تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 20 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

جزرٌ في قبضة التاريخ: العبودية والفن والسيادة المسلوبة

27 مارس, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

تعاون الفنان والكاتب القمري سويف البدوي، في 13 مارس/آذار 2009، مع فرقته المســـــرحية   "O* Mcezo" لتقديم حفل استعراضي مستوحى من شكل العقوبة التقليدي المعروف باسم "غونغو" (gungu)، حيث يتم خلال هذه العروض استعراض ذوي التهم والمجرمين في شوارع المدينة. في هذه النسخة من "الغونغو لا مسيزو"(gungu la mcezo)، يؤدي البدوي دور المتهم، حيث لطّخ جسده بطلاء أبيض طباشيري ليجسد فرنسا في هذا العرض. جاء هذا الأداء في لحظة حاسمة من العلاقة الاستعمارية الممتدة لأكثر من 150 عامًا بين فرنسا جزر القمر، إذ بعد أسابيع قليلة فقط، كانت جزيرة مايوت تستعد للتصويت على تحويلها إلى مقاطعة فرنسية، مما عمق اندماجها في المنظومة الاستعمارية الفرنسية.
واجه البدوي وفرقته، من خلال هذا الاستعراض الصاخب والمواجه، "O* Mcezo" الصمت المصطنع والسرديات الزائفة التي بررت احتفاظ فرنسا بمايوت، منذ استفتاء الاستقلال عام 1974. استخدمت فرنسا، باعتبارها المهندس الرئيس لهذه العلاقة المستمرة، مجموعة من الاستراتيجيات، بدءًا من استغلال موقعها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإجهاض أي استفتاء حول احتلالها لمايوت، وصولًا إلى فرض رقابة على البدوي، بسبب أدائه المسرحي عام 2009. تحت هذا الغطاء الجديد للاستعمار، تكمن تواريخ واستمراريات العبودية الاستعمارية والاستخراج الاقتصادي والقيود المفروضة على التنقل، وهي جوانب حاولت فرنسا التستر عليها عبر سرديات معاصرة، تتراوح بين الأبوية الحميدة، وكراهية الأجانب، والوعود (المؤجلة باستمرار) بالازدهار.
كانت جزر القمر في القرن التاسع عشر، قبل تصاعد التدخل الاستعماري الأوروبي في المحيط الهندي الواقع بين شرق أفريقيا ومدغشقر، نقطةً محوريةً للروابط التجارية والدينية. كما كانت مصدرًا ومقصدًا رئيساً للعمالة المستعبدة ضمن تجارة الرقيق في المحيط الهندي التي امتدت لقرون. 


واجه البدوي وفرقة 'O Mcezo'، من خلال هذا الاستعراض الصاخب والمواجه، الصمت المصطنع والسرديات الزائفة التي بررت احتفاظ فرنسا بمايوت منذ استفتاء الاستقلال عام 1974


إدراكًا للأهمية الاستراتيجية لهذه الجزر، سعت بريطانيا وفرنسا للتأثير على القمر، حيث بدأتا في تعزيز علاقاتهما مع السلاطين المحليين تدريجيًا. وفي النهاية، مالت الكفة لصالح فرنسا مع ضم مايوت عام 1841، وهو الحدث الذي أطلق سبعين عامًا من الفتوحات، انتهت باستعمار الجزر الأربع بالكامل عام 1912.
على مدار القرن الذي يفصل بين استعمار فرنسا للقمر وكارثة إعصار "تشيدو"، غير المسبوقة في ديسمبر/كانون الأول 2024، ظلت جزر القمر في موقع هامشي داخل الوعي العام في الشمال العالمي. ومع ذلك، فإن "تشيدو"، كان من أشد العواصف الاستوائية تدميرًا لمايوت منذ أوائل القرن العشرين. 
رغم أن هذا المسار التاريخي الطويل بدأ في التآكل، إلا أن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال تعيد إنتاج الفجوات السياقية الهائلة التي تستمر في تهميش تاريخ القمر ورؤاه.
يُعد الاستعمار الفرنسي في المحيط الهندي أحد الجوانب التي تتجنب وسائل الإعلام السائدة تناولها. كان النشاط الاستعماري الفرنسي هناك مدفوعًا جزئيًا بالخسارة المدمرة لهايتي، وبالاقتصاد السكري المذهل الإنتاج في موريشيوس، نتيجة للثورة الهايتية وحروب نابليون. 
مع نجاح بريطانيا وألمانيا في احتلال الجزر والسواحل والمناطق الداخلية لشرق أفريقيا، أصبحت فرنسا مصممة على تأمين موطئ قدم لها في القمر، والأهم من ذلك، مدغشقر، لتأسيس مزارع جديدة للمحاصيل النقدية، وتجنيد السكان الأصليين في أنظمة عمل قسرية. كما أن السيطرة على هذه الجزر كانت تعني أيضًا الحفاظ على وجود عسكري وبحري استراتيجي عبر المساحة الشاسعة بين أفريقيا وآسيا، وهو تموضع أصبح أكثر أهمية لفرنسا منذ حقبة إنهاء الاستعمار.


