الجمعة 9 أكتوبر 2026
وصل النائب الثاني لرئيس الوزراء الصومالي، جبريل عبد الرشيد حاجي، بعد ظهر 24 يونيو/حزيران 2026، إلى مطار جومو كينياتا الدولي في نيروبي على متن رحلة قادمة من مقديشو. غير أن موظفي الهجرة الكينيين استوقفوه فور وصوله، بعدما أفادت تقارير عدة بأن جواز سفره الكيني جرى الحصول عليه بطريقة احتيالية. وانتهت الرحلة بترحيله إلى مقديشو، البلد الذي يُفترض أنه يشارك في حكمه.
لم تكن الحادثة معزولة؛ فبعد نحو شهر، تكرر المشهد في المطار نفسه مع وزير الدولة في رئاسة الجمهورية، أبشر بخاري، النائب الأول السابق لرئيس مجلس الشيوخ الصومالي. ففي 26 يوليو/تموز، منعته سلطات الهجرة الكينية من دخول البلاد إثر إثارة تساؤلات بشأن وثائق سفره، قبل أن تعيده على متن رحلة إلى مقديشو. وبينما لم تؤكد الحكومتان الكينية والصومالية رسميًا أسباب الواقعة، استدعت وزارة الخارجية الصومالية السفير الكيني للتشاور في اليوم التالي.
بعد ستة أسابيع من ترحيله، أصبح جبريل أول مسؤول رفيع يمتثل علنًا للمهلة التي حددها الرئيس حسن شيخ محمود في يوليو/ تموز، مخيرًا أعضاء مجلس الوزراء بين التخلي عن جوازات سفرهم الأجنبية والاستقالة. تشير مصادر عدة إلى أن عددًا من الوزراء بدأوا بالفعل استكمال إجراءات مماثلة.
مع أن الحملة تبدو جدية، فإنها لم تصل بعد إلى الطبقات الأعمق في بنية الحكم الصومالية، من المستشارين والموظفين الفنيين إلى غالبية أعضاء البرلمان. ففي هذه الدوائر، لا يؤدي جواز السفر الأجنبي وظيفة وثيقة السفر فحسب، بل غدا أداة بنيوية داخل منظومة الحكم، ومنفذًا جاهزًا للمغادرة عند الحاجة.
تكشف الطريقة التي يلتقي بها كبار المسؤولين الزعماء التقليديين جانبًا من جغرافيا السلطة في مقديشو. فهم لا يذهبون إلى منازل هؤلاء الزعماء أو مناطقهم، بل يستدعونهم إلى الفنادق التي يقيمون فيها، وهي فنادق تكاد جميعها تتركز بالقرب من المطار.
قال موظف في إحدى وزارات مقديشو، طالبًا عدم الكشف عن هويته: "لا يذهبون إلى الأحياء ليروا كيف يعيش المدنيون يومًا بيوم، ولا يدخلون المدينة إلا بعد منتصف الليل، حين تكون الشوارع شبه خالية. وحتى في تلك الساعات، يرافقهم عدد كبير من الحراس العسكريين. وغالبًا ما تنحصر تحركاتهم بين فيلا الصومال ومنطقة المطار".
تكشف شهادة موظف آخر في إحدى الوزارات وضعًا أكثر إثارة للقلق. فبحسب قوله، لا يحضر بعض وزراء الدولة ونواب الوزراء من مزدوجي الجنسية إلى مقار وزاراتهم أصلًا، بعدما نُقلت الأختام الرسمية والوثائق والأدوات الإدارية إلى الفنادق التي يقيمون فيها قرب المطار.
أضاف الموظف: "لا يوجد في مكتب الوزارة سوى سكرتيرة تتولى متابعة الحركة اليومية؛ مَن يدخل مبنى الوزارة ومَن يغادره". وهكذا، انتقلت وظائف الدولة، عمليًا، إلى صالة المغادرة.
لم تبقَ ظاهرة الغياب عن المؤسسات الحكومية في حدود شهادات الموظفين. ففي ديسمبر/كانون الأول 2022، أقرّ الرئيس حسن شيخ محمود علنًا بأن بيانات نظام الحضور البيومتري الحكومي أظهرت وجود 1500 موظف فقط في مكاتبهم، من أصل أكثر من خمسة آلاف موظف مسجل. أما الموظفون الباقون، وعددهم 3500 شخص، أي نحو 70٪ من المدرجين على كشوف رواتب الخدمة المدنية، فكانوا يتقاضون رواتبهم من دون الحضور إلى العمل. ووصفهم الرئيس بأنهم «موظفون وهميون».
