تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

جنوب السودان يعلن 22 ديسمبر موعدا لأول انتخابات بعد الاستقلال.. فما هي مسارات الحل؟

29 يونيو, 2026
الصورة
جنوب السودان يعلن 22 ديسمبر موعدا لأول انتخابات بعد الاستقلال.. فما هي مسارات الحل؟
Share

في خطوة وضعت الجدول الزمني السياسي لجنوب السودان على المحك، أعلنت اللجنة الوطنية للانتخابات رسميا يوم الاثنين، 22 ديسمبر/كانون الأول 2026، موعدا لإجراء أول انتخابات عامة في تاريخ البلاد منذ استقلالها عام 2011. جاء هذا الإعلان، الذي قدمه رئيس اللجنة البروفيسور ابنديقو أكوك كشول من المقر الرئيسي في جوبا، ليدشن عدّاً تنازليا مدته ستة أشهر تفرضها القوانين المحلية، وسط بيئة سياسية واقتصادية معقدة للغاية، تثير تساؤلات المجتمع الدولي بقدر ما تفتح بابا للفرص والحلول الجارية خلف الكواليس.

يأتي هذا الإعلان نتاج التمديد الرابع للفترة الانتقالية الذي أقرته حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية المُعاد تشكيلها في سبتمبر/أيلول 2024، والذي أرجأ الاستحقاق الانتخابي من أواخر عام 2024 إلى نهاية عام 2026. ورغم أن تحديد الموعد يمنح العملية شرعيتها الإجرائية، إلا أنه يضع البلاد أمام ممر ضيق يغص بالتحديات التشريعية والمالية والأمنية.

لفهم حجم المهمة التي تواجهها أحدث دولة في العالم، يجب النظر إلى المعادلة الانتخابية من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: القانون والمال والأمن.

استندت اللجنة الوطنية في إعلانها إلى المادة 16 من قانون الانتخابات الوطنية لعام 2012 (المعدل عام 2023)، والتي تلزمها بنشر الموعد قبل ستة أشهر على الأقل من انطلاقه. ورغم الالتزام الزمني بهذا الجدول الزمني، يرى مراقبون أن وراء هذا الإجراء "ثغرات وتناقضات" إطارية واضحة؛ فالبرلمان مطالب بإدخال تعديلات إضافية عاجلة لتفعيل اللوائح. في المقابل، تؤكد المعارضة الرئيسية استحالة إجراء الانتخابات دون التنفيذ الكامل للبنود الأساسية في الاتفاقية، بالتزامن مع محاكمة رياك مشار، وعدد من رفاقه بجوبا في قضية الناصر.

إن نجاح ديسمبر 2026 لا يتوقف على توفر الـ 250 مليون دولار فحسب، بل على مدى قدرة الأطراف السياسية على تحويل الحوار المرتقب إلى تسوية تاريخية تضع مصلحة الاستقرار فوق الحسابات الحزبية الضيقة

تظهر المؤشرات الرسمية فجوة تمويلية هائلة تهدد تشغيل العمليات اللوجستية في بلد يعاني من ضعف البنية التحتية؛ حيث يبلغ إجمالي الميزانية الانتخابية المطلوبة حوالي 250 مليون دولار. وفي مقابل هذه الميزانية التقديرية الضخمة لتغطية العمليات في كافة الولايات، لم تتلقَ اللجنة حتى الآن سوى 21 مليون دولار، مما يعني أن المبالغ المستلمة تمثل أقل من 10٪ من الاعتمادات المطلوبة لإجراء الاقتراع.

أما بالنسبة للتمويل الطارئ الأخير، فقد أوضح رئيس اللجنة أنهم استلموا مبلغ 6 ملايين دولار مؤخرا، وجرى توزيعه بالتساوي بين الولايات والمناطق الإدارية الثلاث، بواقع 250 ألف دولار لكل ولاية ومنطقة إدارية.

تضع هذه المعطيات اللجنة أمام خيار وحيد وهو المضي قدما بخطة التنفيذ مع مراعاة جدول زمني واقعي للانتخابات، وسط شروط دولية صارمة؛ حيث ربطت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أي دعم مالي مستقبلي للانتخابات بمدى التزام الحكومة بتمويل العملية من مواردها العامة أولا، وضمان تمويل الخدمات الأساسية والرواتب بشكل متواز.

