تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

جيبوتي: تعديل دستوري على مقاس غيله يكرّس حكمه المؤبّد باسم "الاستقرار"

9 ديسمبر, 2025
الصورة
جيبوتي: تعديل دستوري على مقاس غيله يكرّس حكمه المؤبّد باسم "الاستقرار"
Share

أثار تعديل دستوري أُقرّ نهاية أكتوبر/تشرين الأول في جيبوتي جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما ألغى السقف العمري للترشح إلى الرئاسة، فاتحاً الباب أمام الرئيس إسماعيل عمر غيله، البالغ 77 عاماً، للترشح لولاية سادسة بعد أكثر من ربع قرن في الحكم.

البرلمان الجيبوتي صوّت بالإجماع على التعديل، الذي يرفع شرط ألا يتجاوز سن المترشح 75 عاماً، ليبقى الشرط الأساسي هو حمل الجنسية الجيبوتية فقط. ورغم أن الخطاب الرسمي قدّم الخطوة على أنها جزء من «تحديث المؤسسات» و«ضمان الاستمرارية»، فإن معارضين وفاعلين في المجتمع المدني يرون فيها «انقلاباً تشريعياً» يهدف إلى إطالة عمر نظام أحكم قبضته على السلطة منذ عام 1999.

منتقدو التعديل يقولون إن النص لم يأتِ استجابةً لمطلب شعبي أو لحاجة مؤسساتية ملحّة، بل يعكس – في رأيهم – «خوفاً من التغيير» لدى دوائر الحكم التي تربط بقاء الدولة ببقاء الرئيس نفسه. ويؤكدون أن إلغاء الحد العمري أزال عملياً آخر قيد دستوري كان يمكن أن يفرض تداولاً تلقائياً للسلطة على المدى المتوسط.

على مدى أكثر من 25 عاماً، بنى غيله منظومة حكم تتركّز فيها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية حول الرئاسة، وفق توصيفات معارضين، فيما تبقى المعارضة السياسية ممزقة وضعيفة التمثيل في البرلمان. ويعتبر هؤلاء أن التعديل الأخير «يُكمل عملية الإغلاق المؤسسي»، بتحييد أي استحقاق قد يفرض تغييراً في رأس السلطة.

مراقبون يشيرون إلى أن السلطة تستند في تبريرها للتعديل إلى محيط إقليمي مضطرب في القرن الأفريقي والبحر الأحمر – من الحرب الأهلية في إثيوبيا إلى هشاشة الوضع في الصومال والتوتر في اليمن – لتقديم بقاء غيله بوصفه «ضمانة استقرار». لكن منتقدين يحذّرون من الخلط بين الاستقرار و«الجمود»، ويقولون إن استقراراً يقوم على الخوف وتقييد الحريات، لا على الشرعية الشعبية، يحمل في داخله عناصر انفجار مؤجل.

أحد الأصوات البارزة التي انتقدت التعديل هو المستشار الرئاسي السابق ألكسيس محمد، الذي وصف ما جرى بأنه «سطو مؤسسي» ودعا إلى طرح التعديل على استفتاء شعبي. غير أن فرص إجراء استفتاء حرّ تبدو – بحسب مراقبين – محدودة في ظل القيود المشددة على الإعلام والمعارضة، وسجلّ الانتخابات السابقة التي اتُّهمت بعدم النزاهة.

إلى جانب الجدل الداخلي، يسلّط محللون الضوء على «صمت» الشركاء الدوليين الأساسيين لجيبوتي. فالبلد الصغير المطل على البحر الأحمر وخليج عدن يستضيف قواعد عسكرية للولايات المتحدة وفرنسا والصين، ويمثّل موقعاً استراتيجياً فريداً للتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. هذا الموقع، كما يقول هؤلاء، جعل من النظام الجيبوتي «حليفاً لا يُستغنى عنه»، ومن ثمّ قلّل من استعداد هذه القوى لانتقاد توجهاته الداخلية.

واشنطن تبرّر شراكتها مع جيبوتي بالحاجة إلى مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة، فيما تتحدث باريس عن «شراكة تاريخية»، وتشدّد بكين على ضرورة «الاستقرار من أجل التنمية وحماية الاستثمارات». لكن منظمات حقوقية وناشطين يرون في هذه المقاربات وجهاً من أوجه «الازدواجية» في خطاب الديمقراطية لدى القوى الكبرى، حين تتعارض المبادئ المعلنة مع مقتضيات الجغرافيا والمصالح العسكرية والاقتصادية.

في خلفية المشهد، يتزايد انطباع لدى بعض قطاعات المجتمع الجيبوتي، خاصة بين الشباب، بأن أفق التغيير السياسي مسدود. تقارير غير رسمية تتحدث عن تصاعد في معدلات الهجرة، خصوصاً بين المتعلمين، ونقاشات متزايدة في الأوساط المدنية حول «ثمن الاستقرار» الذي يُرفَع شعاراً داخلياً وخارجياً لتبرير استمرار الوضع القائم.

ويحذّر محللون من أن استمرار «الاستقرار المفروض من أعلى» من دون فتح قنوات فعلية للتعبير والمشاركة السياسية قد يحوّل البلد إلى «قنبلة سياسية موقوتة»، إذا ما تراكمت التوترات الاجتماعية والاقتصادية من دون منافذ مؤسساتية لامتصاصها. ويشدّد هؤلاء على أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يُبنى فقط على الحسابات الأمنية والجيوسياسية، بل يحتاج إلى قاعدة أوسع من الثقة الداخلية، والعدالة، واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية.