الاثنين 9 مارس 2026
خيمت أجواء التنافس الإقليمي بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على أعمال قمة الاتحاد الأفريقي التي انعقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا من 12 إلى 15 فبراير/شباط الجاري، في ظل تصاعد الحضور الخليجي في ملفات الأمن والاقتصاد والاستثمار داخل القارة، وتزايد الرهانات على أدوار الوساطة والنفوذ في بؤر الأزمات الممتدة من السودان إلى القرن الأفريقي والساحل.
وبينما تركزت الأجندة الرسمية للقمة على قضايا السلم والأمن والتنمية وتنفيذ "أجندة 2063"، برزت في الكواليس حسابات النفوذ الخليجي بوصفها أحد العوامل المؤثرة في مسارات النقاش والتحالفات داخل أروقة المنظمة القارية. فكل من الرياض وأبوظبي كثفت خلال الأعوام الأخيرة حضورهما في أفريقيا عبر أدوات متعددة تشمل الاستثمارات الكبرى، والودائع المالية والمساعدات الإنسانية واتفاقيات الموانئ والطاقة، فضلا عن الانخراط في وساطات سياسية وأمنية.
في الملف السوداني تحديدا، بدأ التباين في المقاربات واضحا، إذ دعمت السعودية مسارات تفاوضية متعددة. استضافت جولات حوار بين أطراف النزاع، في حين نسجت الإمارات علاقات وثيقة مع فاعلين سياسيين وعسكريين مؤثرين داخل المشهد السوداني، ما جعل بعض الدوائر الأفريقية تنظر إلى التنافس الخليجي بوصفه عاملا إضافيا في تعقيد الأزمة. ومع احتلال السودان موقعا متقدما على جدول أعمال القمة، انعكس هذا التباين على طبيعة الاصطفافات داخل مجلس السلم والأمن واللجان المعنية.
اقتصاديا، يتجلى التنافس في سباق الاستثمار في الموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وفي مشاريع الزراعة والأمن الغذائي والطاقة المتجددة. تراهن الرياض على شراكات طويلة الأمد ترتبط برؤيتها لتنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن الغذائي، بينما تميل أبوظبي إلى نموذج يقوم على إدارة وتشغيل الموانئ وبناء شبكات لوجستية عابرة للحدود، ما يمنحها نفوذا مباشرا في سلاسل الإمداد الإقليمية. هذا التباين في الأدوات لا يلغي تقاطع المصالح، لكنه يعكس اختلافا في أساليب التمركز وبناء التحالفات.
كما أن الحضور الخليجي المكثف في القرن الأفريقي، سواء عبر القواعد العسكرية أو اتفاقيات التعاون الأمني أو الاستثمارات في البنية التحتية، جعل من القمة ساحة غير مباشرة لقياس موازين القوى. فالدول الأفريقية، التي تسعى إلى تنويع شركائها الدوليين، تجد في هذا التنافس فرصة للحصول على تمويل وشراكات بشروط تفاوضية أفضل، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحدي تجنب الانزلاق إلى محاور متقابلة قد تعمق الاستقطاب داخل الاتحاد.
يشير مراقبون إلى أن القمة كشفت عن معادلة دقيقة: أفريقيا لم تعد مجرد ساحة نفوذ، بل أصبحت شريكا يملك هامشا متزايدا من المناورة، مستفيدا من تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين. غير أن استمرار التنافس السعودي الإماراتي دون تنسيق كاف قد ينعكس على بعض ملفات السلم والأمن، خصوصا في الدول الهشة التي تتأثر بسرعة بالاستقطابات الخارجية.
في المحصلة، لم يكن التنافس بين الرياض وأبوظبي بندا معلنا على جدول أعمال القمة، لكنه ظل حاضرا في خلفية المشهد، مؤثرا في شبكات التحالفات والتمويل وأولويات الوساطة. وبينما تسعى العاصمتان الخليجيتان إلى تثبيت موطئ قدم طويل الأمد في أفريقيا، يبقى الرهان الأفريقي منصبا على تحويل هذا التنافس إلى رافعة تنموية، لا إلى عامل استقطاب يعيد إنتاج أزمات القارة في ثوب جديد.