تصر قيادة الرئيس سلفا كير ميارديت على أن الانتخابات هي المخرج الوحيد لإنهاء الحكومات الانتقالية المتعاقبة، والانتقال إلى إدارة شرعية مستدامة فور انتهاء الاتفاق

تصر قيادة الرئيس سلفا كير ميارديت على أن الانتخابات هي المخرج الوحيد لإنهاء الحكومات الانتقالية المتعاقبة، والانتقال إلى إدارة شرعية مستدامة فور انتهاء الاتفاق. وفي المقابل، يبدي معسكر المعارضة ولا سيما الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة بقيادة النائب الأول للرئيس، رياك مشار، الذي يخضع حاليا للاحتجاز والمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى مخاوف جدية بشأن سلامة الجدول الزمني، مشيراً إلى بنود جوهرية في اتفاقية السلام لعام 2018 لم تستكمل بعد، وعلى رأسها إنهاء دمج ونشر القوات الأمنية الموحدة لحماية مراكز الاقتراع والناخبين.

رغم قتامة المؤشرات الرقمية، فإن المقاربة البناءة للمشهد تكشف عن حراك سياسي ودبلوماسي مكثف، يستهدف تفكيك هذه الأزمات عبر مسارات عملية ملموسة.

يمثل التوافق السياسي العقدة الأكبر، والحل يبدأ من مبادرة أفريقية واعدة؛ فقد أعلن منتدى التفاعل الأفريقي الرفيع المستوى في جوبا عن إطلاق حوار وطني شامل برعاية الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) وبعثة الأمم المتحدة (أونميس).

الميزة الاستراتيجية لهذا الحوار أنه لن يقتصر على الأطراف الموقعة على اتفاقية 2018 فحسب، بل يمتد ليشمل الجماعات غير الموقعة وحركات المعارضة في الخارج. ويقود هذه الوساطة الرئيس التنزاني السابق والممثل السامي للاتحاد الأفريقي، جاكايا كيكويتي، الذي أجرى مشاورات مكثفة في دار السلام وجوبا مع طيف واسع من القوى المدنية والسياسية لتهيئة مناخ التوافق قبل انطلاق الجلسات الرسمية.

أعلنت اللجنة الوطنية للانتخابات رسميا يوم الاثنين، 22 ديسمبر/كانون الأول 2026، موعدا لإجراء أول انتخابات عامة في تاريخ البلاد منذ استقلالها عام 2011

تشير خبرات اللجنة الوطنية للانتخابات إلى أن بعض المعضلات اللوجستية يمكن حلها بمرونة عالية إذا توفر الاستقرار؛ حيث يوضح البروفيسور أكوك أن عملية تسجيل الناخبين، استناداً إلى التجارب السابقة، لا تتطلب أكثر من شهر واحد لإنجازها بالكامل، شريطة التركيز على المراكز الحضرية الكثيفة ونشر سجلات الناخبين فوراً للاطلاع العام لتعزيز الشفافية. كما تخطط اللجنة لزيارات ميدانية عاجلة للمناطق الحساسة والمتنازع عليها مثل "أبيي" لبناء قنوات اتصال مباشرة مع المجتمعات المحلية وإدماجها في العملية الانتخابية.

تحولت الضغوط الغربية من خانة التلويح بالعقوبات إلى خانة "الدعم المشروط البناء"؛ حيث عبرت المملكة المتحدة عن رغبتها في رؤية انتخابات تمنح مواطني جنوب السودان حق محاسبة قادتهم، لكنها اشترطت ألا تكون الانتخابات مجرد حدث عابر بل عملية ديمقراطية شاملة تمنع العودة إلى مربع العنف. هذا الموقف، إلى جانب الموقف الأمريكي، يدفع النخبة الحاكمة في جوبا للاستخدام الرشيد للإيرادات العامة للنفط والموارد الذاتية لإثبات الجدية، مما يمهد الطريق لتدفق المساعدات الفنية الدولية واللوجستية من الأمم المتحدة.

في يونيو/حزيران خلال زيارة خاصة قام بها الرئيس سلفاكير إلى مسقط رأسه قال: إن "كل اتفاق سلام له جدول زمني محدد، ويتوجه الناس إلى صناديق الاقتراع عند انقضاء مدته". لكنه لم تجنب التطرق إلى المتطلبات الأساسية لقيام الانتخابات.

يواجه جنوب السودان في الأشهر الستة المقبلة اختبارا تاريخيا؛ فبينما يرى المراقبون السياسيون والمجتمع المدني أن الثغرات الإجرائية والمالية قد تهدد نزاهة الاستحقاق، فإن انطلاق الحوار السياسي الشامل والتحركات الإقليمية يمثلان شبكة أمان حقيقية. إن نجاح ديسمبر 2026 لا يتوقف على توفر الـ 250 مليون دولار فحسب، بل على مدى قدرة الأطراف السياسية على تحويل الحوار المرتقب إلى تسوية تاريخية تضع مصلحة الاستقرار فوق الحسابات الحزبية الضيقة.