تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

جوبا: يوميات الغلاء في مدينة صار فيها البقاء معركة يومية

20 مايو, 2026
الصورة
  جوبا: يوميات الغلاء في مدينة صار فيها البقاء معركة يومية
Share

قبل ثلاث سنوات، كنت أشتري كيلوغراما واحدا من السكر في أسواق جوبا بأربعة آلاف جنيه جنوبي (30 دولار أمريكي)، وكنت أشتكي وقتها من وطأة الغلاء وأستكثر هذا المبلغ على سلعة أساسية. اليوم، يقف الكيلوغرام ذاته عند عتبة التسعة آلاف جنيه (70 دولار أمريكي)، لكنني لم أعد أشتكي كسابق عهدي، بل أكتفي بالوقوف أمام الرف وأحسبها بصمت يغني عن كل كلام؛ أتناول الكيس، أتحسس ثقله، ثم أعيده إلى مكانه، وأمضي دون شراء.

لم يقتصر هذا الجنون السعري على السكر وحده، بل امتد ليلتهم كل مقومات الحياة اليومية؛ فكيس الفحم الذي تعتمد عليه الأسر بشكل رئيسي للطهي، وكان يُباع بعشرة آلاف جنيه جنوبي، قفزت أسعاره لتتجاوز عتبة الخمسين ألفا في غضون أشهر قليلة. إن التدقيق في هذه الأرقام يكشف حقيقة مرعبة، وهي أن السكر والفحم والسلع لم تتغير في جوهرها أو جودتها، بل تغيرت المنظومة بأكملها؛ فالمرتبات جامدة في مكانها، والدخل الحقيقي متآكل، والأسعار باتت تتصاعد بشكل جنوني دون أن تستأذن أحدا أو تراعي سقفا.

هذا التناقض الصارخ دفع بالشارع في جوبا إلى التخلي عن الأسئلة التقليدية التي تعنى بتحسين جودة الحياة أو التخطيط للمستقبل؛ فلم نعد نسأل "كيف نعيش؟" أو "كيف نطور أعمالنا؟"، بل استبدلناها بسؤال أبسط في مبناه، لكنه الأقسى والأنكأ في معناه: "كيف نؤمّن قوت يومنا هذا فقط؟". لقد تحول التفكير من المدى المتوسط والبعيد إلى المدى اللحظي، حيث تستهلك عملية تأمين وجبة واحدة طاقة الفرد العقلية والبدنية طوال ساعات نهاره.

في عمق هذا التحول، انقطع الخيط الرفيع من اليقين الذي كان يربط المواطن بالسوق المحلية حتى في أعتى الظروف السابقة، وقبل اندلاع الحرب في الجوار؛ فحين كانت البلاد تعاني من التضخم التقليدي، كانت الأزمة تقتصر على "تكلفة مفهومة"، وسياق يمكن حسابه والتحايل عليه أو التكيف معه، إذ كانت البضائع متوفرة في المخازن، والأسعار تحافظ على استقرارها النسبي ليومين أو ثلاثة أيام متتالية على الأقل.

أما الآن، فقد انفرط هذا العقد تماما وتحول الوضع إلى انقطاع كامل وعنيف بين القدرة الشرائية للمواطن والأسعار المفروضة في الأسواق؛ إذ تعاني البيئة الاقتصادية من غياب سياسات الحماية، وتخضع السلع لمضاربات يومية تجعل من المستحيل التنبؤ بتكلفة المعيشة لصباح اليوم التالي، مما أدخل المجتمع في حالة من القلق المزمن والاضطراب المعيشي المستمر الذي يهدد السلم الاجتماعي في الصميم.

ديناميكيات الانهيار وشبكات المصالح

إن هذا الانهيار المتسارع الذي يضرب أطنابه في جوبا لا يتحرك في فوضى عشوائية أو غير منظمة كما قد يبدو للمراقب السطحي، فالفوضى في الحروب والأزمات الاقتصادية دائما ما تملك مهندسين ومستفيدين يجيدون توجيهها والعمل معها؛ وكلما ضاق خناق الحلول على الناس العاديين، اتسع المجال لشبكات مصالح معينة، تلتمس أرباحها الطائلة من وسط المعاناة والوجع اليومي للمواطنين.

