تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 19 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

جريمة "الخنق الإداري".. كيف تحول الغذاء إلى سلاح حرب في جنوب السودان؟

14 أبريل, 2026
الصورة
جريمة "الخنق الإداري".. كيف تحول الغذاء إلى سلاح حرب في جنوب السودان؟
Share

تواجه جمهورية جنوب السودان فصلاً جديداً من فصول المأساة الإنسانية، حيث كشفت تقارير حقوقية صادمة لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن تورط الجيش الحكومي وقوات المعارضة في تنفيذ استراتيجية ممنهجة لتهجير المدنيين وعرقلة وصول المساعدات الحيوية. فمنذ أواخر عام 2025، تصاعدت وتيرة الانتهاكات عبر إصدار "أوامر إخلاء تعسفية" واسعة النطاق في ولاية جونقلي، مما أجبر أكثر من 280 ألف شخص على الفرار من منازلهم تحت وطأة التهديد والقصف الجوي، في محاولة واضحة لتحويل المناطق المأهولة إلى ساحات معارك مفتوحة دون أدنى اعتبار لحياة السكان.

تشير البيانات الميدانية إلى أن هذه الأوامر لم تكن مجرد إجراءات أمنية، بل كانت مقدمة لعمليات عسكرية اتسمت بالعنف المفرط، حيث وثقت المنظمة حالات قتل واغتصاب ونهب ممنهج للممتلكات عقب إخلائها. الباحثة نياقواه تت بور أكدت أن الضغط المتكرر من السلطات والمعارضة يضع مئات الآلاف في "مرمى الخطر" المباشر، مشيرة إلى أن أطراف النزاع ضربت بعرض الحائط التزاماتها القانونية بحماية المدنيين، سواء قرروا الاستجابة لأوامر الإخلاء أو البقاء في مناطقهم، مما يعزز فرضية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

تجسد المشهد الدامي بوضوح في مقاطعة نيرول، حيث استهدف القصف الحكومي بلدة "لانكيين" الخاضعة للسيطرة المعارضة، مما أسفر عن سقوط ضحايا بين أطفال ومسنين في الأسواق المحلية. هذه الهجمات لم تتوقف عند الأهداف المدنية فحسب، بل امتدت لتطال البنية التحتية الإنسانية بشكل مباشر؛ إذ تعرض مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود لقصف دمر مستلزماته الطبية وأصاب طاقمه، رغم أن إحداثيات المنشأة كانت معلومة ومسلمة لجميع الأطراف المعنية، ما يعكس استهتاراً كاملاً بالحصانة التي تمنحها القوانين الدولية للمنشآت الطبية.

على الصعيد اللوجستي، تتبع السلطات في جوبا بالتوازي مع قوات المعارضة سياسة "الخنق الإداري"، حيث تم فرض منطقة حظر طيران فوق مناطق حيوية تسيطر عليها المعارضة، مما أدى إلى شلل تام في عمليات إجلاء المرضى وإيصال الإمدادات المنقذة للحياة. كما تسببت الإجراءات البيروقراطية المتناقضة والتعجيزية في تعليق عمل عشرات المرافق الصحية التابعة لليونيسف، فضلاً عن توثيق عشرات حوادث النهب للمساعدات الغذائية، مما يحول سلاح التجويع إلى أداة ضغط سياسي وعسكري فعالة في الصراع.

يظهر أن الأزمة في جنوب السودان قد تجاوزت حدود النزاع السياسي التقليدي لتصبح حرباً معلنة على مقومات الحياة الأساسية للمدنيين. إن إصرار الأطراف المتصارعة على استخدام المهجرين كدروع بشرية أو وقود للمعارك، مع تضييق الخناق على المنظمات الدولية، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حرج؛ فاستمرار الإفلات من العقاب في جرائم القصف العشوائي والتهجير القسري لن يؤدي إلا إلى تعميق جراح ولاية جونقلي وتحويلها إلى منطقة منكوبة خارج حدود السيطرة الإنسانية.