منذ أن أعلنت الجزر القمرية الثلاث استقلالها عام 1975، لم تتوقف فرنسا عن التدخل في محاولات القمر لتقرير مصيره، عبر سلسلة من الممارسات العدائية ذات الطابع الاستعماري الجديد


منذ أن أعلنت الجزر القمرية الثلاث استقلالها عام 1975، لم تتوقف فرنسا عن التدخل في محاولات القمر لتقرير مصيره، عبر سلسلة من الممارسات العدائية ذات الطابع الاستعماري الجديد. تمثّلت هذه التدخلات في ضم مايوت، إضافة إلى سلسلة الانقلابات دعمتها في جزر القمر المستقلة. عملت هذه الأفعال على تصوير القمريين، الذين اختاروا الاستقلال، على أنهم متخلفون وغير قادرين على الحكم، في حين صُوّر أولئك الذين قرروا البقاء تحت الحكم الفرنسي على أنهم "فرنسيون تمامًا مثل سكان دوردوني أو السوم".
يُظهر ريمي كارايول، في كتابه الصادر عام 2024 "مايوت: مقاطعة استعمارية"، مدى تجذر الوضع الاستعماري لمايوت في الذاكرة والخيال الفرنسيين. ويشير إلى أن مايوت متصلة بالمتروبول "بحبل سري غير مرئي" يجسد الحدود البحرية بين الجزيرة والقمر، مما يرسّخ فرضية أن مايوت كانت فرنسية "قبل نيس وسافوا".
يخفي تكرار هذه السرديات السطحية النية الحقيقية للتوسع الإمبريالي الفرنسي في المحيط الهندي، والتي لم تكن بدافع رغبة حسنة في منح المواطنين الأفارقة مزايا الجنسية الفرنسية. كما أم الخاضعين للاستعمار لم يكونوا غافلين عن الأطماع الاستغلالية لفرنسا. وعلى الرغم من أن الخطاب المعاصر يحاول تبرير الوجود الفرنسي في مايوت بالإشارة إلى الرأي العام المحلي، فإن العديد من سكان الجزيرة في القرن التاسع عشر لم يرحبوا بالنظام الاستعماري الجديد الذي فرض عليهم.
يشير هذا إلى أن ولاء الماهوريين الحالي لفرنسا، وما يرتبط به من تبني سياسات اليمين المتطرف، لا يعكس تقليدًا مستقرًا على مر الزمن. بل إن الأرشيف الاستعماري مليء بأمثلة على المقاومة القمرية ضد الحكم الفرنسي، والانتهاكات العمالية التي تسبب بها. ففي عام 1856، تمرد العمال في مايوت، وهجروا مزارع السكر في غراند تير في ثورة استمرت شهرًا، وانتهت بإعدام فرنسا لقادة التمرد. أدت الاحتجاجات، في العقود الموالية، ضد عنف نظام "الانخراط" في جزيرة القمر الكبرى إلى اضطرابات هائلة، حيث كافح الإداريون الفرنسيون من أجل قمع تحركات العمال الغاضبين.
استمر شبح العنف الاستعماري في إلقاء ظلاله على مجرى القرن العشرين، عندما أُجبر النشطاء المناهضون للاستعمار في مايوت على الفرار من الجزيرة، بفعل حملة مهدت الطريق في نهاية المطاف لرفض استفتاء عام 1974. امتد تهديد الأذى الجسدي إلى يومنا هذا، حيث لا يزال المهاجرون القمريون يخوضون رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر عبر قناة موزمبيق.


يُظهر ريمي كارايول، في كتابه الصادر عام 2024 'مايوت: مقاطعة استعمارية'، مدى تجذر الوضع الاستعماري لمايوت في الذاكرة والخيال الفرنسيين. ويشير إلى أن مايوت متصلة بالمتروبول 'بحبل سري غير مرئي' يجسد الحدود البحرية بين الجزيرة والقمر


