تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

جنوب السودان... عسكرة السياسة وتسييس العرق يفشلان بناء دولة ما بعد الاستقلال

24 نوفمبر, 2025
الصورة
جنوب السودان... عسكرة السياسة وتسييس العرق يفشلان بناء دولة ما بعد الاستقلال
Share

يظل استقلال أو انفصال جنوب السودان عن الوطن الأم (السودان)- نموذجا لدولة التحرر الوطني، التي فشلت في الانتقال إلى دولة مستقرة. إذ لم يكد يمضي عامان من تشكيل تلك الدولة، حتى أدخلتها النخب العسكرية والسياسية في دوامة صراعات طاحنة، برز فيها للعرق والانتماء الإثني- القدح المعلى في تسعير نيرانها، قبل أن يتذوق مواطنو الجنوب طعم الإحساس بوطن واحد موحد، يمثل محطّ آمالهم وطموحاتهم. يتأكد هذا المشهد من خلال قراءة كتاب "العرق والانتماء الإثني والعنف في جنوب السودان"، الذي يروي قصة هذا البلد بتفاصيلها.

طبعت دار نشر بالغريف ماكميلان (Palgrave Macmillan) في نيويورك بالولايات المتحدة- كتاب "العرق والانتماء الإثني والعنف في جنوب السودان" Race, Ethnicity, and Violence in South Sudan، للأكاديمي أمير إديس، (2024) الذي يعمل بشعبة التاريخ، في جامعة فوردهام في نيويورك.

يهدف الكتاب إلى فهم كيف، ولماذا أصبح "محررو" جنوب السودان مرتكبي عنف بدوافع عرقية؟ وكيف، ولماذا اندلع العنف فور استقلال جنوب السودان؟ ولماذا سلّح "المحررون" الهوية العرقية، واختاروا العنف للحفاظ على سلطتهم، وامتيازاتهم بعد حصولهم على الاستقلال السياسي في يوليو/ تموز 2011؟ وما العوامل، التي دفعتهم إلى الانخراط في العنف ضد المدنيين؟ يمهد المؤلف قبل الإجابة عن تلك الأسئلة بأن الحجة الرئيسية لهذا الكتاب- تتمثل في أن عنف ما بعد الاستقلال في جنوب السودان له علاقة كبيرة بتاريخ تشكيل الدولة في السودان، الذي شكلته أفكار وحجج مختلفة لها جذورها في تاريخ العبودية والاستعمار، والاختلافات الثقافية "الشرقية"، والنضال من أجل التحرير الوطني.

يتشكل الكتاب من ستة فصول رئيسية. وباستثناء الفصل الأول- فإن بقية الفصول، يفكك كل فصل منها ثلاثة مواضيع رئيسية، تتمثل في: استكشاف مفهوم الهويات العرقية والإثنية؛ وتقاطع التحرر الوطني والقومية والدولة والأمة؛ ومسار مقترح لإعادة تصور مجتمع سياسي يتجاوز العرق والإثنية.

انفصال جنوب السودان وصدمة القادة الأفارقة

يشير مؤلف الكتاب في مفتتح الفصل الأول، الذي حمل عنوان "مقدمة"، إلى أن عام 2011- شهد نقطة تحول في تاريخ السودان. إذ في ذلك العام، وبينما كان القادة الأفارقة يسعون جاهدين لتجديد صورة القارة الأفريقية من خلال رؤية الوحدة والنهضة الأفريقية- انفصل جنوب السودان. لذا، اعتُبر انقسام السودان إلى دولتين انتكاسة للرؤية الواعدة لأفريقيا جديدة.

لقد أصبح انفصال جنوب السودان ممكنًا بفضل اتفاق سياسي بين الأطراف المتحاربة لإنهاء أطول حرب أهلية في أفريقيا. وبمساعدة الولايات المتحدة، وقّعت حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان (الجيش الشعبي لتحرير السودان) اتفاقية السلام الشامل عام 2005 لإنهاء عقدين من الحرب الأهلية. وقد ضمنت الاتفاقية حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، ومكّنته من التصويت في استفتاء على استقلاله عن السودان في يوليو/تموز 2011. ومع ذلك، انزلق جنوب السودان، إلى حرب أهلية في ديسمبر/ كانون الأول 2013، بعد عامين فقط من حصوله على استقلاله.

