الخميس 12 مارس 2026
في تحقيق استقصائي حديث، كشفت وكالة رويترز عن معلومات خطيرة تشير إلى قيام إثيوبيا بإنشاء معسكر تدريب سري داخل أراضيها لتدريب مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع السودانية، في تطور يُعد من أخطر مؤشرات تدويل الحرب الدائرة في السودان منذ اندلاعها في أبريل/ نيسان 2023. التحقيق استند إلى مصادر استخباراتية ودبلوماسية متعددة، إضافة إلى صور أقمار صناعية، أظهرت نشاطًا عسكريًا غير معتاد في منطقة بنيشانقول-قومز غرب إثيوبيا، بالقرب من الحدود مع السودان وجنوب السودان.
وبحسب ما ورد، فإن المعسكر بدأ تشييده فعليًا في الربع الأخير من عام 2025، حيث جرى تطهير مساحات واسعة من الغابات، ثم نُصبت مئات الخيام والمنشآت المؤقتة والدائمة، مع وصول شاحنات عسكرية ومعدات ثقيلة، ما يشير إلى إعداد موقع قادر على استيعاب أعداد كبيرة من المقاتلين. المصادر تحدثت عن وجود آلاف العناصر داخل المعسكر، بعضهم من السودانيين المنتمين لقوات الدعم السريع، إلى جانب مقاتلين من جنسيات أخرى، من بينهم إثيوبيون وجنوبيون، جرى تجنيدهم أو استقطابهم للمشاركة في القتال داخل السودان.
التدريبات التي تُجرى داخل هذا المعسكر، وفقًا للمعلومات المتاحة، تشمل استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وتكتيكات القتال البري، إضافة إلى تدريبات متقدمة يُعتقد أنها تهدف لإعداد المقاتلين للانتشار في مناطق التماس الساخنة، خاصة في إقليم النيل الأزرق والمناطق الحدودية ذات الطبيعة المعقدة. وتشير التقديرات إلى أن هذه القوة قد تُستخدم لتعويض الخسائر البشرية الكبيرة التي مُنيت بها قوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية، ما يعني إطالة أمد الصراع وزيادة حدته.
التحقيق يلفت كذلك إلى أن هذا التطور يمثل أول مؤشر موثق على انخراط إثيوبيا بشكل مباشر في النزاع السوداني، بعد سنوات من إعلانها الالتزام بسياسة عدم التدخل. موقع المعسكر في إقليم بني شنقول-قومز، وهو إقليم حساس أمنيًا ويشهد توترات داخلية، يثير تساؤلات حول حسابات أديس أبابا الاستراتيجية، وما إذا كانت تسعى إلى استخدام الورقة السودانية في سياق صراعاتها الإقليمية أو ملفاتها الخلافية مع الخرطوم.
كما أشار التحقيق إلى وجود نشاط موازٍ في مطار أصوصا القريب من موقع المعسكر، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية توسعات جديدة في البنية التحتية للمطار، شملت مدارج ومنشآت يُعتقد أنها مرتبطة بعمليات لوجستية وعسكرية، وربما باستخدام الطائرات المسيّرة. هذا التطوير يعزز فرضية أن المنطقة تحولت إلى عقدة دعم متكاملة، لا تقتصر على التدريب البري فقط، بل تمتد إلى الإسناد الجوي والاستخباراتي.
وفي سياق متصل، تحدثت المصادر عن دور محتمل لأطراف إقليمية في تمويل ودعم هذا المعسكر، سواء عبر توفير الموارد المالية أو الدعم اللوجستي، في إطار شبكة علاقات معقدة باتت تحيط بالحرب السودانية. ورغم نفي بعض هذه الأطراف لأي تورط مباشر، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن الصراع لم يعد شأناً داخلياً سودانياً، بل أصبح ساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية.
أهمية هذا الكشف لا تكمن فقط في حجم المعسكر أو عدد المقاتلين، بل في دلالاته السياسية والأمنية. فهو يعكس انتقال الحرب في السودان إلى مرحلة جديدة أكثر خطورة، تتسم بتوسع رقعتها خارج الحدود، وبتحول دول الجوار من أطراف متأثرة إلى أطراف فاعلة. كما ينذر بتداعيات خطيرة على استقرار القرن الأفريقي، ويضع علاقات السودان مع محيطه الإقليمي أمام اختبارات قاسية، في وقت يعاني فيه البلد من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث.