الاثنين 9 مارس 2026
عند كل محاولة إسرائيلية تحقيق اختراق دبلوماسي هنا أو هناك في القارة الأفريقية، تصطدم بجدار قوي من الممانعة الشعبية يضع تلك المساعي في مهب الريح. فالقبول الرسمي ـ الاضطراري أحيانا ـ بتل أبيب في أكثر من عاصمة أفريقية بفعل نجاح دبلوماسية "الغرف المغلقة" في استمالة أنظمة تبحث عن متحدث باسمها في دوائر القرار في واشنطن أو مصالح ذاتية عبر بوابة دبلوماسية التنمية والأمن، يواجه بضمير شعبي متوقد يرفض مقايضة المبادئ التاريخية بالمصالح الآنية.
يتكرر هذا السيناريو هذه الأيام في السنغال مع تعاقب الوقائع التي تظهر معالم اختراق صهيوني ناعم لتعزيز حضور إسرائيل في عاصمة بحجم ومكانة داكار. فبعد حادثة دبلوماسية الأغنام في مايو/ آيار 2025، تجدد التحرك بتيسير زيارة إلى تل أبيب لوفد يضم رجال دين وإعلاميين من السنغال ودول أخرى بالمنطقة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعقبتها تحرشات إسرائيلية بالسنغال أبرزها تهنئة السفارة الإسرائيلية، في تغريدة على حسابها الرسمي في منصة إكس، المنتخب السنغالي بعد فوزه ببطولة كأس أفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب، مؤكدة أن ما جرى "مصدر فخر وطني، ومشاعر مشتركة، ولحظة توحد الأجيال وتتجاور الحدود".
تحركات أشعلت حركا مدنيا تجاه السلطة السياسية في السنغال بقيادة نخبة من المثقفين والفنانين، حيث أطلقوا، في 3 فبراير/ شباط الجاري، مبادرة أساسها رسالة إلى رئيس الجمهورية، باسيرو ديوماي فاي، تطالبه بقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل بشكل كامل بعد الإبادة الجماعية في غزة، فهذه الأعمال الإجرامية تتنافى مع المبادئ التحررية التي قامت عليها شرعية النظام الحاكم في داكار.
تعود بداية العلاقات الرسمية بين داكار وتل أبيب إلى عام 1960، وقام أول رئيس للسنغال ليوبولد سيدار سنغور بزيارة إسرائيل عام 1971، قبل أن يتم تجميد العلاقات بعد حرب 1973 تضامنا مع الدول العربية عقب حربها مع إسرائيل. عادت العلاقات تدريجيا منتصف حقبة التسعينيات في سياق موجة التطبيع العربي التي أعقبت اتفاقية أوسلو.
تجدد التوتر عام 2016 على خلفية تقديم السنغال مشروع القرار رقم 2334 الذي يدين الاستيطان إلى مجلس الأمن، حظي بتصويت 14 دولة وامتناع الولايات المتحدة، ما دفع إسرائيل إلى سحب سفيرها بول هيرشسون. سرعان ما تم تجاوز الأزمة بعد جولة رئيس الوزراء بنامين نتنياهو الأفريقية ومشاركته في قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا عام 2017.
المجتمع السنغالي، بقيادة النخب الثقافية والأئمة الدينيين، لم يعد يكتفي ببيانات الإدانة التقليدية، بل بات يطالب بأفعال ملموسة ردا على الجرائم في قطاع غزة
حاولت حكومة ماكي سال تجاوز الوفاق البارد، فقام وزير الخارجية سيدكي كابا بزيارة إلى تل أبيب عام 2018، وكانت أول زيارة رفيعة المستوى لمسؤول سنغالي منذ زيارة الرئيس سنغور. وخلفت انتقادات في الداخل والخارج على حد سواء، باعتبارها خرقا لإجماع منظمة التعاون الإسلامي، وسابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الفلسطينية السنغالية.
