الجمعة 17 أبريل 2026
بعثت جوزي فانون في يونيو/حزيران عام 1967 برسالة عاجلة عبر البرق، من مقر إقامتها في الجزائر إلى مكتب الناشر الفرنسي فرنسوا ماسبيرو في باريس، وهو ناشر كتاب "معذبو الأرض" لفرانز فانون. طالبت السيدة في رسالتها بإزالة مقدّمة جان بول سارتر من جميع الطبعات المستقبلية للكتاب، نظراً لـ"موقفه المؤيد للصهيونية والإمبريالية في عدوانها على الشعوب العربية"، حسب تعبيرها. وكان سارتر قد وقّع، قبل أسابيع فقط، على بيان أصدره مثقفون فرنسيون يؤيد "أمن إسرائيل وسيادتها" في حرب الأيام الستة. بالنسبة لجوزي، فإن من يقرأ "معذبو الأرض" ولا يظهر تضامناً مطلقاً مع القضية الفلسطينية، لم يفهم جوهر نص فانون.
كتبت جوزي تقول: "حان وقت القطيعة. دعونا ننسَ سارتر والآخرين، ولنُعد قراءة خاتمة معذبو الأرض: إن أردنا تلبية تطلعات شعوبنا، علينا أن نبحث عن الأمل في مكان آخر غير أوروبا". ورأت في رفضها للمقدمة "تكريماً أخيراً لذاكرة فانون وبصيرته السياسية". ومع أنها كانت أرملة فانون، إلا أن ماسبيرو تجاهل طلبها. فرغم أنه أزال المقدمة من النسخ المطبوعة لاحقاً، إلا أنه أرفقها في صيغة ملحق مطوي على شكل ملصق داخل الكتاب.
لم تكن ريبة جوزي تجاه سارتر جديدة، بل كانت انعكاساً لخيبة أملها العامة من اليسار الفرنسي برمّته، ذاك اليسار الذي لم تعد تجد فيه ما يربطها به من قيم أو نضالات مشتركة. فانون وسارتر التقيا مرة واحدة فقط، في روما صيف 1961. وبعد سنوات، كتبت جوزي أن سارتر قال آنذاك لفانون: "أنتَ الرجل الأسود الوحيد الذي أنسى أمامه أنه أسود". وقد أصبحت هذه اللحظة موضوعاً متكرراً في الأدبيات التي تناولت سيرة فانون، إذ غالباً ما تُذكر مطالبة جوزي بإزالة مقدمة سارتر، لا لتسليط الضوء عليها هي، بل كمدخل للحديث عن العلاقة بين فانون وسارتر، أو لتأطير الجدل حول نزعة سارتر الصهيونية. لكن حان الوقت، في ظل استمرار إسرائيل في تجويع الفلسطينيين وقصفهم وتشويههم، أن نضع هذا الموقف في سياقه الصحيح: ضمن وفاء جوزي فانون الطويل لقضية تحرير فلسطين.
"حان وقت القطيعة. دعونا ننسَ سارتر والآخرين، ولنُعد قراءة خاتمة معذبو الأرض: إن أردنا تلبية تطلعات شعوبنا، علينا أن نبحث عن الأمل في مكان آخر غير أوروبا"
كانت جوزي ترى، انطلاقاً من تجربتها كفرنسية نشأت في أوروبا، أن "كل أوروبي يولد عنصرياً"، وأن الانخراط في "أخوّة البشر" يتطلب "تعلّماً شاقاً وطويلاً". وقد اختبرت بنفسها هذا التحول حين عاشت في الجزائر، حيث ساهمت التجربة المباشرة في تسريع وتيرة اكتساب هذا الوعي التحرري.
في عام 1962، وبعد أشهر قليلة من نيل الجزائر استقلالها، عادت إليها جوزي فانون برفقة ابنها، وكانت آنذاك في الثانية والثلاثين من عمرها، أرملة وأماً وحيدة. ووفقاً لرواية ابنها أوليفييه فانون، فإن "ارتباط والدته بالجزائر كان فورياً"، إذ انخرطت سريعاً، على خطى زوجها الراحل، في البنى التنظيمية لجبهة التحرير الوطني. وسرعان ما شرعت في الكتابة لصحيفة "المجاهد"، التي تحوّلت من لسان حال المقاومة إلى المنبر الرسمي للدولة الجديدة.
