الاثنين 9 مارس 2026
غني عن البيان أن الشباب الأفريقي يعاني من فائض في الوعي بانسداد الأفق. هذا الوعي ليس وليد الكسل ولا نتيجة فشل فردي، بل حصيلة تجربة يومية متراكمة تُعلّم الشاب، باكرا وبقسوة، أن المستقبل لا يُكافئ الجهد، ولا يحترم الاستحقاق، ولا يعترف بالزمن الطويل، وأن الأجر ليس قدر المشقة. ولهذا فإن ما نسميه اليوم "بأزمة الأمل" لا يمكن اختزاله في لغة نفسية أو تربوية، إذ إن جوهر الأزمة ليس في الذات، وإنما في البنية الثقافية للمجتمع.
من منظور أنثروبولوجي، يعد الأمل بنية اجتماعية كاملة، يقوم على شبكة من العلاقات: علاقة بين الجهد والمكافأة، بين التعليم والعمل، بين المواطن والمؤسسة، وبين الحاضر وزمن قادم يمكن تصديقه. حين تعمل هذه العلاقات بشكل متكامل، يصبح الأمل بديهيا، لا يُناقَش. وحين تنهار، يصبح فقدان الأمل استجابة عقلانية لواقع غير معقول.
يعيش الشباب في السياق الأفريقي، ما يمكن تسميته ب "انهيار أفق الانتظار"؛ فالطالب الذي يقضي سنوات في الجامعة، غالبا في ظروف مادية قاسية، يكتشف بعد التخرج أن الشهادة لا تفتح بابا بقدر ما تجعل المستقبل غامضا. ولك أن تبحث في نسب البطالة في أفريقيا وسترى، تتكرر القصة نفسها: خريجو جامعات يعملون في مهن هامشية، أو في الاقتصاد غير المهيكل، أو بلا عمل أصلًا.
يظهر الاختلال نفسه في علاقة الانتظار بالثمرة. يُطلب من الشباب "الصبر" بوصفه فضيلة، بيد أن هذا الصبر لا يقود إلى تحسن تدريجي، بل إلى إعادة إنتاج الوضع نفسه. في المغرب أو تونس أو الجزائر أو كينيا أو غانا، يُنصح الشباب بانتظار مباريات التوظيف، أو الفرصة المناسبة، أو الإصلاحات القادمة، بينما تمرّ السنوات دون تغير جوهري. ومع الزمن، يصبح الصبر عبئا نفسيا.
تتجلى نتائج هذا الاختلال بوضوح في خيار الهجرة. فالهجرة غير النظامية من ليبيا، أو عبر المحيط الأطلسي من سواحل غرب أفريقيا، ليست مجرد بحث عن دخل أعلى، وإنما هي تعبير عن قناعة عميقة بأن الزمن المحلي يكاد يكون متوقفا. فحين يختار شاب المخاطرة بحياته في قارب متهالك، فذلك بمثابة بيان/إعلان بأن المستقبل داخل مجتمعه لم يعد قابلا للتصديق.
في حالات أخرى، يأخذ "انهيار أفق الانتظار" شكل الانسحاب الصامت. شباب ينسحبون من السياسة - في الوقت الذي ينادي فيه الساسة إلى البحث عن أسباب عزوف الشباب عن السياسة - من النقاش العام، من أي استثمار جماعي، ويكتفون بتدبير يومي ضيق...
يلعب الإعلام دورا حاسما في تشكيل أفق التوقع، لكنه في السياق الأفريقي غالبا ما يعيد إنتاج انسداد الأمل. تقدم قصص النجاح إما نادرة أو خارقة، وكأنها استثناءات إعجازية لا مسارات اجتماعية قابلة للتكرار، في حين يُضخَّم حضور الفشل والعنف والفضائح بوصفها القاعدة
الأخطر من كل ذلك هو تطبيع هذا الوضع. حين يصبح انعدام الأمل حديثًا يوميًا عاديًا، وحين يُلام الشاب لأنه "سلبي" أو "غير صبور" بدل مساءلة البنية التي أنتجت هذا الشعور، نكون أمام أزمة أعمق من أزمة شباب. نكون أمام مجتمع فقد قدرته على إنتاج معنى للمستقبل، وعلى إقناع أجياله الجديدة بأن الغد ليس مجرد تكرار باهت لليوم.
في هذا المقال لا نسعى إلى تعداد الشكاوى، ولا إلى تبرير اليأس، بقدر ما نسعى إلى تفكيك شروطه. فالسؤال الحقيقي في نظرنا: ليس عن البحث عن أسباب فقدان الشباب الأفريقي الأمل، وإنما بشكل أو بشكل آخر: ما الذي جعل فقدان الأمل خيارا عقلانيا، بل أحيانا الخيار الوحيد؟
والإجابة، كما سنرى، لا تكمن في سبب واحد، بل في منظومة كاملة من العوامل البنيوية التي تتضافر لتُنتج هذا الانسداد الجماعي؛ ارتأينا ردها إلى عشرة أسباب:
تشهد بعض الدول الأفريقية معدلات نمو اقتصادي يُحتفى بها في التقارير الدولية، غير أن هذا النمو يبقى، في الواقع الاجتماعي، نموا أخرس. فهو لا يخلق وظائف مستقرة، ولا يوسع الطبقة الوسطى، ولا يحمي العمل من الهشاشة. تُنتَج الثروة في قطاعات معزولة - الخدمات الريعية، أو الاقتصاد الرقمي المحدود - بينما تُترك الأغلبية في اقتصاد غير مهيكل، بلا أمان ولا مسار مهني.
لطالما كان التعليم في المخيال الجمعي الأفريقي بوابة الخلاص الفردي، ورهان العائلات على المستقبل. غير أن هذا الرهان بدأ ينهار حين انفصلت الشهادة عن العمل، والمعرفة عن الاعتراف الاجتماعي. يتخرج آلاف الشباب كل عام ليكتشفوا أن السوق لا ينتظرهم، وأن الدولة لم تعد قادرة على تحويل التحصيل العلمي إلى إدماج مهني. والأخطر أن هذه القطيعة لا تُنتج بطالة فحسب، وإنما تُنتج إحساسا عميقا بانهيار الاستحقاق: أن الاجتهاد لا يؤدي إلى نتيجة، وأن النظام لم يعد يعترف بالجدارة، بل يعاقبها بالصمت.
إن شباب المسمى بجيل "زد" لا يفهمون حقيقة تاريخ الدولة، بوصفها عقدا اجتماعيا، وإنما بوصفها خبرة يومية متكررة تختزل في الطابور والملف الناقص ونظرة رجل السلطة. في هذا الاحتكاك المستمر، يتعلم الشاب أن الدولة لا تيسر وفق طموحاته ووفق سرعته، إن بيروقراطيتها تفاوضه على حقوقه. هكذا تُنتج الدولة، دون قصد معلن، مواطنا حذرا غير واثق من نفسه.
لطالما كان التعليم في المخيال الجمعي الأفريقي بوابة الخلاص الفردي، ورهان العائلات على المستقبل. غير أن هذا الرهان بدأ ينهار حين انفصلت الشهادة عن العمل، والمعرفة عن الاعتراف الاجتماعي. يتخرج آلاف الشباب كل عام ليكتشفوا أن السوق لا ينتظرهم
حين يلاحظ الشاب، في المدرسة أو الإدارة أو سوق العمل، أن الترقي يمر عبر القرابة والولاء، يتعلّم درسا عميقا دون أن يُدرَّس له: الاجتهاد لا جدوى منه. ومع الزمن، يصبح فقدان الأمل شكلا من أشكال التكيّف الذكي مع نظام يكافئ الأسوأ ويهمّش الأفضل، فيتحول الفساد من خلل طارئ إلى بنية تُنتج ذاتها اجتماعيًا.
يُستدعى الشباب إلى السياسة بوصفهم أرقامًا انتخابية أو طاقة احتجاجية مُتحكَّم فيها، لا بوصفهم فاعلين في صناعة القرار. ومع الوقت، يفقد الفعل السياسي معناه، ويتحوّل إما إلى عرض مسرحي تعاد فيه الأدوار نفسها، وهكذا لا يُنتج النظام مواطنين مشاركين، وإنما متفرجين حذرين.
لعل الهجرة غير النظامية لا تعبّر فقط عن البحث عن دخل أعلى، وإنما عن قناعة متراكمة بأن الزمن المحلي متوقف، وأن المستقبل داخل الوطن غير عملي بتاتا. ومن ثم تصبح الهجرة تصويتا صامتا ضد عقد اجتماعي لم يعد يفي بوعوده، وإعلانا عن فقدان الثقة في قدرة المجتمع والدولة على إنتاج غدٍ يستحق الانتظار.
تشهد بعض الدول الأفريقية معدلات نمو اقتصادي يُحتفى بها في التقارير الدولية، غير أن هذا النمو يبقى، في الواقع الاجتماعي، نموا أخرس. فهو لا يخلق وظائف مستقرة، ولا يوسع الطبقة الوسطى، ولا يحمي العمل من الهشاشة
المتابع للمواقع التي تكثر فيها النزاعات المسلحة يجد هشاشة أمنية، يفقد الزمن امتداده الطبيعي، ويتحول التخطيط الطويل إلى ترف لا معنى له. وفي هذا السياق، لا يختفي الأمل فجأة، بل يتآكل تدريجيا، لأن الغد لم يعد مجالا للاستثمار، وإنما مصدر قلق إضافي.
لطالما شكلت سرديات الصبر والتدرّج والتضحية العمود الفقري للأخلاق الاجتماعية في المجتمعات الأفريقية، والتي تعيد رسم تاريخ ما بعد الاستقلال؛ والتي غالبا ما تمجد الحركات الوطنية ودورها في طرد المستعمر. غير أن هذه السرديات تفقد قوتها حين ينقطع الرابط بين الصبر والنتيجة، وحين يتحول الانتظار إلى تكرار عقيم لا يُنتج تحولًا ملموسًا. وهكذا لا يفقد الشباب ثقتهم في الدولة وحدها، بل في الخطاب الأخلاقي الذي لم يعد قادرا على تفسير الواقع ولا على وعدهم بمستقبل مختلف.
يلعب الإعلام دورا حاسما في تشكيل أفق التوقع، لكنه في السياق الأفريقي غالبا ما يعيد إنتاج انسداد الأمل. تقدم قصص النجاح إما نادرة أو خارقة، وكأنها استثناءات إعجازية لا مسارات اجتماعية قابلة للتكرار، في حين يُضخَّم حضور الفشل والعنف والفضائح بوصفها القاعدة. هذا التوازن المختل لا ينقل الواقع فقط، بل يعيد تأطيره رمزيًا، فيتعلّم الشباب أن النجاح مسألة حظ فردي لا نتيجة مسار جماعي ممكن. ومع الزمن، يُفرَّغ العمل والاجتهاد من معناهما التراكمي، ويُستبدل الأمل بتوقع دائم للإخفاق.
الأزمة الأعمق التي يعيشها الشباب الأفريقي ليست اقتصادية أو سياسية فقط، بل خيالية بالمعنى الانتربولوجي للكلمة. لا يتعلق الأمر بغياب الخطط أو الاستراتيجيات، وإنما بغياب سردية جماعية تمنح معنى للتضحيات الفردية. تُنتَج السياسات العمومية في لغة تقنية باردة: مؤشرات وبرامج وأهداف، لكنها نادرا ما تُترجَم إلى حكاية مشتركة تُقنع الشباب بأن ما يتحمّلونه اليوم سيؤدي إلى غد مختلف. وهنا ينهار الإيمان بفكرة المستقبل نفسها بوصفه مشروعا جماعيا ممكنا.
وأخيرا؛ يمكن القول إن انعدام الأمل عند الشباب الأفريقي استجابة عقلانية لبنية اجتماعية وسياسية واقتصادية لا تكافئ الجهد، ولا تحمي المعنى، ولا تفي بوعودها الزمنية. وما لم يعد بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين الجهد والمعنى، وبين الحاضر والغد، سيظل انعدام الأمل خيارا مفهوما… وربما الخيار الوحيد المتاح.