إن فرض السيطرة العسكرية على هذا الحد البحري، يسعى إلى تطبيع الفروقات العرقية والثقافية بين القمريين والماهوريين، رغم اشتراكهم الواضح في التراث اللغوي والثقافي والديني. كما أنه يستخدم البحر، الذي كان في القرون التي سبقت الاستعمار الأوروبي فضاءً للترابط، أداة للحد من استمرارية الروابط الاقتصادية والاجتماعية والعائلية في المحيط الهندي الغربي.
تمارس فرنسا، من خلال فصل هذه الحقائق التاريخية عن الوعي العام، عملية إقصاء عنصري، وصفها المفكر المارتيني فرانز فانون في نصه الرائد "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء". يوضح فانون هذه الظاهرة على مستوى الفرد، حيث يرى أن بناء الذات هو عملية قائمة على العلاقة بالآخر، تحدث في "عالم مكاني وزماني" يتم فيه تفعيل الذات من خلال التفاعل اليومي مع الناس والأشياء. ولكن بالنسبة للأشخاص السود، يتم اعتراض هذه العملية عبر اقتران "العنصر الأبيض" بالاستعمارية، مما يؤدي إلى "تثبيتهم" في الزمان والمكان كـ"زنوج"، مما يعيق تطورهم إلى ذات مكتملة الأهلية الإنسانية.
كل تدخل استعماري جديد لفرنسا يردد العملية ذاتها التي يصفها فانون، حيث يعمل "البياض" على "اقتطاع أجزاء من الواقع"، وبناء ظروف خطابية يمكن أن تزدهر فيها فجوات الاستعمار الفكرية. تقدم أفكار فانون أيضًا رؤى تكهنية حول النفسية غير المدروسة للماهوريين الذين يدافعون بشدة عن الحكم الفرنسي، ويخفون بالكاد ازدراءهم العنصري لأقرانهم القمريين. 
تميل وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية إلى تشبيه أزمة الهجرة في مايوت بتلك التي تحدث في الشمال العالمي، لكن هذا التشبيه يغفل كيف أن اللقاء الاستعماري في جزر القمر "أربك الأفق النفسي وآلياته"، وأعاد تشكيل النظام العرقي القائم بحيث "لا يقتصر الأمر على أن يكون الرجل الأسود أسوداً، بل يجب أن يكون أسودًا بالنسبة للرجل الأبيض". 
هذا الترتيب الجديد للهرمية العرقية، إلى جانب وعد الانتماء إلى الجمهورية الفرنسية، أنتج منطقًا معقدًا وغير بديهي: فالحرية تعني تشديد الروابط التي تربط مايوت بفرنسا، والمساواة تعني أن الماهوريين -الذين يُعاملون بالفعل بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية - أكثر استحقاقًا من المهاجرين القمريين للاستفادة من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية التي يمنحها الانتماء الإمبريالي.


تحمل الممارسات الفنية المعارضة في الجزر طاقة كامنة قادرة على زعزعة ما يبدو مستقرًا، وقلب الواقع رأسًا على عقب، ودفع الحقيقة إلى مجال رؤية أولئك الذين يرفضون الشهادة عليها

يتصدى البدوي وفرقته "O* Mcezo" لهذا الواقع وسردياته الزائفة من خلال استحضار علاقة متخيلة بفرنسا، في إشارة ضمنية إلى فانون. يصبح الأداء واللعب وسيلة فعالة للتنبؤ بعالم يمكن فيه للقمريين وغيرهم من ضحايا الغزو الاستعماري محاسبة القوى الإمبريالية. 
يبرز مفهوم الذات في سياق هذا الأداء، الذي قامت فرقة"O* Mcezo"  بتعديله وتقديمه في عدة مدن عبر القمر. وكشكل من أشكال العدالة خارج نطاق القانون، يرتبط الغونغو ارتباطًا وثيقًا بالحدود الاجتماعية الصارمة للمجتمع الذي مارس العبودية، إذ إن تقليد تقييد المتهمين يحمل دلالات بصرية واضحة على الاستعباد. وبينما تلقي العبودية العار والموت الاجتماعي على ضحاياها، فإنها تفرض أيضًا التقارب والعلاقات القسرية، مما يجعل الحرية في مواجهة مباشرة مع العبودية. وكالإعصار، تحمل الممارسات الفنية المعارضة في الجزر طاقة كامنة قادرة على زعزعة ما يبدو مستقرًا، وقلب الواقع رأسًا على عقب، ودفع الحقيقة إلى مجال رؤية أولئك الذين يرفضون الشهادة عليها.
إن فرض السيطرة العسكرية على هذا الحد البحري يسعى إلى تطبيع الفروقات العرقية والثقافية بين القمريين والماهوريين، رغم اشتراكهم الواضح في التراث اللغوي والثقافي والديني. كما أنه يستخدم البحر، الذي كان في القرون التي سبقت الاستعمار الأوروبي فضاءً للترابط، كأداة للحد من استمرارية الروابط الاقتصادية والاجتماعية والعائلية في المحيط الهندي الغربي.