وفي عام 1969، أعلن ياسر عرفات في خلال مؤتمر القمة الإسلامية الذي انعقد في الرباط، في أعقاب إحراق المسجد الأقصى، أن "الثورة الفلسطينية متمّمة للثورة الجزائرية"، وهو خطاب وجد صداه في صفحات "المجاهد"، وعكس بوضوح التزام الجزائر العميق، هوياتياً وسياسياً، بالقضية الفلسطينية.
لم تغب فلسطين عن كتابات جوزي فانون طيلة مسيرتها المهنية. فالقضية الفلسطينية كانت مركزية في رؤيتها السياسية المناهضة للاستعمار والإمبريالية والصهيونية، ونسجت كتاباتها خيوط التحليل بين هذه المكونات الثلاثة.
ترى جوزي، انطلاقاً من تجربتها كفرنسية نشأت في أوروبا، أن "كل أوروبي يولد عنصرياً"، وأن الانخراط في "أخوّة البشر" يتطلب "تعلّماً شاقاً وطويلاً"
بدأت جوزي عملها في "المجاهد" كصحفية ميدانية متخصصة بأخبار أمريكا اللاتينية وأفريقيا. وفي هذا الإطار، شاركت مع إلين مختيفي في تمثيل الجزائر إعلامياً في مؤتمر منظمة التضامن اللاتينية (OLAS) الذي عُقد في العاصمة الكوبية هافانا عام 1967، وهو امتداد لمؤتمر "التضامن الثلاثي" الذي سبقه. ركّز المؤتمر على مقاومة الإمبريالية الأمريكية، لا سيما في فيتنام وأمريكا اللاتينية. لكن جوزي، رغم عدم تجاهلها لهذه القضايا، شدّدت على تداخلها مع ما سمّته "المشكلة الفلسطينية"، معتبرة أن "وجود القوات في فيتنام، ومحاولات غزو كوبا، وتدخل المرتزقة في الكونغو" لا يمكن فصلها عن "العدوان الصهيوني الجبان والإمبريالي على الشعوب العربية". ورأت أن المسألة الفلسطينية ليست دينية ولا عرقية، بل تجلٍ متقدم لإمبريالية عدوانية أفرزت " اختلاقاتها المصطنعة": الصهيونية.
امتدت انتقادات جوزي لإسرائيل إلى ما هو أبعد من حدود فلسطين والمنطقة العربية. ففي مارس/آذار 1970، أوفدت كمراسلة رسمية لـ"المجاهد" إلى بيافرا، بعد انتهاء الحرب الأهلية التي خاضها الإقليم الانفصالي ضد الحكومة الفيدرالية النيجيرية. وكشفت في تقاريرها عن البُعد الدولي المتشابك للنزاع، متتبّعة الأدوار الخفية للجهات الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل. فمنذ استقلال نيجيريا عام 1960، سعت إسرائيل إلى ترسيخ نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي في البلاد، لتجعل منها مركزاً رئيسياً لنشاطها في أفريقيا. ومع اندلاع الحرب في 1967، عمدت إسرائيل إلى دعم الطرفين المتحاربين، عبر تزويد كليهما بالسلاح والمساعدات العسكرية، بهدف الحفاظ على مصالحها في كلا الاتجاهين.
وقد كشفت الوثائق المستقاة من أرشيف وزارة الخارجية الإسرائيلية عن هذا "اللعب المزدوج" الذي مارسته تل أبيب في النزاع النيجيري. ودوّنت جوزي في أحد تقاريرها الميدانية: "رأيت أسلحة مهجورة كثيرة، بعضها غربي الصنع، وبعضها قنابل يدوية بدائية لكنها فعّالة. لم ألحظ أسلحة صهيونية، لكن ذلك مفهوم، فأسلحة الصهاينة ببساطة... أمريكية".