في هذا السياق، يبرز سماسرة العملة وتجار السوق السوداء الذين يتحكمون في مسارات تحويل الأموال وتحديد أسعار الصرف الموازية، والذين نجحوا في تحويل كابوس تدهور العملة المحلية إلى منجم أرباح لا ينضب؛ إذ يتلاعبون بالمعروض النقدي، ويفرغون الجنيه الجنوبي من قيمته، مستفيدين من غياب الرقابة الصارمة للمصرف المركزي وآليات الضبط المالي.

تكيفت المتاجر والدكاكين الصغيرة في الأحياء مع عدم قدرة السكان على الشراء بالمعايير المعتادة، فابتدعت نظام البيع بالتجزئة المتناهية الصغر، وهو نمط استهلاكي فريد يوضح مدى عمق الأزمة وبؤس الخيارات المتاحة

بالتوازي مع سماسرة العملة، ينشط كبار التجار المستوردين القادرين على تخزين السلع الأساسية بكميات ضخمة في مستودعات محمية، وإعادة إخراجها وضخها في السوق بالتجزئة وبشكل مقنن فور ارتفاع الأسعار؛ هذه الممارسة الاحتكارية تتيح لهم فرض السعر الذي يناسب مصالحهم، مستغلين حاجة المواطن الماسة للغذاء، ومستندين إلى نفوذ أصحاب المناصب العليا الذين يسهلون لهم هذه العمليات مقابل حصص من العوائد.

لا تتوقف شبكة المصالحعند حدود المدن، بل تمتد إلى الطرق والشرايين اللوجستية الرابطة بين جوبا والحدود، حيث يبرز "أمراء الطرق" والمسلحون الذين يفرضون إتاوات وجبايات غير قانونية على كل شاحنة بضائع تعبر نحو العاصمة؛ هذه الجبايات المتعددة والمتراكمة تُضاف مباشرة إلى التكلفة الإجمالية للسلعة، ليدفع المستهلك النهائي في جوبا ثمن هذا الفساد المقنن من قوته وقوت أطفاله.

تؤدي هذه المنظومة المركبة إلى مفارقة اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة؛ حيث يقتل الاحتكار أي فرصة للتجار الصغار وأصحاب المتاجر البسيطة الذين يعيشون برزق يومهم، ولا يقوون على الصمود أمام تقلبات الأسعار أو منافسة الحيتان الكبيرة، ليتأكد للجميع أن الاقتصاد في جنوب السودان لا ينهار عبثا أو نتيجة الصدفة، بل يُدار بطريقة تضمن تحويل الأزمة إلى آلية لإثراء فئة محدودة على حساب سحق الأغلبية.

اقتصاد النجاة واستراتيجيات التكيف

رغم هذا الانسداد اللوجستي، لم تتوقف الحياة في جوبا ولم يستسلم إنسانها، بل ابتدع البسطاء ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد النجاة" كآلية دفاعية موازية بديلة عن منظومة الدولة والأسواق الرسمية الفاشلة؛ حيث تحولت الشوارع والأحياء إلى خلايا عمل صغيرة غير منظمة لكنها حيوية، مدفوعة بغريزة البقاء البحتة والرفض القاطع للموت جوعاً.

في هذا المشهد، تجد المرأة في جوبا تتصدر خطوط الدفاع الأولى عن الأسرة؛ حيث تقف لساعات طويلة تبيع الشاي والقهوة والمأكولات البسيطة على أرصفة الطرقات، لتوفر بضعة جنيهات تشتري بها حق الغداء لأطفالها، متطلعة لتأمين الحد الأدنى من السعرات الحرارية التي تبقي عائلتها على قيد الحياة، وتجنبهم الجوع والفاقة.

