الأحد 8 مارس 2026
حذّر الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله من أن أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل في مدينة بربرة، في جمهورية صوماليلاند، من شأنه أن يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بحسب ما أوردته وسائل إعلام إقليمية استناداً إلى مقابلة نُسبت إلى مجلة Jeune Afrique. وتتركز رسالة جيله على نقطتين مترابطتين: رفض الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، والتحذير من أن هذا الاعتراف قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وعسكرية أوسع في ميناء بربرة الاستراتيجي.
ويأتي هذا الموقف في سياق توتر إقليمي متصاعد منذ 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بصوماليلاند. ووفقاً لرويترز، اعتبرت الحكومة الصومالية الخطوة اعتداءً على سيادتها ووحدة أراضيها، بينما دعا مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي لاحقاً إلى الإلغاء الفوري لهذا الاعتراف، ما يؤكد أن القضية تجاوزت حدود الخلاف السياسي التقليدي وأصبحت جزءاً من صراع أوسع حول السيادة وإعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي.
غير أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الملف هي أن الحديث الجاري يدور، حتى الآن، حول احتمال إنشاء قاعدة أو حضور عسكري إسرائيلي في بربرة، لا حول إعلان رسمي نهائي بإنشائها. رويترز ذكرت أن محللين يرون في الموقع الجغرافي لصوماليلاند عاملاً قد يقود إلى تعاون عسكري مع إسرائيل بسبب قربه من خطوط الملاحة المعرّضة لهجمات الحوثيين، لكنها أشارت أيضاً إلى أن صوماليلاند نفت أن يكون الاعتراف الإسرائيلي يعني تلقائياً السماح بإقامة قواعد إسرائيلية على أراضيها. وفي السياق نفسه، نقلت وكالة أسوشيتد برس أن إسرائيل وصوماليلاند تحدثتا عن تعاون دفاعي، من دون الكشف عن تفاصيل تنفيذية حتى الآن، ما يبقي الملف في مساحة ضبابية بين التنسيق السياسي والاحتمال العسكري.
وتنبع حساسية بربرة من موقعها على خليج عدن، قرب واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، وهو ما يمنحها ثقلاً استراتيجياً يتجاوز حدود صوماليلاند نفسها. وتوضح رويترز أن ميناء بربرة تديره شركة "موانئ دبي العالمية" ضمن استثمار تبلغ قيمته 442 مليون دولار، في وقت راكمت فيه الإمارات نفوذاً اقتصادياً وأمنياً واضحاً في المنطقة. كما تشير تقارير رويترز وأسوشيتد برس إلى أن قرب بربرة من اليمن، ومن خطوط الملاحة في البحر الأحمر، يجعلها موقعاً جذاباً لأي ترتيبات أمنية مرتبطة بمراقبة تهديدات الحوثيين أو احتوائها. ولهذا، فإن الاعتراض الجيبوتي لا يتعلق فقط بمسألة الاعتراف السياسي، بل أيضاً بما قد يترتب عليه من إعادة توزيع للنفوذ العسكري حول المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تحذير جيله بوصفه محاولة لرفع الكلفة السياسية لأي انتقال من الاعتراف الدبلوماسي إلى الحضور العسكري المباشر في بربرة. فجيبوتي، المجاورة لصوماليلاند، تقع هي الأخرى في قلب التنافس العسكري الدولي، وتستضيف قواعد لقوى كبرى، فيما تتزايد حساسية المنطقة مع كل تغيير في خرائط النفوذ أو التحالفات. لذلك لا تبدو تصريحات الرئيس الجيبوتي مجرد اعتراض خطابي عابر، بل أقرب إلى إنذار مبكر من أن تحويل بربرة إلى منصة عسكرية جديدة قد يفتح فصلاً أكثر توتراً في صراع السيادة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية في القرن الأفريقي.