تبين للمؤلف أن صعود القومية العنصرية في السودان- كان نتاجًا للتأريخ العنصري لأفريقيا، الذي شكّلته الفرضية الحامية

ناقش المؤلف في هذا الفصل جملة من القضايا، هي: إعادة النظر في الهوية والعنف؛ ونقاشات حول العبودية والعرق والانتماء الإثني؛ وتقاطع الهوية والتحرر الوطني والدولة؛ وإعادة صياغة العرق والانتماء الإثني والدولة القومية، وذلك من ناحية نظرية بحتة أولا، وثانيا بالتطبيق على قارة أفريقيا. فضلا عن تناول المؤلف منهجية البحث المستخدمة في الكتاب كبحث وتصميمه. فقد أبان أن هذا الكتاب كبحث يتكون من ثلاث مراحل، المرحلة الأولى: درس فيها فهرسًا شاملاً للنصوص، التي تناولت السودان وجنوب السودان. والمرحلة الثانية: اعتمد فيها على مواد تتضمن أدلة من تقارير حقوق الإنسان، وروايات الصحفيين، وأعمال كتبها باحثون آخرون درسوا جنوب السودان. والمرحلة الثالثة: فحص فيها الأدلة النصية، التي تم جمعها من المصادر الأولية، التي كتبها أفراد من جنوب السودان، ومنظمات عرقية، تمثل المجتمعات المتضررة من العنف.

المشروع الاستعماري واختراع جنوب السودان

تعمّق المؤلف في الفصل الثاني، الذي حمل عنوان "اختراع جنوب السودان"- في نقاش التفسيرات المتضاربة لأزمة جنوب السودان. وسلّط الضوء بشكل نقدي على البناء الخطابي لجنوب السودان على أنه "متخلف" و"بدائي" و"ما قبل حداثي"، في العقليات الاستعمارية، وما بعد الاستعمارية. في هذا الفصل أبان المؤلف أن الهويات العرقية والإثنية، التي أعادت الدولة الاستعمارية، وما بعد الاستعمار تشكيلها في التاريخ الأوسع للسودان- كانت جوهرية في المشروع الاستعماري لاختراع الجنوب ككيان قائم بذاته. وقد جعل تشكيل هذه الهويات تسييس العرق في جنوب السودان اليوم- ممكنًا إلى حد كبير بسبب الطريقة، التي تم بها "شرقنة" الاختلافات الثقافية من خلال المعرفة الاستعمارية، والقواعد الإدارية الاستعمارية، وسياسات الإقصاء ما بعد الاستعمارية.

وفقا لمؤلف الكتاب- فإنَّ ظهور الشمال كمنطقة "عربية" وإسلامية، تسكنها مجموعة ثقافية مميزة، على الرغم من تنوعها العرقي- ساهم في تحديد الجنوب بصورته المتناقضة "أفريقي" ومسيحي. ويُعبِّر هذا التفكير حاليًا عن جنوب السودان، ويُمثِّله ثقافيا وأيديولوجيا كأسلوب خطابي ذي مؤسسات ومفردات وصور وتمثيلات داعمة. وقد ابتكرت الدولة هذه المفردات والصور والتمثيلات، وحافظ عليها المجتمع من خلال الممارسات السياسية، والاجتماعية على مدار القرن الماضي، وحتى فترة ما بعد استقلال جنوب السودان. ولاحظ المؤلف أنه عند قراءة الأدبيات المتعلقة بتاريخ الحروب الأهلية في السودان- أن الكثير من الكتابات تميل إلى قراءته من منظور عرقي أنتجه خطاب استشراقي. وأن هذا الخطاب يركز على الفئات العرقية "الأفريقية" و"العربية" موضوعات للتحليل، ومحرك للتاريخ.

إن مشكلة جنوب السودان، تكمن في أن الهويات العرقية والقبلية- ما تزال مُسيّسة، ومرتبطة بالقومية كأساس للمجتمع السياسي والاستحقاقات. كما يخلص إلى أنه هناك طريقة واعدة لمواطني جنوب السودان، لإعادة تفسير تاريخهم، وإعادة اختراع أنفسهم

بعد أن ناقش المؤلف قضايا: جنوب السودان المُستشرق؛ و"عربي"/إسلامي مقابل "أفريقي"/مسيحي“؛ وقراءة ما بعد الاستعمار لأزمة جنوب السودان- خلص إلى أنه ينبغي على سكان جنوب السودان- البحث عن طرق إبداعية للتعامل مع المفهوم الاستعماري للتاريخ والهوية، ولقاءاتهم مع الاستعمار والحداثة. كما خلص إلى أنه لا يمكن تحديد معنى الهويات العرقية والإثنية، وحصرها في فضاءات ثابتة.

