.

وبينما تستمر المشاورات حول موعد المؤتمر واجندته النهائية، يبقى الرهان الأميركي قائماً على أن يكون هذا الحدث نقطة انطلاق جديدة، تجمع بين المال والضغط السياسي، وقد تفتح نافذة – ولو ضيقة – أمام هدنة إنسانية تمهّد لاحقاً لوقف شامل لإطلاق النار في السودان.

فيما تقول ثلاث مصادر دبلوماسية سودانية لموقع " جيسكا " انها لم تتلقى اي إخطار من الجانب الأمريكي بشأن المؤتمر ، وأضافت ايضا أنها تمتنع عن الاهتمام بأي مبادرة لا تضع اعتبارات للحكومة الشرعية و مؤسسات الدولة الرسمية و يضيف مصدر بأن تجربة الحكومة مع هذه المؤتمرات ليست بالجيدة

شهد الملف السوداني خلال السنوات الماضية عدداً من المؤتمرات الإنسانية الدولية، أبرزها مؤتمرات جنيف وباريس، التي سعت إلى حشد الدعم المالي والسياسي للتعامل مع الأزمات المتراكمة في البلاد. مؤتمر جنيف الإنساني، الذي انعقد أكثر من مرة برعاية أممية ودولية، ركّز أساساً على تعبئة الموارد لصالح وكالات الإغاثة وتسهيل وصول المساعدات، مع تجنّب الخوض العميق في القضايا السياسية المباشرة. ورغم نجاح هذه المؤتمرات في جمع تعهدات مالية معتبرة، إلا أن تأثيرها على الأرض ظل محدوداً، بسبب استمرار النزاع، وصعوبات الوصول الإنساني، وغياب آليات فعالة تضمن ترجمة التعهدات إلى دعم مستدام يصل إلى المستفيدين.

اتسم موقف الحكومة السودانية من هذه المؤتمرات بالتذبذب، إذ رحبت بها من حيث المبدأ باعتبارها مصدراً مهماً للدعم الإنساني، لكنها في الوقت نفسه أبدت تحفظات متكررة على ما اعتبرته تسييساً للمساعدات أو تجاوزاً للسيادة الوطنية. ففي أكثر من مناسبة، شددت الحكومة على ضرورة أن يتم أي دعم إنساني عبر القنوات الرسمية، ورفضت ربط المساعدات بشروط سياسية أو أمنية لا توافق عليها. هذا الموقف خلق توتراً مستمراً مع بعض الجهات الدولية، وأسهم في تعقيد العلاقة بين المؤتمرات الإنسانية والواقع الميداني، حيث ظل الخلاف قائماً بين من يرى في هذه المؤتمرات أداة ضغط ضرورية، ومن ينظر إليها كمسار إنساني يجب فصله تماماً عن الصراع السياسي والعسكري.