الثلاثاء 14 يوليو 2026
تحت قبة قصر الشعب في كوناكري، وفي صباح مثقل بعبق النضال والتاريخ، كان الصمت يئنُّ بوجعٍ كاد أن يفجِّر القلوب. وقف أميلكار كابرال ،بجسده النحيل وعزيمته التي لا تلين، أمام التابوت الذي احتوى رفات الدكتور كوامي نكروما، شاعرا بوطأة التاريخ تتكثف في تلك اللحظة التي لامست جوهر النضال الأفريقي من أجل الحرية والكرامة. في تلك القاعة، شعر المقاومون أن أنفاسهم محبوسة في صدورهم، وكأن التاريخ نفسه قد توقف ليلقي نظرة الوداع الأخيرة على واحد من أعظم رجالات القرن العشرين في أفريقيا. كانت العيون تفيض بدموع مكتومة، حزنا على قارة خانت أحلامها، وعلى زعيم أطاحت به أيدي الغدر قبل أن يرى ثمار مشروعه تينع في ربوع القارة.
أعلن كابرال بصوت يرتجف من قوة الحق، أن المناضلين من أجل الحرية لا يذرفون الدموع على موت إنسان، حتى وإن كان رجلا نموذجيا، ورفيق سلاح وثوريا بحجم نكروما. قال مخاطبا الحضور: "نحن، المناضلون من أجل الحرية، لا نذرف الدموع على موت رجل، ولا حتى على رجل كان رفيق سلاح نموذجيا" فالإنسان، في منظور التحرر الأفريقي، يتضاءل أمام "التطور اللامتناهي والمتسامي لتقدم البشرية"، أما الدموع الحقيقية، في نظر كابرال، فينبغي أن تُسكب على "خيانة أفريقيا". إذ رأى أن الغدر الذي تعرض له نكروما في غانا، ومن قبله باتريس لومومبا في الكونغو، كشف عن التناقضات العميقة داخل الواقع الأفريقي، وفي الوقت نفسه أبرز عظمة نكروما السياسية بصورة أوضح.
وفي ردٍّ على من طالبوا بـ"رد الاعتبار" لنكروما بعد رحيله، أكد كابرال أن التاريخ قد أنصفه بالفعل، وأن الذين يحتاجون إلى رد الاعتبار لأنفسهم هم أولئك الذين خانوا نكروما بخيانتهم لشعب غانا ولأفريقيا.
استعرض كابرال الأبعاد المتعددة لشخصية نكروما، مبرزا إياه بوصفه الملهم والاستراتيجي الذي قاد النضال ضد الاستعمار الكلاسيكي ببراعة، وابتكر مفهوم "العمل الإيجابي" بوصفه وسيلة فعالة لمواجهة الهيمنة البريطانية. كما قدمه كرائد للوحدة الأفريقية، ومناضلا لم يكلَّ أو يملَّ في سبيل توحيد القارة، ومفكرا ماديا استطاع أن يقدم قراءة نقدية لآليات السيطرة الاستعمارية الجديدة. من هنا أشار كابرال إلى كتاب نكروما الموسوم بـ "الاستعمار الجديد: المرحلة الأخيرة من الإمبريالية" باعتباره وثيقة فكرية قدمت تحليلا دقيقا لواقع أفريقيا تحت وطأة التبعية.
"نحن، المناضلون من أجل الحرية، لا نذرف الدموع على موت رجل، ولا حتى على رجل كان رفيق سلاح نموذجيا"
ورغم حملات التشويه التي استهدفت نكروما وصورت تجربته على أنها فشل اقتصادي، أكد كابرال أن المؤشرات كانت تدل على أن غانا كانت ستبلغ ذروة تطورها الاقتصادي بحلول عام 1970، لو استمر في الحكم، وهو ما كان سيبرهن على قدرة أفريقيا على تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي إلى جانب استقلالها السياسي.
كانت كلمات كابرال تشريحا سياسيا للواقع؛ إذ تساءل بمرارة عن الأسباب التي جعلت الخيانة تنجح في غانا رغم شجاعة نكروما وإنجازاته. واستشهد بمثل أفريقي بليغ يقول: "الأرز يُطبخ فقط داخل القدر". وأراد بذلك التأكيد على أن العوامل الداخلية، من صراع الطبقات، والتناقضات الاجتماعية، وأداء الحزب، ودور المؤسسة العسكرية، هي التي تحدد في النهاية مصير الثورات. هكذا صاغ قاعدة سياسية ظل يرددها: طالما أن الإمبريالية قائمة، فإن الدولة المستقلة في أفريقيا ينبغي أن تبقى حركة تحرير في السلطة، وإلا سقطت في فخ التبعية.
لا يمكن فهم خطاب كابرال التاريخي في رثاء نكروما بمعزل عن العلاقة الإنسانية والنضالية التي جمعت الرجلين؛ فقد تجاوزت تلك العلاقة مجرد تحالف سياسي بين زعيمين أفريقيين، لتصبح، كما وصفها كابرال، امتيازا نادرا وصداقة صهرتها نيران الثورة ومرارة المنفى.
"نحن المناضلين من أجل الحرية، فإن أجمل الزهور التي يمكننا أن نكرم بها ذكرى كوامي نكروما هي الرصاص، والقذائف، وكل المقذوفات الأخرى التي نطلقها ضد القوى الاستعمارية والعنصرية في أفريقيا"
تمنحنا المصادر الحديثة صورة أكثر عمقا عن مكانة نكروما في وجدان كابرال؛ فقد كان بالنسبة إليه رفيق تحرير ومصدر إلهام دائم في معركته ضد الاستعمار البرتغالي. وبعد الإطاحة بنكروما وانتقاله إلى كوناكري، لم يتركه كابرال وحيدا. إذ كانت زياراته إلى منزله تتكرر باستمرار، ولا سيما في اللحظات التي يقل فيها الزوار، وينصرف الناس عن الزعيم المخلوع، فكان كابرال من القلائل الذين ظلوا إلى جانبه، وفاء للصداقة وللقضية معا؛ وكانت هذه الصداقة من أكثر ما اعتز به كابرال في حياته؛ إذ يروي أنه قطع سيرا على الأقدام يومين كاملين من أجل ترتيب لقاء بين نكروما وتشي جيفارا أثناء زيارة الأخير إلى غانا، في مشهد يعكس حرصه على إبقاء نكروما في قلب الحركة الثورية العالمية حتى في أحلك الظروف.
كان نكروما في نظر كابرال، صاحب مشروع استراتيجي، يملك مفتاح الخروج من المعضلة الأفريقية. وكان مقتنعا بأنه لو لم يُطَح به، لتحولت غانا إلى اقتصاد مزدهر، وقدمت نموذجا عمليا يثبت أن الدول الأفريقية المستقلة قادرة على بناء استقلالها الاقتصادي، كما نجحت في انتزاع استقلالها السياسي. لذلك رأى في سقوطه خسارة استراتيجية لأفريقيا كلها، لا لغانا وحدها.
تشاطر كابرال ونكروما قناعة سياسية أساسية مفادها أن "طالما أن الإمبريالية موجودة، فإن الدول المستقلة حقًا في أفريقيا هي تلك التي تقودها حركات التحرر وهي في السلطة". ومن هذا الفهم، تأمل كابرال بعمق تجربة سقوط نكروما، محاولا استخلاص الدروس الضرورية لحماية حركات التحرر من التآكل الداخلي. وقد حوّل تلك التجربة إلى مادة تعليمية لمناضلي الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر.
لم يبخل نكروما يوما بدعمه لكابرال، فقد ظل يدعمه في معركته ضد الاستعمار البرتغالي، وكان يرى في انتصار كابرال خطوة في سبيل تحقيق مشروع الوحدة الأفريقية الذي ناضل من أجله طوال حياته. أما كابرال، فكان يعتبر نكروما نموذجا للثوري الذي لم يتوقف عن تقديم النصح والمساندة، حتى في أشد ظروفه قسوة.
تجاوزت تلك العلاقة مجرد تحالف سياسي بين زعيمين أفريقيين، لتصبح، كما وصفها كابرال، امتيازا نادرا وصداقة صهرتها نيران الثورة ومرارة المنفى
لعل أبلغ ما لخّص به كابرال علاقته بصديقه الراحل قوله: "بالنسبة لنا، نحن المناضلين من أجل الحرية، فإن أجمل الزهور التي يمكننا أن نكرم بها ذكرى كوامي نكروما هي الرصاص، والقذائف، وكل المقذوفات الأخرى التي نطلقها ضد القوى الاستعمارية والعنصرية في أفريقيا". و بهذه الكلمات، أصبح نكروما، في وجدان كابرال، رمزا حيا تتجدد رسالته مع كل فعل مقاومة.
ندد كبرال بالخيانة التي تعرض لها نكروما، كان معه وبجانبه، مناصرا ومؤيدا له، لكنه لم يكون يعلم أن سيتعرض هو الآخر لخيانة أخرى؛ ففي في مساء 20 يناير 1973، وعلى شاطئ كوناكري، دوّى صوت خيانة غيّر مسار غرب أفريقيا، إنه اغتيل أميلكار كابرال على يد عناصر اخترقت صفوف حركته، في عملية تشير العديد من الوثائق والاعترافات إلى تورّط جهاز الاستخبارات البرتغالي (PIDE) فيها، سقط الرجل قبل سبعة أشهر فقط من إعلان استقلال غينيا-بيساو، وكأن الرصاص أراد أن يطفئ آخر شعلة يمكن أن تغير ميزان القوى في المنطقة، لكن ما حدث بعد الاغتيال كان صاعقا اذ ازدادت إصرارا؛ وكأن دم كابرال كان آخر توقيع يمنح شرعية لا رجوع عنها لحلم الاستقلال.