على الجانب الآخر، تجد الشاب الذي نال حظا من التعليم، وكان موظفا في مؤسسة ما، قد اضطر لترك مكتبه بعد انقطاع راتبه ليعمل سائقا على الدراجات النارية أو ما يُعرف محلياً بـ "البودا بودا"؛ يركض طوال النهار في شوارع المدينة المزدحمة والخطرة، مخاطرا بسلامته الشخصية ليجني في نهاية اليوم مبلغا زهيدا يسد به بعض الرمق، ويتغلب به على شبح العطالة والتهميش.

لقد تحول التفكير من المدى المتوسط والبعيد إلى المدى اللحظي، حيث تستهلك عملية تأمين وجبة واحدة طاقة الفرد العقلية والبدنية طوال ساعات نهاره

من جهتها، تكيفت المتاجر والدكاكين الصغيرة في الأحياء مع عدم قدرة السكان على الشراء بالمعايير المعتادة، فابتدعت نظام البيع بالتجزئة المتناهية الصغر؛ فبات بإمكان المواطن شراء السكر بـ "المعلقة" والزيت بـ "القطرة" والملح بكميات ضئيلة جدا تناسب الجنيهات القليلة المتبقية في جيبه، وهو نمط استهلاكي فريد يوضح مدى عمق الأزمة وبؤس الخيارات المتاحة.

لكن المعضلة الكبرى تكمن في أن هذا الاقتصاد البديل، رغم أهميته في منع المجاعة الشاملة، يمثل استنزافا مفرطا وقاسيا للجهد البشري، يجعل الفرد يركض بأقصى سرعته فقط ليبقى في مكانه دون القدرة على تحقيق أي تراكم مالي أو تقدم معيشي؛ بل إنه يتغذى على نفسه، حيث يشتري الفقراء السلع بالحبة بأسعار أعلى بكثير من سعرها الإجمالي، ليتحول كفاحهم اليومي غصبا عنهم إلى مادة خام لتغذية أرباح شبكات الريع والاحتكار.

الأبعاد الهيكلية والسياسية للأزمة

يضعنا هذا التشريح الدقيق للواقع المعيشي أمام السؤال المحوري والأكثر إلحاحا: هل ما تشهده جوبا هو مجرد تدهور طبيعي ناتج عن إفرازات الحرب الأهلية، وتوقف خطوط النفط الحيوية، أم أن هناك إرادة ومصلحة سياسية خفية في إبقاء الوضع على ما هو عليه دون معالجة جذرية؟ إن المؤشرات الميدانية تميل للإجابة الثانية، حيث تحول الانهيار من عرض للمرض إلى أداة حكم وإدارة وضبط للمشهد العام.

وعندما نتأمل في كيفية نمو وتضخم شبكات العملة الموازية ومؤسسات الجباية الخاصة مع كل موجة غلاء جديدة، يتضح أن الانهيار بات أداة مُمأسسة لإعادة هندسة المجتمع، وتوزيع الثروة بشكل قسري من الطبقات الدنيا والوسطى إلى الطبقة الحاكمة وحلفائها؛ مما يساهم في سحق أي طبقة وسطى متعلمة قد تمثل نواة للمطالبة بالإصلاح السياسي أو الحقوق الدستورية.

إن إشغال المواطن بتأمين لقمة العشاء وتفاصيل البقاء اليومي يمثل استراتيجية ناجحة تاريخيا لإفراغ المجتمع من طاقته السياسية والنقدية؛ فالفرد الذي يقضي يومه في البحث عن كيس سكر أو جالون ماء لن تتبقى لديه الطاقة أو الوقت للتفكير في قضايا مثل المساءلة، أو الفساد، أو كيفية إدارة العوائد النفطية للبلاد، مما يمنح النخبة مساحة مريحة للاستمرار في نهجها دون ضغوط شعبية حقيقية.

رغم هذا الانسداد اللوجستي، لم تتوقف الحياة في جوبا ولم يستسلم إنسانها، بل ابتدع البسطاء ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد النجاة" كآلية دفاعية موازية بديلة عن منظومة الدولة والأسواق الرسمية الفاشلة

هذا السيناريو ليس غريبا على المنطقة، بل يمثل استنساخا مشوها لتجارب رأيناها تتكرر في الخرطوم ومدني وغيرهما من الحواضر الإقليمية؛ فعندما تضعف الدولة المركزية أو تتواطأ، يولد "اقتصاد الحرب" الذي يبني مؤسساته وجيوشه الموازية الخاصة، وهي مؤسسات تنمو وتزدهر في بيئة الحروب والاضطرابات، ولا مصلحة لها على الإطلاق في إرساء السلام أو استعادة سيادة القانون لأن السلام ببساطة يعني توقف تدفق أموالها غير المشروعة.

يؤدي هذا التشابك بين العسكري والسياسي والتجاري إلى خلق حالة من التبعية الاقتصادية والسياسية المطلقة، حيث يصبح المواطن رهينة للولاءات الضيقة وشبكات الرعاية التي توفر له الأمن الغذائي المؤقت؛ مما يعقد أي مساع دولية أو محلية للإصلاح الهيكلي، ويجعل من الانهيار مشروعا سياسيا طويل الأمد لضمان استمرار الوضع القائم وحماية مصالح القلة على حساب دمار الدولة والمجتمع.

آفاق المستقبل وخيارات البقاء

بناء على هذه المعطيات، فإن السؤال الحقيقي لم يعد كم سينهار من اقتصاد جوبا أو متى سيعلن إفلاسه التام، بل هو: هل سنقبل بأن يظل "اقتصاد النجاة" مجرد آلية للركض في المكان وتأجيل الكارثة، أم أن هناك سبيلا لتحويل هذا الكفاح الشعبي العفوي إلى بذرة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني من الأسفل إلى الأعلى بناء على الإنتاج والتكافل؟

لقد أثبت إنسان جنوب السودان عبر العقود الماضية قدرة خارقة على الابتكار، والتكيف، والصمود تحت أعتى الظروف الأمنية والإنسانية؛ والمشكلة الحقيقية لم تكن يوما في كسل الناس أو قلة كفاحهم، وإنما في وجود منظومة ريعية فاسدة، تلتهم هذا الكدح اليومي عبر الجبايات العشوائية، والغلاء المفتعل، والغياب المتعمد لشبكات الأمان الاجتماعي والمؤسسات القانونية الضامنة.

لا تحتاج جوبا إلى معجزات اقتصادية خارقة لتغيير هذه المعادلة القاتمة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية توقف نزيف الجبايات على الطرقات، وتوفر الحماية للمزارعين والتجار الصغار، وتدعم المشاريع الإنتاجية المحلية لتتحول الطاقة المبذولة في "النجاة اليومية" إلى لبنات بناء لاستقرار اقتصادي دائم ومستدام يحمي الأجيال القادمة من الذل والتبعية.

إلى أن يحدث هذا التحول الجذري وتتغير التوازنات الحاكمة، سنظل نقف في حيرة وحزن دائمين أمام رفوف المتاجر البسيطة، نسأل أنفسنا ذات السؤال الوجودي في كل صباح: نأخذ كيس السكر أم نعيده إلى مكانه؟ لتحدد تلك الإجابة اللحظية البسيطة ما إذا كنا نعيش حياتنا بكرامة وإنسانية، أم أننا نكتفي بمقاومة الموت، وتأجيل خراب هذا البلد يوما بعد يوم.

هكذا تسير تفاصيل الحياة في عاصمتنا جوبا؛ مشهد تراجيدي ينقسم فيه المجتمع إلى قلة تملك النفوذ وتستثمر في الانهيار لتجني الثروات، وأغلبية ساحقة تئن تحت وطأة المعاناة وتكدح طوال نهارها لتكسب القليل الذي يسد الرمق، وسط غياب تام للأفق وحضور طاغٍ لمعركة البقاء اليومي التي باتت السمة الأبرز لملامح المدينة.

المزيد من الكاتب