الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
يمثل إشراف الرئيس حسن شيخ محمود على حفل تخريج دفعة من الجيش الوطني الصومالي في غلغدود محطة مفصلية في خطاب البلاد بشأن السيادة. فقد حمل الحفل لفتة رمزية إلى القوات الأجنبية، تمثلت في تقديم الزهور لها وتوديعها، في محاولة لإبراز صورة منظومة أمنية وطنية بدأت تتجه نحو الاعتماد على الذات. وجاء ذلك بالتزامن مع تكثيف برامج التدريب بدعم سعودي.
غير أن الصورة السياسية التي سعى الحفل إلى ترسيخها تصطدم بأوجه القصور العملياتي التي لا تزال تحكم واقع ساحة القتال في الصومال. فالحديث عن الاستقلال، وإن كان مفيدًا في تعزيز الشرعية الداخلية، يتجاهل ما تعانيه المؤسسات الأمنية من ضعف مزمن، فضلًا عن التفوق الميداني الذي أثبتته حركة الشباب. كما أن الرمزية السياسية لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة عسكرية؛ إذ إن نشر ثلاثة آلاف جندي لن يكون كافيًا لسد الفجوات القائمة في الإمداد والاستخبارات والدعم الجوي، وهي فجوات لا تزال تحد من فاعلية الجيش الصومالي.
لا يزال الجيش الوطني الصومالي مؤسسة عسكرية في طور التشكل، تفتقر إلى هياكل قيادة متماسكة، وآليات فعالة للسيطرة، وبنية قادرة على إدامة العمليات. ويضعف ذلك قدرته على الاحتفاظ بالمناطق المستعادة في مواجهة حركة مسلحة أثبتت قدرتها على التكيف. وبينما يقدم الرئيس محمود رؤية للاستقلال الأمني، يظل الواقع الميداني محكومًا بالاعتماد المستمر على الخارج، وبمواجهة تهديد غير متكافئ.
مع ذلك، لا ينبغي أن يقود الاعتراف بهذا الواقع إلى العجز، بل إلى إعادة ضبط التوقعات وصياغة استراتيجية أكثر واقعية. وفي هذا الإطار، يمكن التعامل مع الخريجين الجدد لا باعتبارهم بديلًا للقوات الدولية، وإنما قوة متخصصة تتولى حماية المواقع الثابتة ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل المقار والمنشآت الحكومية. ففي هذه المواقع، يمكن الحد من مخاطر الفرار من الخدمة أو العودة إلى الولاءات العشائرية، بفضل الإشراف المستمر وتوافر الدعم اللوجستي المباشر.
غير أن تصريحات الرئيس محمود تحمل دلالة سياسية أوسع، إذ توحي بأن الصومال يمضي نحو تحمل المسؤولية الأمنية كاملة، بما تنتفي معه الحاجة إلى وجود آلاف الجنود التابعين لقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. وتلقى هذه الرسالة صدى قويًا لدى جمهور محلي أنهكه الوجود العسكري الأجنبي، وهو شعور ملموس في مقديشو وسائر أنحاء البلاد. فمشهد القوافل الأجنبية، وحضور الأصوات الأجنبية في ترتيبات التنسيق الأمني، والانطباع بأن شؤون البلاد تُدار بإملاءات من الخارج، كلها عوامل تغذي الشعور الوطني بالاستياء.
ما يحتاج إليه الصومال ليس بلاغة السيادة، بل العمل الشاق لبناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام ضغطي الانقسام الداخلي والتهديد الخارجي
على هذا النحو، يستثمر خطاب الرئيس التطلعات القومية، فيما يخاطب في الوقت نفسه شركاء دوليين يتطلعون إلى إنهاء التزامات مكلفة تستنزف مواردهم. فمن خلال إظهار الثقة بالقدرات العملياتية وإعلان الجاهزية لتسلّم المسؤولية الأمنية، يسعى الصومال إلى توظيف موقعه الدبلوماسي لانتزاع شروط أفضل من المانحين والاتحاد الأفريقي. وتشمل هذه الشروط زيادة المساعدات المالية، واستمرار الدعم اللوجستي، وتمديد الجدول الزمني للانسحاب، بالتوازي مع تقليص الحضور العلني للقوات الأجنبية.