لم تغب فلسطين عن كتابات جوزي فانون طيلة مسيرتها المهنية. فالقضية الفلسطينية كانت مركزية في رؤيتها السياسية المناهضة للاستعمار والإمبريالية والصهيونية، ونسجت كتاباتها خيوط التحليل بين هذه المكونات الثلاثة
واصلت جوزي فانون فضح أوجه التواطؤ بين إسرائيل وقوى القمع العنصري في العالم، وكانت من أوائل من انتقدوا بوضوح وحدة المصالح بين تل أبيب ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فقد نشرت عدة مقالات تدعم فيها نضال "المؤتمر الوطني الأفريقي"، وعبّرت بوضوح عن تأييدها للمقاومة السوداء، قبل أن تزور جنوب أفريقيا بنفسها في ثمانينيات القرن الماضي، ضمن انخراطها الميداني في معارك التحرر العالمي. وفي شهادة شخصية أدلت بها عام 2023، قالت الكاتبة المارتينيكية المعروفة، ماريز كوندي، إن جوزي "هي من فتحت عينيّ على قضايا الفصل العنصري في جنوب أفريقيا"، مضيفة: "لولاها، لما أصبحت أفكاري كونية بهذا الشكل".
كشفت جوزي في مقال نشرته عام 1979، بعنوان "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية"، عمق العلاقة بين إسرائيل والحزب الوطني الحاكم في جنوب أفريقيا، وهي علاقة لم تقم على مصالح ظرفية فحسب، بل على "أيديولوجيا مشتركة، ومصالح سياسية واقتصادية متقاطعة، واستراتيجية موحدة في التعاطي مع أفريقيا والعالم العربي". ورغم تعتيم الإعلام على هذا التعاون، سلّطت جوزي الضوء على وقائعه: من إسقاط طائرة ميراج جنوب أفريقية في حرب 1973، إلى وجود مدربين عسكريين إسرائيليين في جنوب أفريقيا عام 1976، إلى اشتراك أجهزة الاستخبارات في مطاردة الوطنيين السود والفلسطينيين. وقد استشهدت في هذا السياق بمحاكمة وحدة الكوماندوز الإسرائيلية التي اغتالت الفنان المغربي أحمد بوشيخي في النرويج عام 1974، حيث كشفت المحاكمة عن تورط عناصر من جنوب أفريقيا في هذه العملية، لتؤكد أن ما جمع الطرفين لم يكن مجرد تنسيق عابر، بل تحالف في "الإرهاب الدولي" يستهدف كل من يناهض الهيمنة العنصرية والاستعمارية.
وكما هو حال كثير من مناضلي حركات الجنوب العالمي، لم تقتصر انتقادات جوزي فانون للأمم المتحدة على موقفها من القضية الفلسطينية فحسب، بل كانت ترى فيها مؤسسة تكرّس التفاوتات البنيوية في النظام الدولي. وفي عام 1979، أصدرت ملفاً خاصاً عن السفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة، أندرو يونغ، الذي اضطر إلى الاستقالة من منصبه عقب لقائه بمسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تناولت جوزي في هذا الملف إمكانية تبلور تكتّل مناهض للإمبريالية في الأمم المتحدة، تقوده أصوات سوداء متضامنة مع فلسطين، مؤكدة أن "أي خطاب يزعم العدل، لا معنى له إن لم يلتزم بالحرية الفلسطينية".
إن المسألة الفلسطينية ليست دينية ولا عرقية، بل تجلٍ متقدم لإمبريالية عدوانية أفرزت "اختلاقاتها المصطنعة" الصهيونية
كانت جوزي تتقاسم مع المناضلة الأمريكية أنجيلا ديفيس القناعة بأن "فلسطين هي الاختبار الأخلاقي الحقيقي". وبحكم موقعها كصحفية موثوقة ومتمكنة، أجرت مقابلات مع أبرز قادة حركات التحرر في العالم، من تشي جيفارا إلى يوليوس نيريري، مروراً بإلدريدج كليفر وجورج سيلنديكا، ولم تفوّت فرصة دون الحديث عن مركزية فلسطين في النضال العالمي.
حملت واحدة من آخر مقالاتها عنوان "نحن جميعاً فلسطينيون". وفيها عادت إلى الفكرة التي عبّرت عنها قبل أكثر من عقد: أن الحياة الواعية تفرض على الإنسان أن "يعترف بأنه برّر ما لا يُبرّر، وقدّس ما لا يجب تقديسه". ورفضت ما سمّته "السياسات الزائفة والآليات المعقّدة التي تحجب الأساطير الصهيونية"، ودعت إلى "العودة إلى أرض الصفاء، حيث يمكن للمرء أن يستعيد إنسانيته". وأختم هذه الترجمة كما اختتمت جوزي فانون مقالها قبل أكثر من أربعين عاماً: "لا شيء يُقال بعد الآن. لا توجد أراضٍ موعودة سوى تلك التي نحملها في داخلنا".