لا يمثل جواز السفر الأجنبي عبئًا، بل أصلًا ذا قيمة. لا يستطيع معظم الصوماليين مغادرة بلادهم. ولعل الوقت قد حان كي تعيش النخبة السياسية أيضًا في البلد الذي تحكمه
وأثار هذا الكشف غضبًا واسعًا في أوساط الصوماليين، فيما لاذت الطبقة السياسية بالصمت. وقال أحد شيوخ المجتمع: "لا يربطهم بالصومال سوى مناصبهم الحكومية. وفي اليوم الذي تنتهي فيه تلك المناصب، يستقلون أول رحلة إلى الخارج، حاملين معهم أموالًا طائلة جمعوها خلال وجودهم في السلطة".
لا يمثل جواز السفر الأجنبي سمة هامشية في أوساط الطبقة الحاكمة في الصومال، بل يشكل إحدى أبرز سماتها. فوفقًا لمبادرة «وكيل» المستقلة للمساءلة البرلمانية، كان 105 أعضاء من أصل 275 في البرلمان الاتحادي العاشر عام 2017 يحملون جوازات سفر أجنبية، أي ما نسبته 38٪، ولا يزال كثير منهم يشغلون مقاعدهم حتى اليوم. وفي مجلس الشيوخ، ينتمي 20 عضوًا من أصل 54 إلى الصوماليين العائدين من بلدان المهجر.
تشير التقارير إلى أن جميع رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على الحكومات الانتقالية والاتحادية بين عامي 2000 و2022 كانوا يحملون جنسية غربية ثانية، سواء كانت كندية أو نرويجية أو سويدية. ويُعد رئيس الوزراء الحالي، حمزة عبدي بري، الذي لا يحمل أي جواز سفر غربي، أول استثناء موثّق لهذا النمط الذي استمر أكثر من عقدين.
لم يقتصر أثر هذه الظاهرة على جنسيات المسؤولين أو وثائق سفرهم، بل أسهم أيضًا في تشكيل شبكات النفوذ داخل الطبقة السياسية في مقديشو. فبعض التكتلات تُعرف بصورة غير رسمية بأسماء بلدان المهجر التي أمضى أعضاؤها فيها سنوات المنفى، مثل «المعسكر الأميركي» و«المستعمرة النرويجية» و«الزاوية الكندية». ولا تعكس هذه التسميات مجرد دعابات سياسية متداولة، بل تصف شبكات فعلية تجمعها العلاقات المشتركة وخيارات المغادرة المتاحة، وتؤثر في طريقة توزيع السلطة وتنظيمها داخل البرلمان والحكومة.
في هذا السياق، كشف تحقيق أجرته صحيفة «صوماليلاند كرونيكل» أن علي محمد عمر، المعروف باسم علي بلعد، والذي يشغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، لم يتخلَّ عن جنسيته الأميركية. وعندما سأله الصحفيون عن ذلك، لم ينفِ الأمر، بل قال: «يخدم عملي مصالح الصومال المشروعة، كما يعترف بها المجتمع الدولي، وأي إيحاء بأن ذلك يتعارض مع جنسيتي الأميركية يستند إلى معلومات خاطئة».
وبحسب التحقيق نفسه، تُعد سعدية ياسين حاجي سمتر، التي عملت سابقًا في إدارة قطاع الرعاية الصحية بولاية مينيسوتا الأميركية، وتتولى رئاسة البرلمان بالإنابة منذ يونيو/حزيران 2026، إحدى أبرز الأمثلة على صعود شخصيات من الشتات إلى أعلى مراتب الدولة.
لا يعود المسؤولون السابقون إلى الصومال لمواجهة المساءلة، بل غالبًا ما تكون عودتهم مرتبطة ببدء تشكيل حكومة جديدة وظهور منصب رفيع يمكن التفاوض عليه.
تجسد حالة صلاح أحمد جامع هذه الظاهرة بوضوح مؤلم. فقد بنى جامع مسيرته المهنية كاملة في أوتاوا بكندا، حيث عمل باحثًا ومساعد تدريس في جامعة كارلتون، قبل أن يعود إلى الصومال ويجمع بين منصبي نائب رئيس الوزراء وعضو مجلس الشيوخ.
