السبت 14 مارس 2026
اليوم، تقف كاتدرائية مقديشو التي شيدها الإيطاليون في الماضي كأثر خافتٍ في مشهد الخراب. لا تزال أقواسها القوطية ونقوشها الرومانية تحتفظ بشيء من ملامحها الأوروبية الجنوبية، لكن الحرب خلّفت عليها ندوباً عميقة لا تُخفى. اختفت قبّاتها العالية، وتشققت جدرانها، أما أرضها فباتت مغطاة بالحطام والأنقاض.
تُظهر إحدى الصور جندياً مسلحاً يقف في الأمام، مجهول الملامح، أشبه بكاهن ساخر لعصر جديد لا يبشّر بالسلام ولا بالمغفرة، بل بالهيمنة والقوة. وخلفه، تجمع عدد من الأطفال يرتدون قمصاناً زاهية الألوان، بدوا وكأنهم على هامش المشهد، لا يتناغمون مع الخلفية الرمادية الحجرية، كما لو أنهم يمرّون مرور العابرين، غير مدركين تماماً أنهم يلعبون داخل متحفٍ مفتوح لحرب مدمرة ما زالت أطلالها قائمة.
كاتدرائية مقديشو ليست سوى واحدة من قائمة طويلة من المعالم التي التهمتها الحرب الأهلية بلا تمييز، فمحَت ملامح المدينة ومعمارها. ومع ذلك، فإن موقع هذه الكاتدرائية في أفق مقديشو كان دوماً مثار جدل، نظراً لارتباطها الوثيق بماضي الصومال الاستعماري.
عادت الكاتدرائية إلى واجهة الجدل مجدداً حين أُعيد تداول تغريدة قديمة للناشطة الحقوقية والنسوية سَغَل عبّاس، دعت فيها إلى الحفاظ على الكاتدرائية لما تحمله من قيمة تاريخية. لكن الردود كانت حادة؛ إذ طالب كثيرون بهدمها فوراً. وفي السياق نفسه، أطلق المعماري الصومالي الإيطالي عمر ديغان استطلاعاً عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، سأل فيه إن كان ينبغي الحفاظ على المباني الاستعمارية – مثل منارة مقديشو والكاتدرائية – وإعادة توظيفها كمتاحف أو قاعات عرض. صوّت 72٪ من أصل 112 مشاركاً لصالح الفكرة، إلا أن ديغان واجه لاحقاً انتقادات حادة لمجرد نشره صوراً للكاتدرائية.
كم من المباني التاريخية الأخرى يجب أن تتحول إلى لقطات صحفية عابرة أو حواشٍ في كتب منسية، قبل أن نعترف بأن شيئاً جوهرياً قد اندثر وليس فقط من الحجارة، بل من روح المدينة؟
مدفوعاً بالفضول من حدة هذه المواقف، نقلتُ النقاش إلى منتدى "Reddit" الخاص بالصومال، الذي يضم أكثر من 40 ألف مشترك. جاءت الردود مشابهة: قلة قليلة فقط أيدت الحفاظ على المبنى لدوافع تاريخية، في حين رفضت الغالبية الفكرة، معتبرة أن الكاتدرائية تمثل رمزاً مباشراً للاحتلال الإيطالي وفرض ديانة أجنبية على مجتمع مسلم. بل إن بعضهم اعتبر مجرد وجود المبنى إهانة، وانتهى النقاش تقريباً بإجماع ضمني على ضرورة هدمه.
تكشف حدة هذه المواقف عن إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تعامل الصوماليين مع إرثهم الاستعماري. بالنسبة لكثيرين، الكاتدرائية ليست سوى تمثيل مباشر لحكم أجنبي ودين مفروض، لذا فإن الحفاظ عليها يُنظر إليه كنوع من التواطؤ أو حتى التمجيد لحقبة مؤلمة من الإذلال والاستعباد. أما لغتها الرمزية، فتُظهر الكاتدرائية كاقتحام غريب في السردية الوطنية؛ هيكلها المتهالك شاهدٌ على زمن الإخضاع والهوان.
ومع ذلك، فإن تدنيسها أثناء الحرب الأهلية يُعد أيضاً اعتداءً على ذاكرتنا الجمعية، وعلى إرث معماري متعدد الطبقات كانت تحمله المدينة. كم من المباني التاريخية الأخرى يجب أن تتحول إلى لقطات صحفية عابرة أو حواشٍ في كتب منسية، قبل أن نعترف بأن شيئاً جوهرياً قد اندثر وليس فقط من الحجارة، بل من روح المدينة؟ إن خراب الكاتدرائية ليس مجرد فقدان مادي، بل مأساة تتعلق بالمعنى والهوية.
شُيّدت كاتدرائية مقديشو عام 1928 على يد الإدارة الاستعمارية الإيطالية التي كانت تحكم الصومال آنذاك. ووفقًا لموقع "Aleteia" الكاثوليكي المعني بالأخبار الدينية وأسلوب الحياة، فقد كانت هذه الكاتدرائية، عند افتتاحها، أكبر كنيسة مسيحية في أفريقيا. كما أنها كانت أطول مبنى في العاصمة مقديشو بارتفاع بلغ 37 متراً، وقد صُممت على غرار كاتدرائية تشيفالو (Cefalù) في جزيرة صقلية، من قبل المهندس المعماري الإيطالي أنطونيو فاندوني دي كورتميليا.