أعاد صعود الرئيس باسيرو ديوماي فاي إلى سدة الحكم في دكار ملف التطبيع مع إسرائيل إلى دائرة الضوء. ويأتي ذلك في ظل التوجه السياسي لحزب "باستيف" الذي يتبنى قطيعة جذرية مع إرث النظام القديم؛ وهي السياسة التي بدأت معالمها تظهر تجاه فرنسا، حيث تم التعامل مع ملف الوجود الفرنسي بحكمة وهدوء، مما يعكس ذكاءً سياسياً وقدرة على إدارة التوازنات من قبل القيادة الجديدة.
هكذا وجد فاي الذي يرفع شعار السيادة الوطنية والقيم الأخلاقية في السياسية الخارجية نفسه أمام ضغوط غير مسبوقة، فالمجتمع السنغالي، بقيادة النخب الثقافية والأئمة الدينيين، لم يعد يكتفي ببيانات الإدانة التقليدية، بل بات يطالب بأفعال ملموسة ردا على الجرائم في قطاع غزة.
عكس الرئيس باسيرو فاي تغيرا في نبرة حكومته حيال تل أبيب حين تحدث في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن الوضع في غزة الذي وصف الوضع المأساوي ب "الجحيم"، وانتقد النفاق العالمي بالحديث عن ازدواجية المعايير الدولية عند التعاطي مع القضية الفلسطينية. عكس سلفه ماكي سال الذي دشنت حكومته أولى الخطوات نحو مزيد من التطبيع، أحجم فاي عن فتح سفارة في تل أبيب – رغم وجود السفارة الإسرائيلية في داكار ـ ما يمثل رسالة سياسية تقطع الطريق أمام أوهام التطبيع الكامل.
في هذا السياق جاء البيان الموقع من 120 شخصية سنغالية بارزة، من مشارب فكرية وثقافية وفنية متنوعة، تطالب الرئيس بالتحرك فيما ما وصفه البيان بالمقاومة الدبلوماسية الأفريقية ضد الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في فلسطين. يتزامن حراك المثقفين السنغاليين مع إعادة انتخاب السنغال بالإجماع في نيويورك، لرئاسة لجنة ممارسة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني (CEIRPP)، ما يؤكد دورها في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
يغمرنا الألم والغضب واليأس إزاء الفظائع المستمرة في غزة؛ حيث دمرت إسرائيل كل مقومات الحياة. لأكثر من عامين، ظلت صور المدنيين وقصصهم وصراخهم، من أطفال وأمهات وكبار سن، تطاردنا يوميا
شكل موضوع العلاقات مع إسرائيل موضوع مداخلة في الجمعية الوطنية (البرلمان) للنائب غي ماري سانيا عن الحزب الحاكم في البلاد، دعا فيها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين السنغال وإسرائيل، معربا عن اختلافه مع الخط الرسمي للحكومة بقوله: "أعلم موقف الحكومة، لكنني لا أوافق عليه".
تاريخيا، كان السنغال دوما إلى في صف الشعب الفلسطيني في الدفاع عن قضيته العادلة، بل إن التاريخ يسجل أنها كانت أول بلد أفريقي يعطي الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات جواز سفر دبلوماسي، منتصف سبعينيات القرن الماضي، لتسهيل تحركاتهم ودعم نضالهم ضد محاولة الاغتيال الإسرائيلية. كما اعترفت مبكرا بالسلطة الفلسطينية وفتح مكتبا لها في داكار عام 1989، والذي تحول لاحق إلى سفارة دولة فلسطين هناك.
شهدت السنغال خلال العدوان الهمجي على قطاع غزة منذ أزيد من عامين، مسيرات احتجاجية ضد إسرائيل، من تنظيم التحالف الوطني لدعم القضية الفلسطينية، كانت الأضخم في منطقة غرب أفريقي، تزعمها بعضها رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو، لأول مرة في التاريخ السياسي السنغالي، للتظاهر ضد وحشية الآلة العسكرية الإسرائيلية.