لا يربطهم بالصومال سوى مناصبهم الحكومية. وفي اليوم الذي تنتهي فيه تلك المناصب، يستقلون أول رحلة إلى الخارج، حاملين معهم أموالًا طائلة جمعوها خلال وجودهم في السلطة
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلن رئيس مجلس الشيوخ فصل جامع رسميًا بسبب تغيبه عن أربع جلسات متتالية من دون تقديم أي تفسير. وكشفت لجنة تحقيق أنه ظل يتقاضى رواتبه وبدلاته على مدى عامين، رغم عدم حضوره الجلسات. وكانت تلك المستحقات ممولة بالكامل تقريبًا من دعم الموازنة الذي يقدمه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما يعني أن دافعي الضرائب الأوروبيين والأميركيين والبريطانيين كانوا يتحملون راتبه في أثناء غيابه.
غير أن القرار لم يصمد سوى ثلاثة أيام، إذ تراجعت عنه الطبقة السياسية، فاحتفظ جامع بمقعده وراتبه، ولم يردّ شيئًا من الأموال التي تقاضاها. ولم يسبق، في تاريخ الصومال الحديث، أن أُجبر مسؤول على إعادة أموال حصل عليها في ظل مخالفات موثّقة.
وهكذا، لا يوفر جواز السفر الأجنبي منفذًا للهروب فحسب، بل يفتح أيضًا طريق العودة في اللحظة السياسية المناسبة؛ عودة تضبط توقيتها الفرص المتاحة، لا الالتزامات المدنية تجاه الدولة والمجتمع.
غير أن الدور الأعمق لجواز السفر الأجنبي لا يظهر داخل البرلمان أو مجلس الوزراء وحدهما. فالعدد الأكبر من حَمَلته يتمركز داخل الطبقة الاستشارية والفنية المنتشرة في أروقة فيلا الصومال ومكتب رئيس الوزراء والوزارات الرئيسية، وهي طبقة لم يشملها إنذار الرئيس حتى الآن.
يتركز حَمَلة الجوازات الأميركية والبريطانية بكثافة في مكاتب الأمن القومي والاتصالات، في حين ينتشر حَمَلة الجوازات الكندية والسويدية داخل وزارات المالية والتخطيط والشؤون القانونية.
أسهم حسين معلم محمود، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي من عام 2022 حتى استقالته في أغسطس 2025، وفقًا للسجلات العامة، في رسم بنية الأمن القومي الصومالي على مدى ثلاثة أعوام قضاها في قلب مؤسسة الرئاسة، وهو يحمل جواز سفر أجنبيًا. كما شغل عبد الرشيد حاشي منصب مدير الاتصالات في فيلا الصومال، بعدما حصل، وفق السجلات المتاحة علنًا، على شهادته من جامعة وينيبيغ الكندية.
تظهر آثار هذا التفاوت بصورة أشد وضوحًا في الرواتب، رغم أنه نادرًا ما يُناقش علنًا. فالمستشار الذي يحمل جواز سفر أجنبيًا وتتولى مؤسسة دولية تمويل راتبه يتقاضى ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار شهريًا، بينما لا يحصل الموظف الحكومي المحلي الدائم، الذي بقي في البلاد خلال سنوات الحرب ولا يملك خيارًا جاهزًا للمغادرة، إلا على بضع مئات من الدولارات.
يعمل الطرفان في المكاتب نفسها، لكنهما لا يُعاملان على قدم المساواة. وعندما ينتهي عقد المستشار أو تتدهور الأوضاع، يغادر البلاد، وتأخذ معه المعرفة المؤسسية التي راكمها خلال فترة عمله.
لا تمثل الجنسية الرسمية سوى جزء من الصورة، فالمؤشر الأكثر دلالة ليس جواز السفر الذي يحمله المسؤول، بل المكان الذي اختار أن تعيش فيه أسرته.
تشير تقارير إلى أن عائلات كثير من أفراد الطبقة الحاكمة تقيم في دول غربية، فيما يسافر المسؤولون بانتظام لقضاء الوقت معها. فالوزير الذي يتلقى أبناؤه تعليمهم في مدارس لندن لا يضع مستقبل أسرته، على مدى ثلاثة عقود، بين يدي نظام التعليم الصومالي. ومستشار الأمن القومي الذي تعيش أسرته في تورونتو لا يربي أبناءه في ظل الظروف الأمنية نفسها التي تسهم قراراته في تشكيلها لبقية الأسر الصومالية.
أما العائلات الصومالية العادية، فلا تملك رفاهية فصل حياتها عن تداعيات تلك القرارات، بل تعيش نتائجها يومًا بيوم، في حين وضع صانعوها أسرهم في مأمن خارج نطاقها.
يحظر دستور الصومال لعام 2026 على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان ورئيس المحكمة العليا حمل جنسية مزدوجة، ويلزمهم بالتخلي رسميًا عن أي جنسية أخرى. كما يمنع كبار المسؤولين من الزواج بأجانب، وهو قيد يتعلق بجنسية الزوج أو الزوجة ولا سابقة له في التاريخ الدستوري للبلاد.
