تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

جيبوتي قاعدة ارتكاز للسعودية عند باب المندب… وبربرة منافس صاعد

14 يناير, 2026
الصورة
جيبوتي قاعدة ارتكاز للسعودية عند باب المندب… وبربرة منافس صاعد
Share

على الضفة الأفريقية المقابلة لشبه الجزيرة العربية، تزداد مكانة جيبوتي بوصفها نقطة ارتكاز حاسمة في معادلة النفوذ والأمن والتجارة عبر البحر الأحمر وخليج عدن، في وقت تتغير فيه خريطة الشراكات الخليجية في القرن الأفريقي. فالدولة الصغيرة، التي بنت نموذجها الاقتصادي على الخدمات اللوجستية والموانئ، باتت أيضاً مركزاً لتجمع القواعد العسكرية الأجنبية، ما منحها وزناً سياسياً يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.

وتستند هذه الأهمية لجيبوتي إلى عاملين متلازمين. الموقع عند مدخل البحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، والدور اللوجستي الذي تلعبه موانئها بوصفها بوابة رئيسية للتجارة العابرة وللاقتصادات المجاورة، وفي مقدمتها إثيوبيا. وتقول “رويترز” إن اقتصاد جيبوتي يعتمد بدرجة كبيرة على خدمات الموانئ واللوجستيات، بينما يشكل تأجير الأراضي للقواعد العسكرية الأجنبية مورداً مالياً ثابتاً للدولة، إذ يدرّ نحو 25 مليون دولار سنوياً، وفق ما نقلته الوكالة عن الرئيس التنفيذي لصندوقها السيادي.

في البعد الأمني، تحولت جيبوتي إلى عقدة تجمع قوى دولية كبرى. تقرير صادر عن “خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي” يشير إلى أنها أصبحت مركزاً للقوات الأجنبية وتستضيف منشآت عسكرية لفرنسا والولايات المتحدة واليابان وإيطاليا والصين، وأن عوائد الإيجارات تشكل عنصراً مهماً في إيرادات الحكومة. وتؤكد مصادر فرنسية هذا الثقل؛ إذ نقلت صحيفة “لوموند” أن جيبوتي باتت تضم القاعدة العملياتية الكبرى الأخيرة لفرنسا في أفريقيا، مع وجود نحو 1500 عنصر، في وقت تحتفظ دول أخرى بحضور عسكري في البلاد. كما تصف البحرية الأميركية “كامب ليمونييه” بأنه قاعدة العمليات الأساسية للولايات المتحدة في القرن الأفريقي. 

لكن التحول الأبرز في الأشهر الأخيرة يظهر في الجانب الاقتصادي-الاستثماري، فتوسع الحضور السعودي في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية في جيبوتي، بما ينسجم مع توجه أوسع لربط أمن البحر الأحمر بسلاسل الإمداد والتجارة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت هيئة الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي توقيع اتفاق إطار يمنح شركة “ريد سي غيتواي تيرمينال” السعودية (RSGT) امتيازاً لمدة 30 عاماً لتطوير وتشغيل ميناء تاجورة، ضمن خطة لتحويله إلى ميناء متعدد الأغراض بطاقة أولية تبلغ خمسة ملايين طن سنوياً، مع إنشاء منطقة حرة مخصصة لجذب الاستثمار وتعزيز خدمات التخزين واللوجستيات.

وتعزز هذه الخطوة قراءة تقول إن الرياض تسعى إلى تثبيت موطئ قدم عملي على ساحل أفريقيا المقابل، عبر شراكات تشغيلية طويلة الأمد في الموانئ. وتذهب “ذا ماريتايم إكزيكيوتيف” إلى أن تاجورة دُشّن أساساً عام 2017 ضمن خطة جيبوتية لتوسيع بنية النقل شمال البلاد، وأنه صُمّم أيضاً لتسهيل صادرات البوتاس من إثيوبيا، إلى جانب صادرات أخرى مثل الماشية والسمسم، مع توقعات بأن يرفع الامتياز السعودي قدرة الميناء إلى خمسة ملايين طن سنوياً خلال السنوات المقبلة.

في المقابل، يبدو أن نفوذ الإمارات في جيبوتي تحديداً بلغ سقفاً بفعل نزاع طويل ومكلف حول ميناء دوراليه، وهو ملف لا يزال يلقي بظلاله على العلاقة بين الطرفين. صحيفة “ذا إيست أفريكان” ذكرت أن الحكومة الجيبوتية رفضت قراراً تحكيمياً يتعلق بإدارة محطة حاويات دوراليه كانت “موانئ دبي العالمية” طرفاً فيها، وأن الرئيس إسماعيل عمر جيله برر الرفض بما سماه "المصلحة الوطنية العليا". وبحسب التقرير، تقول "موانئ دبي العالمية" إن إلغاء امتيازها في فبراير/شباط 2018 تسبب بخسائر تقديرية تقارب مليار دولار، فيما تشير الحكومة إلى أن أجزاء كبيرة من منظومة الميناء تُدار في إطار شراكات مختلفة، من بينها امتياز تشغيلي لشركة “تشاينا ميرشنتس” في مرافق أخرى.

وتربط تقديرات بحثية بين هذا المسار وبين ميل جيبوتي إلى تنويع شركائها في قطاع الموانئ وتقليص الاعتماد على الإمارات، خصوصاً بعد توتر العلاقات على خلفية ملف دوراليه. "مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية" أشار إلى أن الخلاف حول دوراليه كان محطة مفصلية في تراجع العلاقة مع أبوظبي، وأن جيبوتي "انجذبت" بدرجة أكبر نحو السعودية، مع إبراز توقيع عقد في 2024 لبناء قاعدة/مركز لوجستي سعودي في جيبوتي يخدم الصادرات عبر أفريقيا، إلى جانب تعاون في أمن البحر الأحمر. 

في المحصلة، تبدو جيبوتي وقد نجحت في تثبيت دورها كمنصة على مفترق طرق التجارة والأمن في البحر الأحمر؛ فهي تستضيف قواعد كبرى وتستقطب تنافساً دولياً، وتعيد في الوقت نفسه تشكيل شراكاتها الاقتصادية وفق منطق المنفعة والتوازن. أما تحركات السعودية في الموانئ واللوجستيات فتشي بسعي إلى حضور عملي طويل الأمد على الضفة المقابلة، في لحظة يتعرض فيها نموذج «النفوذ عبر الموانئ» لاختبارات قانونية وسياسية، كما في نزاع دوراليه. وفي موازاة ذلك، يبرز صعود ميناء بربرة في صوماليلاند كمنفذٍ صاعدٍ ومنافسٍ متنامٍ، خاصة مع تعاظم دوره في خدمة خطوط الإمداد والتجارة الإقليمية وتقديمه بديلاً جزئياً لمسارات العبور التقليدية المرتبطة بجيبوتي، ما يضيف طبقة جديدة من المنافسة على بوابات البحر الأحمر وخليج عدن. وبينما ستظل المنطقة شديدة الحساسية لأي اضطراب في الملاحة، فإن ما يحدث في جيبوتي يوحي بأن معركة النفوذ هناك لم تعد عسكرية فقط، بل باتت تُحسم أيضاً بعقود الامتيازات وسلاسل الإمداد وتوازنات الاستثمار.