كشف تقرير مطول أصدرته هيومن رايتس ووتش تحت عنوان «كان الموت في كل مكان: الاعتقال التعسفي والقتل والتجنيد القسري من قبل حركة إم 23 وقوات الدفاع الرواندية» عن سلسلة واسعة من الانتهاكات الخطيرة التي شهدتها مناطق واسعة من شرق جمهورية الكونغو خلال الفترة التي أعقبت توسع سيطرة حركة إم23 على أجزاء من إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو. يستند التقرير إلى أكثر من 130 مقابلة مع محتجزين سابقين وأفراد من أسر الضحايا وشهود عيان ومسؤولين محليين ومصادر دبلوماسية، إضافة إلى تحليل صور الأقمار الصناعية ومقاطع فيديو ووثائق ميدانية، مقدما صورة قاتمة عن الأوضاع الإنسانية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة.
إن حركة إم23، مدعومة بعناصر من قوات الدفاع الرواندية، بحسب التقرير، نفذت عمليات اعتقال واسعة النطاق استهدفت آلاف الأشخاص، بينهم مدنيون وعسكريون سابقون وعناصر من الشرطة المحلية وشبان في سن الدراسة، إضافة إلى أطفال. وتؤكد المنظمة أن كثيراً من المعتقلين لم يكونوا منخرطين في أي نشاط عسكري، بل جرى توقيفهم خلال حملات دهم للأحياء السكنية أو عند نقاط التفتيش أو أثناء تنقلهم بين المدن والقرى.
يشير التقرير إلى أن الاعتقالات كانت تتم في كثير من الأحيان دون أوامر قضائية أو مبررات قانونية واضحة، حيث كان الأشخاص يُنقلون قسراً إلى معسكرات احتجاز وتدريب تقع في مناطق نائية. ومن بين أبرز هذه المواقع معسكري رومانغابو وتشانزو، اللذين تحولا، وفقاً لشهادات عديدة، إلى مراكز احتجاز مغلقة يخضع فيها المعتقلون لظروف قاسية ومهينة.
يصف شهود عيان ومحتجزون سابقون أوضاعاً إنسانية بالغة السوء داخل هذه المعسكرات. فقد تحدثوا عن الاكتظاظ الشديد داخل أماكن الاحتجاز، وندرة الغذاء والمياه الصالحة للشرب، وغياب الرعاية الصحية الأساسية، وانتشار الأمراض بين المحتجزين. وأفادت شهادات بأن المئات كانوا يُحشرون في مساحات ضيقة لا تسمح بالحركة أو النوم بشكل طبيعي، بينما كان المرضى والمصابون يُتركون دون علاج لفترات طويلة.
من أكثر الجوانب صدمة في التقرير ما يتعلق بحالات الوفاة المتكررة داخل المعسكرات. إذ أفاد العديد من الشهود بأن الموت كان حدثاً يومياً تقريباً نتيجة الجوع والأمراض والتعذيب وسوء المعاملة. وروى محتجزون سابقون أنهم شاهدوا زملاء لهم يفقدون حياتهم أمام أعينهم بسبب الضرب المبرح أو الحرمان من الطعام أو نتيجة إصابات لم تتلق أي علاج. كما تحدث بعضهم عن إجبار المعتقلين على نقل الجثث أو دفنها في مواقع قريبة من أماكن الاحتجاز.
من بين أكثر القضايا إثارة للقلق ما يتعلق بالأطفال. فقد وثقت المنظمة وجود أعداد من القاصرين داخل مراكز الاحتجاز والتدريب، وأشارت إلى أن بعضهم خضع لتدريبات عسكرية أو استُخدم في أعمال الحراسة والنقل والخدمات اللوجستية. وتؤكد المنظمة أن تجنيد الأطفال أو استخدامهم في النزاعات المسلحة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني وقد يرقى إلى جريمة حرب.
كما خلص التقرير إلى وجود دور مباشر لعناصر من قوات الدفاع الرواندية في إدارة بعض المعسكرات أو الإشراف على عمليات التدريب والاحتجاز. واستند هذا الاستنتاج إلى شهادات متطابقة من محتجزين سابقين وإلى مواد مصورة وأدلة ميدانية أخرى قامت المنظمة بتحليلها. ووفقاً للتقرير، فإن العلاقة بين حركة إم23 والقوات الرواندية كانت واضحة في عدد من المواقع التي شملها التحقيق.
اعتمدت المنظمة في إعداد التقرير على شهادات أكثر من مئة محتجز سابق تمكنوا من الفرار أو أُطلق سراحهم لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع عائلات الضحايا وشهود ومسؤولين محليين ومصادر أممية. كما استخدمت صور الأقمار الصناعية لتحديد مواقع المعسكرات ومراقبة توسعها وحركة المركبات والأشخاص داخلها خلال فترات مختلفة.
في ختام التقرير، اعتبرت المنظمة أن الوقائع التي جرى توثيقها، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون والتجنيد القسري وتجنيد الأطفال، قد تشكل جرائم حرب، وقد ترقى بعض الانتهاكات إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها ارتُكبت بشكل واسع النطاق ومنهجي. ودعت المنظمة المجتمع الدولي والهيئات القضائية المختصة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي ما تزال تشهد واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والأمنية تعقيداً في القارة الأفريقية.