ترمي هذه المناورة الدبلوماسية إلى الموازنة بين فوائد المساعدة الخارجية والكلفة السياسية الداخلية للاحتلال الأجنبي. لكن حدودها تظهر حين تصطدم بالواقع العملياتي للتمرد؛ إذ قد ينتهي هذا الخطاب إلى صناعة انطباع بوجود كفاءة عسكرية لا يمتلكها الجيش الوطني الصومالي حاليا.
لذلك، يبدأ تقييم إعلان الرئيس بالنظر بتجرد إلى واقع الصراع وموازين القوى الراهنة. والحقيقة الأساسية التي ينبغي التشديد عليها هي أن حركة الشباب لم تُهزم؛ فلم تُدمّر بنيتها، ولم تُكسر قدرتها على إلحاق الضرر. وكل ما تحقق حتى الآن هو احتواؤها واستنزافها في بعض المناطق، بفضل مزيج محدد من القدرات العسكرية.
تأتي قوات الاتحاد الأفريقي في مقدمة عناصر هذا المزيج، إذ لا تزال القوة الرئيسية الممسكة بالأرض. ومن خلال انتشار وحداتها، القادمة من دول مختلفة، في المراكز السكانية الرئيسية، وعلى امتداد خطوط الإمداد، تحول هذه القوات دون فرض حركة الشباب سيطرتها على الحواضر الكبرى في البلاد. وبذلك توفر الثقل الدفاعي الثابت الذي لا يزال يشكل العمود الفقري للمنظومة الأمنية الصومالية.
أما العنصر الثاني، فيتمثل في القدرات التي توفرها القوات الخاصة الأجنبية، إلى جانب الطائرات المسيّرة والمستشارين. فهذا المكوّن هو الذي يتولى تنفيذ الضربات الجوية الدقيقة والغارات الليلية التي تستهدف قيادة حركة الشباب وتستنزف شبكاتها اللوجستية. وهي عمليات شديدة الخطورة تعتمد على معلومات استخباراتية دقيقة، ولا يزال الجيش الوطني الصومالي عاجزًا عن تنفيذها بدرجة موثوقة.
ترمي هذه المناورة الدبلوماسية إلى الموازنة بين فوائد المساعدة الخارجية والكلفة السياسية الداخلية للاحتلال الأجنبي. لكن حدودها تظهر حين تصطدم بالواقع العملياتي للتمرد
يكشف سجل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال أن مراحل الانتقال وعمليات الانسحاب المتعاقبة لم تؤدِّ إلى ترسيخ سيطرة الدولة، بل خلّفت فراغًا أمنيًا في أعقاب رحيل القوات الأجنبية. فكلما خفّضت الوحدات الأفريقية قوامها أو أخلت قواعدها العملياتية المتقدمة تمهيدًا لتسليمها، سارعت حركة الشباب إلى ملء الفراغ.
تكمن أبرز نقاط القوة العملياتية للحركة في قدرتها على استغلال هذه الثغرات الأمنية. فهي تعيد تنظيم صفوفها حيثما تضعف القوات الحكومية، وتفرض سلطتها مجددًا على المجتمعات الريفية، وتعيد تفعيل محاكمها وأنظمتها الضريبية، ثم تتهيأ للمرحلة التالية من حملتها. وبينما تُروى قصة الانتقال الناجح في عواصم العالم، تسود في قرى الصومال وبلداته رواية مغايرة، قوامها أن عودة حركة الشباب باتت وشيكة.
