تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

كأس أفريقيا: عندما تتحول "القوة الناعمة" إلى سلاح للكراهية

31 يناير, 2026
الصورة
اللباس في أفريقيا: كيف استعاد الأفارقة أجسادهم من "مقص" المستعمر؟
Share

تُعد الرياضة القوة الناعمة الأكثر تأثيرا في صهر الفوارق بين المجتمعات، فهي اللغة العالمية التي يفهمها الجميع دون الحاجة إلى مترجم. حين تصدح صافرة الحكم، تسقط الحواجز السياسية والحدود الجغرافية، لتفسح المجال أمام "الهوية الإنسانية" لتصدر المشهد؛ حيث يتشارك الغرباء المشاعر ذاتها من حماس وانتماء. إنها ليست مجرد منافسة على لقب، بل جسرا حضاريا يُعلِم الشعوب أن خصمك في الملعب هو شريكك في بناء متعة اللعبة، وأن الروح الرياضية هي القيمة الأسمى التي تتجاوز الربح والخسارة، محولة الملاعب إلى منصات للسلام والتعايش السلمي بين الثقافات المختلفة.

تطلع الجميع إلى بطولة كأس الأمم الأفريقية في المغرب لتكون احتفالية تجسد شعار "العمق الأفريقي" للمملكة، لكن هذه الطموحات والأماني اصطدمت بواقع مغاير. فما أن هدأت هتافات الجماهير في الملاعب بعد صافرة الحكم معلنا نهاية البطولة، حتى طفت إلى السطح ظاهرة مقلقة سرعان ما غزت منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصاعدت موجه من خطاب التحريض والعنصرية، استهدفت المهاجرين والطلبة من دول جنوب الصحراء، ما عكر صفو هذا العرس القاري.

لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد رياضة تجمع الناس أو "أفيونا للشعوب" ينسيهم همومهم، إذ لعبت دور المكبر لتكريس شرخ اجتماعي صامت، وتحولت بالتدريج إلى مرآة تعكس واقع الانقسام الاجتماعي. تجاوزت المواجهات الكروية، وبفعل تأثير الفضاء الرقمي، حدود المستطيل الأخضر لتصبح ساحة تستغلها بعض الفئات لتفريغ شحنات من العداء والكراهية المخفية.

كرة القدم تسقط في فخ الشعبوية

يبدو أن مقولة الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا "الرياضة لديها القوة لتغيير العالم.. لديها القوة للتوحيد بطريقة لا تفعلها إلا أشياء قليلة أخرى"، تتجه في السنوات الأخيرة إلى تأكيد نقيضها تماما، وما الأحداث التي أعقبت نهائي الكان في المغرب سوى دليلا على ذلك، حيث تحولت لعبة كرة القدم من جسر للوحدة إلى مرآة للانقسام داخل المغرب.

لكن مكمن خطورة هذا الخطاب تكمن في كونه يصدر عن فئات يُفترض بها قيادة الرأي العام، لا الانجرار خلف أوهام لا تصمد أمام المنطق أو الواقع

لم تكن خسارة المنتخب المغربي لنهائي البطولة في الرباط أمام نظيره السنغالي مجرد هزيمة كروية، بل كانت شرارة لواقع اجتماعي مأزوم؛ إذ رصدت تقارير تصاعداً لافتاً لخطاب الكراهية والتحريض ضد الجالية الأفريقية بالمغرب. وبصورة مفاجئة، تحولت ملامح "الأخ الصديق" التي كانت بالأمس رمزاً للوحدة والاندماج، إلى هدف لرسائل الرفض والعداء، مما يضع المغرب أمام اختبار حقيقي.

شهد الفضاء العام في المملكة، بشقيه الرقمي والواقعي، تحولا مثيرا بعد اسدال الستار على المنافسة القارية، فقد ظهرت موجة عارمة لسلوكيات عنصرية وخطاب كراهية موجه ضد الأفارقة من دول أفريقيا جنوب الصحراء، انقلبت أحيانا اعتداءات لفظية وحتى مشاحنات فردية هنا وهناك، نتيجة ربط قسري للفشل الرياضي بالوجود الأفريقي في البلاد.

تجاوزت السجالات الأخيرة حدود التنافس الرياضي المعهود، لتنزلق نحو خطاب هوياتي إقصائي يُحمل المهاجر الأفريقي مسؤولية الأزمات والتحديات التي يواجهها المغرب. هذا الخطاب لا يعدو استنساخاً فجاً لسرديات اليمين المتطرف في أوروبا، وكأن المملكة كانت "سويسرا القارة" قبل تدفق موجات الهجرة، في محاولة لتزييف الواقع التاريخي والجغرافي للمنطقة.

