السبت 11 أبريل 2026
أطلق رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، يوم الخميس 5 مارس/آذار 2026، رسائل تهدئة مكثفة تهدف إلى طمأنة الرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي، مؤكداً في خطاب نادر باللغة "التغرينية" أن بلاده "لا تريد الحرب"، وتفضل لغة الحوار لتجاوز التوترات المتصاعدة في إقليم تيغراي. تأتي هذه التصريحات رداً مباشراً على اتهامات حادة وجهها أمانويل أسيفا، الرجل الثاني في جبهة تحرير شعب تيغراي الذي صرح لوكالة فرانس برس بأن أديس أبابا تحشد عسكرياً استعداداً لشن جولة جديدة من القتال، في الإقليم الذي لم يتعافَ بعد من آثار الصراع الدامي الذي استمر بين عامي 2020 و2022 وخلّف مئات الآلاف من الضحايا.
نفى آبي أحمد، عبر وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (ENA)، نية الحكومة الفيدرالية العودة إلى الخيار العسكري، محملاً في الوقت ذاته جبهة تحرير شعب تيغراي مسؤولية عرقلة مسارات التسوية السلمية واتفاقات "بريتوريا" للسلام. واتهم رئيس الوزراء قيادات في الجبهة بحرمان الشعب في الإقليم من فرص النقاش المفتوح وإيجاد الحلول السياسية، مشدداً على أن "حل المشاكل لا يكون إلا بالحوار". يرى مراقبون أن استخدام آبي أحمد للغة التغرينية في خطابه يمثل محاولة دبلوماسية للالتفاف على القيادات السياسية للجبهة ومخاطبة القواعد الشعبية في تيغراي مباشرة لاستمالتها نحو الرؤية الفيدرالية.
تتزامن هذه التوترات الإثيوبية مع حالة من "السيولة الأمنية" في منطقة القرن الأفريقي والبحيرات العظمى، حيث يراقب المجتمع الدولي بقلق بوادر انهيار السلام الهش في إثيوبيا، بالتوازي مع تصاعد حدة الصراعات في شرق الكونغو الديمقراطية والسودان. وتخشى القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي عينت جيمس سوان رئيساً لبعثتها في الكونغو، من أن يؤدي اندلاع نزاع جديد في تيغراي إلى نزوح جماعي وتدفق جديد للاجئين نحو السودان وكينيا، مما قد يقوض جهود الاستقرار المالي والأمني التي تحاول نيروبي وأديس أبابا تسويقها لجذب الاستثمارات الغربية وصندوق النقد الدولي.
على الصعيد الجيوسياسي، يمثل استقرار إثيوبيا مصلحة حيوية للقوى العظمى المتنافسة على النفوذ في أفريقيا؛ فبينما تسعى واشنطن لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو الفوضى التي تستغلها الجماعات المسلحة والمنافسين الدوليين، تحاول أديس أبابا الحفاظ على توازن دقيق بين طموحاتها الإقليمية وبين التزاماتها الدولية بالسلام. إن اتهامات جبهة تيغراي بالتحشيد العسكري تضع مصداقية "جائزة نوبل للسلام" التي يحملها آبي أحمد على المحك مجدداً، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن تحالفات عسكرية متغيرة تشمل أطرافاً إقليمية مثل إريتريا وميليشيات "الفانو" في إقليم أمهرة المجاور.
يظل الوضع في تيغراي مرشحاً لكافة الاحتمالات رغم لغة التهدئة الرسمية، حيث تعكس التراشقات الإعلامية بين أديس أبابا و"ميكلي" أزمة ثقة عميقة لم تنجح سنوات السلام الثلاث في ردمها. وبينما ينشغل العالم بمتابعة استرداد الجيش السوداني لمدينة "بارا" أو تعيين قيادة جديدة لـ "مونوسكو" في الكونغو، تبدو إثيوبيا وكأنها تسير على حبل مشدود بين حوار متعثر وطموحات سياسية قد تعيد الإقليم إلى المربع الأول من الصراع، مما يجعل من الأيام القادمة اختباراً حقيقياً لمدى جدية دعوات "آبي أحمد" للسلام وقدرة جبهة تيغراي على الانخراط في عملية سياسية شاملة.