من هنا، يبدو الرهان على أن ثلاثة آلاف جندي جديد سيغيّرون جذريًا حسابات بناء القوة تفاؤلًا مفرطًا ينطوي على مخاطر جسيمة. فما يزال الصومال بحاجة إلى عشرات الآلاف من الجنود الذين يمكن الاعتماد عليهم، ويتقاضون رواتبهم بانتظام، ويحظون بإسناد لوجستي كافٍ، ولا يخضعون لهيمنة العشائر. كما يحتاج إلى جيش يمتلك منظومة متكاملة للدعم الجوي، وجهازًا متطورًا لجمع المعلومات الاستخباراتية، وقدرات قوية على الإجلاء الطبي، وقبل كل شيء إرادة مؤسسية راسخة للاحتفاظ بالأرض من دون إسناد أجنبي فوري.
لهذا، لو غادرت القوات الأفريقية غدًا في ظل الظروف الراهنة، فلن يكون الصومال أمام لحظة استقلال منتصرة، بل أمام انهيار سريع للدولة. فالنتائج الأرجح في المدى القريب ليست استنتاجات تحليلية مجردة، وإنما مآلات ملموسة يمكن التنبؤ بها.
على هذه الخلفية، يمكن فهم قرار الرئيس محمود تقديم حفل التخريج بوصفه خطوة نحو تسلُّم المسؤولية الأمنية باعتباره مناورة سياسية محسوبة. فهذا التأطير يتيح له أن ينسب إلى نفسه الفضل في ما يُنظر إليه على أنه تقدم وطني، وأن يطمئن رأيًا عامًا متململًا بأن حكومته تعمل على استعادة السيادة كاملة، وأن يضغط على الشركاء الدوليين للحصول على شروط أفضل لمواصلة انخراطهم، بالتوازي مع تقليص المظاهر العلنية للتدخل العسكري الأجنبي.
لو غادرت القوات الأفريقية غدًا في ظل الظروف الراهنة، فلن يكون الصومال أمام لحظة استقلال منتصرة، بل أمام انهيار سريع للدولة
ليس هذا الخطاب جديدًا؛ فمنذ قيام الدولة الاتحادية، تبنّى كل رئيس صومالي صيغة ما من هذا الخطاب القومي. وهو رد متوقع وعقلاني على مأزق قيادة بلد يعتمد بصورة دائمة على الخارج لضمان بقائه. ومن ثم، يغدو الاعتماد على الذات ضرورة سياسية وأداة لإدارة التوقعات الداخلية والعلاقات الدولية، لكن الحاجة إلى هذا الخطاب لا تجعله انعكاسًا للحقيقة.
مع ذلك، يظل حفل التخريج في غلغدود محطة مهمة، ويستحق الجنود الذين أتموا تدريبهم التقدير على خدمتهم. كما يجسد وجودهم ما يمتلكه الشباب الصومالي من إمكانات، ويعكس استمرار الاستثمار الدولي في مستقبل البلاد. غير أن تفسير الحدث بوصفه منعطفًا حاسمًا في الحرب، أو دليلًا على قرب انتهاء الاعتماد على الخارج، ينطوي على مجازفة قد تكون عواقبها كارثية.
فميدان القتال لم يصدر البيان نفسه الذي صدر عن القصر الرئاسي. إعلان النصر وتوزيع الزهور ينتميان إلى السياسة، والسياسة هي فن إدارة الانطباعات. أما الحرب، فتخضع لحسابات قاسية تتعلق بعديد القوات والإمداد والسيطرة على الأرض، وفي هذه الحسابات لا تتغير الحقائق بمجرد تغير الخطاب.
الحقيقة أن الصومال لا يستطيع، في الظروف الراهنة، الاستغناء عن القوات الأفريقية، إذا كان المقصود هو الاحتفاظ بالأرض، ومنع عودة حركة الشباب، والحفاظ على دولة متماسكة. والتظاهر بعكس ذلك، أو السماح للتطلعات القومية بأن تطغى على الواقع الاستراتيجي، لا يدل على القوة، بل يمثل تخلّيًا خطيرًا عن مسؤولية مواجهة الحقيقة.
فما يحتاج إليه الصومال ليس بلاغة السيادة، بل العمل الشاق لبناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام ضغطي الانقسام الداخلي والتهديد الخارجي؛ وهو عمل سيظل غير مكتمل في المستقبل المنظور.