عودا إلى نص بيان النخبة السنغالية، كما نشره موقع "seneplus"، نجده يمثل تحولا جوهريا في طبيعية الحراك المدني، حيث تجاوز مضمونه صيغ التضامن البروتوكولية نحو بناء مرافعة أخلاقية وقانونية، تضع الرئيس أمام مسؤولية تاريخية حيال مستقبل العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل. فما جرى في غزة، بحسب الموقعين، يتنافى مع المبادئ التحررية التي أرسى عليها النظام الحالي شرعيه، ما يجعل فكر الارتباط اختبار حقيقيا لهذا الأخير.
في أوقات الأزمات، تتجلى عظمة الأمم. وأفريقيا التي عانت من العبودية والاستعمار والفصل العنصري، يجب أن ترفض الظلم والقمع
تستند الرسالة الموجهة إلى القيادة السنغالية إلى أرضية أخلاقية صلبة، حيث تتقاطع مشاعر التضامن الإنساني مع الذاكرة التاريخية للقارة الأفريقية، وظهر ذلك بوضوح في متن البيان "يغمرنا الألم والغضب واليأس إزاء الفظائع المستمرة في غزة؛ حيث دمرت إسرائيل كل مقومات الحياة. لأكثر من عامين، ظلت صور المدنيين وقصصهم وصراخهم، من أطفال وأمهات وكبار سن، تطاردنا يوميا". ثم أضاف فيما يشبه الربط بين المأساة الفلسطينية وبين الذاكرة الأفريقية "في أوقات الأزمات، تتجلى عظمة الأمم. وأفريقيا التي عانت من العبودية والاستعمار والفصل العنصري، يجب أن ترفض الظلم والقمع".
هكذا، سعى الحراك إلى تقليص الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني من خلال مطالبة الرئيس بترجمة خطاب التضامن مع الشعب الفلسطيني إلى إجراءات سيادية، ف"الصمت والتقاعس والتردد لم يعد مقبولا"، مؤكدين على أن السنغاليين يتطلعون إلى إجراءات ملموسة تتعدى حدود التنديد والشجب، مثل: قطع العلاقات الدبلوماسية، وطرد السفير من دكار، وفسخ العقود الاقتصادية مع الشركات الإسرائيلية، وصولا إلى فرض حصار لوجستي يمنع استخدام الموانئ والمياه الإقليمية لنقل المعدات العسكرية إلى إسرائيل.
تعبر هذه الخطوة المدنية عن "دبلوماسية المجتمع" التي تسعى لتقويض استراتيجية "القوة الناعمة" الإسرائيلية في غرب أفريقيا؛ حيث تحاول تل أبيب اختراق الحاضنة الشعبية السنغالية عبر بوابة العمل الخيري والمؤسساتي (أضاحي العيد والحوار الديني...) لغرض شرعنة وجودها وتجاوز الحاجز السياسي الرسمي. لكن هذا التحرك المدني السنغالي لا يهدف فقط إلى تحصين الجبهة الداخلية من التغلغل الثقافي، بل يمثل أداة ضغط استراتيجية لإعادة توجيه البوصلة الرسمية للدولة نحو تبني مواقف أكثر راديكالية في نصرة القضية الفلسطينية، متجاوزةً لغة التوازنات الدبلوماسية التقليدية.
يضع حراك النخبة السنغالية حكومة باستيف أمام اختبار حقيقي، فالرئيس فاي في مأزق حقيقي: إما التضحية بالمكاسب التنقية والزراعية والأمنية إرضاء لقاعدته الشعبية وتماشيا مع مبادئ حزبه أو الاستمرار في سياسية "التوازن الحذر" بالحفاظ على العلاقات مع إسرائيل ما يقوض مصداقية خطابه ومشروع الحزبي القائم على استعادة السيادة المفقودة؟