وقد وسّع الإنذار الذي وجهه الرئيس حسن شيخ محمود في يوليو نطاق هذا التوجه ليشمل أعضاء مجلس الوزراء، وظهر بالفعل أول امتثال علني له. غير أن للحملة حدودًا جوهرية تقلص أثرها.
لا يوجد في مكتب الوزارة سوى سكرتيرة تتولى متابعة الحركة اليومية؛ مَن يدخل مبنى الوزارة ومَن يغادره. وهكذا، انتقلت وظائف الدولة، عمليًا، إلى صالة المغادرة
ظل البرلمان بمنأى عنها إلى حد بعيد، إذ يُسمح للنواب بالاحتفاظ بجنسياتهم المزدوجة، ولا يسري الحظر إلا على مَن يسعى إلى تولي رئاسة البرلمان. كما لا تشمل الحملة الطبقة الاستشارية والفنية داخل فيلا الصومال ومكتب رئيس الوزراء ومختلف الوزارات. وإلى جانب ذلك، لا تستند آلية تنفيذ التوجيه المتعلق بأعضاء مجلس الوزراء إلى نص قانوني واضح.
تكتسب هذه الثغرات أهمية أكبر في بلد احتل المرتبة 179 من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2024. فهذا الترتيب يذكّر بأن جواز السفر الأجنبي لا يصنع الإفلات من العقاب، وإن كان يعززه، وأن هذه الظاهرة أقدم منه ولن تختفي بمجرد التخلي عنه.
في المقابل، يحتل جواز السفر الصومالي المرتبة 99 عالميًا على مؤشر «هينلي» لجوازات السفر، ولا يتيح لحامله دخول سوى 32 دولة من دون تأشيرة. لذلك، يمثل التخلي عن جواز سفر غربي تضحية مادية حقيقية بالنسبة إلى مسؤولين اعتادوا التنقل بحرية بين مقديشو ولندن أو مينيابوليس.
لا يمكن إنكار الدور الذي أداه الشتات الصومالي في إبقاء البلاد واقفة. فالحوالات المالية، التي تُقدّر بما يتراوح بين مليار وملياري دولار سنويًا، موّلت احتياجات الأسر والمشروعات الصغيرة على امتداد عقود عجزت خلالها الدولة عن القيام بهذا الدور. وهذه مساهمة حقيقية لا ينبغي إسقاطها من أي تقييم منصف.
لكن الإنذار الرئاسي الصادر في يوليو/حزيران 2026، مهما بلغت جديته، لا يمس سوى السطح الظاهر لبنية أعمق بكثير.
قد يتخلى الوزراء عن جوازاتهم الكينية، وقد فعل نائب رئيس الوزراء ذلك بالفعل. لكن المستشارين الذين يصوغون الاستراتيجية الأمنية للصومال داخل فيلا الصومال سيواصلون حمل الجوازات الأميركية والبريطانية، لأن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يمولان رواتبهم، يفضلان هذا النموذج.
سيواصل المديرون الفنيون العاملون في وزارات المالية والشؤون القانونية حمل الجوازات الكندية والسويدية، لأن المانحين الدوليين يثقون بالمهنيين الحاصلين على مؤهلات غربية وبالأطر التي يعرفونها ويتعاملون معها. كما ستحتفظ غالبية أعضاء البرلمان بجنسياتهم الأجنبية، لأن الدستور يسمح بذلك لجميع النواب باستثناء رئيس البرلمان.
لذلك، لن يختفي جواز السفر الأجنبي من أوساط الطبقة الحاكمة في الصومال، بل سينحسر حضوره في المستوى الوزاري ليستقر في الطبقة الأدنى منه. فهو ليس مجرد وسيلة للمغادرة، بل مفتاح يفتح أبوابًا عديدة؛ إذ يتيح السفر من دون تأشيرة إلى عواصم الدول المانحة، ويعزز المصداقية لدى الشركاء الدوليين، ويشير إلى امتلاك تعليم وتكوين مهني غربيين تكافئهما المؤسسات الدولية بالتمويل والثقة.
وبالنسبة إلى حكومة لا يزال اعتمادها على المساعدات الخارجية كبيرًا وبنيويًا، لا يمثل جواز السفر الأجنبي عبئًا، بل أصلًا ذا قيمة.لا يستطيع معظم الصوماليين مغادرة بلادهم. ولعل الوقت قد حان كي تعيش النخبة السياسية أيضًا في البلد الذي تحكمه.