تداعيات ترسيخ مفاهيم العرق والانتماء الإثني

يقدم المؤلف في الفصل الثالث، وعنوانه "تشكيل دولة عرقية"- من جهة، فهمًا لاختراع العرق والإثنية في سياق تشكيل الدولة في السودان، وجنوب السودان. وذلك أن مجموعة كبيرة من المؤلفات- تبنّت التمييز الأساسي بين الشمال والجنوب، كنقطة انطلاق للتحليل؛ مما أدى إلى تشويه ثقافة وتاريخ جنوب السودان. ومن جهة أخرى حلّل المؤلف العملية التاريخية، والسياسية لبناء العرق والإثنية، وعلاقتهما بتشكيل الدولة والعنف السياسي. وفي هذا الصدد، شرح المؤلف كيف مكّنت العبودية المحلية، وسياسة الإدارة الأهلية من ترسيخ مفاهيم العرق، والانتماء الإثني في نسيج كلا مجتمعي السودان وجنوب السودان، وكيف ساهم مشروع بناء الدولة الاستعماري في تشكيل العرق؟

يرى المؤلف، تأسيسا على ذلك، أن بناء دولة عرقية في السودان- لم يبدأ مع الغزو البريطاني عام 1898، بل بدأ بأفكار وسياسات محلية لأولئك، الذين اعتنقوا الإسلام والهوية العربية في حقبة ما قبل الاستعمار. وذلك أن في السودان ما قبل الاستعمار- سادت أفكارٌ حول أهمية المعتقدات الدينية والأنساب، ومكان الأصل في تحديد الوضع الاجتماعي للأفراد. وقد لعبت هذه الممارسات التقليدية للإسلام واللغة العربية، وفقا لمؤلف الكتاب- دورًا أساسيًا في رسم خرائط المجتمعات السودانية، قبل الاستعمار وترتيبها، وتحديد مكانة وامتيازات لمن ادّعوا صلاتهم بالإسلام، والشرق الأوسط.

وفي إطار تركيز مؤلف الكتاب على قضية "الاستعمار البريطاني ومأسسة العرق والقبيلة"- يرى أنه، بينما خلق إرث ما قبل الاستعمار من الاستعباد فئتين من السكان في السودان (الأحرار والقابلين للاستعباد)- فإن السياسة الاستعمارية البريطانية- حوّلت وشرعنت هاتين الفئتين لتثبيت الهويات العرقية، والقبلية العربية مقابل الزفريقية. وفي النهاية، خلقت عملية تشكيل الدولة والهوية هذه دولة عرقية، حيث تم تعيين بعض الجماعات في وضع أدنى فيما يتعلق بالدولة، بينما سمحت للآخرين بالوصول إلى الامتيازات والسلطة والثروة.

السودان الجديد.. ضامن الوحدة ومؤمّن الاستقلال!

تتبع المؤلف الفصل الرابع (القومية العنصرية وبناء الأمة)- تاريخ وسياسات القومية المناهضة للاستعمار، وحركات التحرر الوطني في جنوب السودان منذ خمسينات القرن الماضي. ودرس الأسس الفكرية لتلك الحركات، وتأثيراتها على تشكيل التاريخ الاجتماعي والسياسي المعاصر لجنوب السودان. وركّز المؤلف على كيفية صياغة النخب السياسية لمسألة العرق. وأوضح كيف حاولت المرحلة الثانية من نضالات التحرير (1983-2005) التي قادتها الحركة الشعبية لتحرير السودان، دون جدوى، تحويل الأساس الفكري للحركة من التركيز على أساس عرقي، إلى تركيز متمحور حول المواطنة.

تبين للمؤلف، في هذا السياق- أن صعود القومية العنصرية في السودان- كان نتاجًا للتأريخ العنصري لأفريقيا، الذي شكّلته الفرضية الحامية. ويدّعي هذا النوع من التأريخ أن أفريقيا كانت "متحضرة من الخارج، حيث قام مهاجرون ذوو بشرة فاتحة أو ملامح دقيقة من الشمال بتمدين أهل الجنوب". وافترض التأريخ الاستعماري، والقومي السائد في السودان أن التعريب (انتشار اللغة والثقافة والأنساب العربية)- كان نتيجة للهجرة العربية من خارج السودان.