أنشئت الكاتدرائية في الأساس لتلبية الاحتياجات الروحية للضباط الإيطاليين وعائلاتهم، كما مثّلت حضوراً ماديا ورمزيًاً للكنيسة الكاثوليكية ونفوذها. ورغم أن قلة من الصوماليين اعتنقوا المسيحية وانضموا إلى الرعية، فإن الغالبية العظمى كانت ترى فيها رمزاً لهيمنة ثقافية ودينية غريبة عن بيئتهم الإسلامية العميقة.
كاتدرائية في بلد مسلم، وبقايا استعمارية في زمن ما بعد الاستعمار. يراها البعض إهانة، ويرى فيها آخرون ذاكرة يجب صونها
في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وخلال فترة الوصاية الإيطالية، شهدت الكنيسة توسعاً في بنيتها ونشاطها الإداري تماشياً مع تنامي الوجود الاستعماري والإرساليات التبشيرية. وبعد نيل الصومال استقلاله عام 1960، ولاحقاً في عهد النظام العسكري الذي استلم السلطة عام 1969، استمرت الكنيسة الكاثوليكية في العمل بحرية نسبية. فقد تبنت الحكومة الجديدة نهجاً علمانياً سمح للطوائف الدينية الصغيرة بالعمل دون قيود كبيرة. وخلال تلك المرحلة، عاش المجتمع الكاثوليكي في مقديشو، رغم صغره، في كنف الدولة، وتمتع بحرية العبادة. بل إن الكنيسة رُقيت إلى رتبة أبرشية عام 1975، ما جعلها مقاطعة رسمية ضمن تنظيم الكنيسة الكاثوليكية، تحت إشراف أسقف مسؤول عن شؤونها الروحية والإدارية. وفي العام التالي، تم تنصيب سلفاتوري كولومبو كأول أسقف للكاتدرائية.
لكن ذلك الإحساس بالأمان بدأ يتآكل مع أواخر السبعينيات. ومع تصاعد التوترات السياسية وتنامي المعارضة للنظام العسكري، بدأت قبضة الحكومة على الأمن تتراخى، وانتشر الغضب المناهض للنظام بسرعة، مما جعل الأوضاع العامة أكثر اضطراباً. ومع تراجع سلطة الدولة، لم تعد الحماية العلمانية التي كانت تضمن سلامة مؤسسات مثل الكنيسة الكاثوليكية كافية. وفي ظل هذا المناخ العدائي المتزايد، أصبحت الكنيسة وجماعتها وقادتها أكثر عرضة للتهديدات. على سبيل المثال، تعرّض جان غوري، وهو دبلوماسي فرنسي كان يعمل في مقديشو، للاختطاف من قِبل عناصر من "جبهة تحرير جيبوتي"، وذلك عقب خروجه من قداس كنسي. احتُجز في أحد مقارهم داخل المدينة لمدة خمسة أيام قبل أن يُطلق سراحه. وكانت جيبوتي حينها لا تزال مستعمرة فرنسية. وقد نُفذت عملية الاختطاف في وضح النهار، حيث أطلق الخاطفون أعيرة نارية في الهواء وهم يفرّون بسيارة تويوتا. ووثّقت وكالة رويترز لقطات عودته إلى باريس بعد إطلاق سراحه.
ثم جاء عام 1989، حين اغتيل الأسقف سلفاتوري كولومبو، آخر أساقفة كاتدرائية مقديشو، مع بداية انهيار الأمن في المدينة. تبع اغتياله أيام من الاضطرابات في العاصمة، قُتل خلالها نحو 400 شخص برصاص القوات الحكومية، بحسب منظمات حقوقية. كان كولومبو يؤدي قداس الأحد كعادته، حين دخل رجل لا للصلاة، بل للقتل. رفع سلاحه، وأطلق النار عليه أمام الحاضرين، ثم اختفى. وجّه النظام الاتهام مباشرة إلى من وصفهم بـ"المتطرفين الإسلاميين".
قلة قليلة فقط أيدت الحفاظ على المبنى لدوافع تاريخية، في حين رفضت الغالبية الفكرة، معتبرة أن الكاتدرائية تمثل رمزاً مباشراً للاحتلال الإيطالي وفرض ديانة أجنبية على مجتمع مسلم
لم تكن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1991 مجرد كارثة إنسانية مزّقت الأرواح والمصائر، بل كانت انفجاراً اجتاح الزمن ذاته. لم ينجُ منها شيء. طبقات الإرث المعماري التي بُنيت على مدى قرون بتأنٍ وصبر، مُسحت كأنها لم تكن.
وسط الركام، لا تزال الكاتدرائية مُنتصبة، وإن بالكاد. لكن وجودها اليوم ليس مجرد بقاء حجري، بل صمود مشحون بالجدل. ففرادة هذا المبنى لا تكمن فقط في طرازه المعماري، بل في السياسة المتجذرة في وجودها: كاتدرائية في بلد مسلم، وبقايا استعمارية في زمن ما بعد الاستعمار. يراها البعض إهانة، ويرى فيها آخرون ذاكرة يجب صونها. لقد تحولت إلى اختبار ثقافي يكشف انقسامات الهوية الصومالية المعاصرة.
في غمرة الضجيج، نخاطر بأن نترك هذا المعلم ينزلق بهدوء، وربما نهائياً، إلى رماد التاريخ. لا لأنه سقط، بل لأننا اخترنا ألا نمدّ له يداً تُبقيه واقفاً.