لكن الحاجة لا تزال ماسة لتدخل أكبر، هذه المرة، لمعالجة قصور الوعي الجماعي عن موقع الذات على الخريطة، فأكثرية المغاربة ينظرون إلى الأفارقة أجانبا وأغيارا وليس امتدادا جغرافيا للذات

إن ما يثير القلق أن نرى وجوها إعلامية وباحثين أكاديميين ينخرطون في جوقة التحريض ضد الوجود الأفريقي، متدثرين بعباءة قومية مغربية مشوهة. هذا السقوط الجماعي في مستنقع الفكر الإقصائي يعتمد على "معلبات فكرية" جاهزة وبائسة، تدعي وجود تهديد ديمغرافي ممنهج أو مؤامرات تحاك ضد المملكة لإفشال منجزاتها. لكن مكمن خطورة هذا الخطاب تكمن في كونه يصدر عن فئات يُفترض بها قيادة الرأي العام، لا الانجرار خلف أوهام لا تصمد أمام المنطق أو الواقع.

لاحقا انبرت أسماء، تسوق نفسها محايدة، ترمى التخفيف من حدة الاحتقان الرقمي ضد الأفارقة، مفسرة طوفان الإقصاء في العوالم الرقمية بأنه صنيعة خارجية، فهذا التأجيج خلفه أيادي خفية تسعى لضرب "النموذج المغربي" في التعاون والاندماج جنوب – جنوب.

الرباط تسارع الزمن لتحصين المكاسب

حتى بفرض صحة تلك المسوغات، يظل من المؤكد أن جذور العنصرية والكراهية لا تزال متأصلة في زوايا الوعي الجمعي. ويتجلى ذلك بوضوح من خلال حملات مُمنهجة عبر منصات التواصل الاجتماعي (مقاطع فيديو، وسوم...)، حيث يتم استغلال أي احتكاك بسيط مع المهاجرين كذريعة لإضفاء طابع من "الشرعية" على المطالبات الصريحة بترحيلهم.

لقد أحرج قادة هذه الحملة ـ ومن بينهم محسوبون على دوائر القرارـ الدولة المغربية، بتبنيهم لمواقف ضربت عرض الحائط بجهود الدبلوماسية الناعمة والقوية تجاه العمق الأفريقي. فقد كشف هذا السلوك عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وبين واقع مجتمعي لم ترافقه سياسات اندماج ثقافي حقيقية؛ حيث لا يزال الوعي الجمعي أسيراً لمنطق "نحن" و"هم"، مما يضع التساؤل حول مدى تجذر الهوية الأفريقية لدى المواطن المغربي في محل اختبار جدي.

تجاوزت السجالات الأخيرة حدود التنافس الرياضي المعهود، لتنزلق نحو خطاب هوياتي إقصائي يُحمل المهاجر الأفريقي مسؤولية الأزمات والتحديات التي يواجهها المغرب

في قلب النسيج المجتمعي المغربي، يبرز حضور 160 ألف مواطن من أفريقيا جنوب الصحراء دليلا على سياسة الاندماج، حيث يتربع السنغاليون 18٫4٪ على عرش هذا المهاجرين الأفارقة في المملكة. هذا التداخل الذي تغذيه علاقات سياسة وشراكة اقتصادية وتعاون أمني وأواصر تاريخية ودينية - تتصدرها الزاوية التيجانية - جعل من التعاون بين الرباط ودكار نموذجا فريدا، حيث تسارع السلطات في كِلا البلدين إلى تذليل أي عقبات قد تمس السلم الاجتماعي أو تعكر صفو التقارب بين الشعبين.

في خطوة تعكس نضج الدبلوماسية المغربية، تحرك الديوان الملكي لتطويق تداعيات نهائي البطولة الإفريقية، مانعاً انزلاق الموقف نحو أزمة دبلوماسية مع السنغال. وبنبرة اتسمت بالوضوح، قطع البلاغ الطريق أمام محاولات التسييس، مؤكداً أن الروابط التاريخية التي نسجتها الشعوب عبر القرون أقوى من أن ينال منها انفعال لحظي. الرسالة كانت حازمة: "النجاح مغربي والانتصار أفريقي"، والهدف هو حماية وحدة الصف الأفريقي من أي ضغينة عابرة.

وضع عثمان سونكو بإعلانه أن الصداقة بين المغرب والسنغال "أقوى من المشاعر العابرة"، حداً للتكهنات الإعلامية خلال زيارته قبل أيام إلى العاصمة المغربية الرباط. فقد اعتبر أن اللقاء يمثل رحلة "تأسيس وتأكيد" لعلاقة ناضجة بين دولتين، تسعيان لتعزيز التعاون المشترك، واستشراف آفاق اقتصادية وسياسية جديدة بعيداً عن ضجيج منصات التواصل.

شهدت العلاقات بين الرباط وداكار استنفارا دبلوماسيا رفيعا لتطويق تداعيات مباراة كروية كادت أن تتحول إلى أزمة كبرى، خاصة مع التراشق الذي شهدته منصات التواصل الاجتماعي من قبل فئات تغفل عن الجذور التاريخية المتينة للعلاقة بين البلدين. لكن الحاجة لا تزال ماسة لتدخل أكبر، هذه المرة، لمعالجة قصور الوعي الجماعي عن موقع الذات على الخريطة، فأكثرية المغاربة ينظرون إلى الأفارقة أجانبا وأغيارا وليس امتدادا جغرافيا للذات، فالمغرب في نهاية المطاف بلد أفريقي.