لعبت الممارسات التقليدية للإسلام واللغة العربية، وفقا لمؤلف الكتاب- دورًا أساسيًا في رسم خرائط المجتمعات السودانية، قبل الاستعمار وترتيبها، وتحديد مكانة وامتيازات لمن ادّعوا صلاتهم بالإسلام، والشرق الأوسط

ركّز المؤلف في هذا الفصل على أربع قضايا جوهرية، هي: القومية العربية الإقصائية؛ وصعود القومية الإفريقية؛ وبناء الأمة والعنف بعد الاستقلال؛ ومن الإفريقية إلى السودانية. وقد اتضح له بعد أن غطّى تلك القضايا عرضا ونقاشا وتحليلا- أن نقد جون قرنق لما بعد الاستعمار- دعا إلى هوية سودانية موحدة، تحميها مواطنة شاملة، تبتعد عن الهويات العرقية والإثنية المُسيّسة، التي أدت إلى الحرب الأهلية في المقام الأول. وقد لاقى نموذج السودان الجديد استحسانًا في الشمال، وعلى العكس من ذلك في الجنوب. فبينما عدّه كثير من السكان في الشمال ضامنا لسودان موحد- اعتبرته شريحة كبيرة من سكان الجنوب وسيلةً لكسب سلطة سياسية أكبر، وتأمينا للاستقلال.

النخب السياسية وفشل الانتقال إلى دولة ما بعد الاستقلال

أوضح المؤلف في الفصل الخامس، وعنوانه "العنف الإثني كسياسة - مذبحة ديسمبر 2013"- العملية التي تشكلت من خلالها الحركة الشعبية لتحرير السودان، وكيف تم تشكيل حرب التحرير، وثقافتها السياسية وإدارتها. كما أوضح كيف تبنّت النخب السياسية في جنوب السودان- المشروع الاستعماري البريطاني لبناء الدولة، وبناء الأمة. إضافة إلى ذلك أوضح المؤلف كيف أن استخدام اللغة الانقسامية (المحررون مقابل غير المحررين)- لخلق "الآخر"، لاستبعاد الأقليات المصطنعة من الدولة القومية. والهدف هو إظهار كيف أدى هذا النوع من اللغة والسياسة إلى مذبحة المدنيين في أعقاب المواجهات العسكرية في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2013.

أبان مؤلف الكتاب أنه من مفارقات عنف ما بعد الاستعمار- أن رعايا المستعمرات السابقة غالبًا ما يلجأون إلى مواطنيهم، بعد نيل الاستقلال والسيادة، لارتكاب أعمال وحشية من التطهير العرقي، والإبادة الجماعية، كوسيلة للاستيلاء على السلطة الحكومية واحتكارها، ورفض التنوع، وإسكات المعارضة. ووفقا للمؤلف يُجسّد اندلاع العنف العرقي في جنوب السودان بعد الاستقلال هذه المفارقة التاريخية.

تبين للمؤلف من خلال تركيزه على قضايا: التعبئة العرقية والعنف بعد عام 1983؛ واتفاقية السلام الشامل CPA؛ وجنوب السودان كمرحلة انتقالية فاشلة- أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في جنوب السودان، ساءت منذ الاستقلال بالنسبة للمواطنين العاديين. لذلك، فشل الانتقال إلى دولة وأمة ما بعد الاستقلال؛ لأن قادة جنوب السودان تبنوا سردية قومية عرقية، بدلاً من مجتمع سياسي متحرر من الاستعمار بهوية وطنية. وفي هذه السردية، وفقا لرؤية مؤلف الكتاب- ترى النخب السياسية والعسكرية على المستوى الوطني نفسها كزعماء عرقيين وقبليين، ولكل منهم ميليشياته الخاصة، التي تتعهد بالولاء لمجموعاتها العرقية. ويؤدي القادة المحليون واجباتهم العامة كزعماء قبائل، ويشرفون على شؤون "السكان الأصليين"، نيابة عن حكومة في جوبا، بدلاً من الخرطوم.

مستقبل جنوب السودان: إعادة قراءة التاريخ وإعادة النظر في الدولة

يختتم المؤلف من خلال الفصل السادس (إعادة صياغة جنوب السودان)- الكتاب برسم مسار لإعادة اختراع جنوب السودان، من خلال إعادة تقييم إرث العبودية والاستعمار، بالإضافة إلى فخّ نضالات التحرير الوطني. وقد تجلت هذه القضايا في عسكرة السياسة، وتسييس الهوية الثقافية، وخاصة العرقية، مما أدى إلى تشكيل دولة استبدادية في جنوب السودان بعد الاستقلال. ويذهب المؤلف أنه بعد أكثر من عقد من الاستقلال- بات جنوب السودان على شفا التفكك. فقد شردت الحرب ملايين المدنيين، وخيّم شبح المجاعة على السكان، وتواصل النخب السياسية، من خلال ميليشياتها التابعة- ارتكاب فظائع مروعة ضد المدنيين.

من خلال تفكيك المؤلف لمكونات بنية قضايا: الدولة القومية والعنف؛ وإعادة التفكير في العدالة والمصالحة؛ والمجتمع السياسي والمواطنة- تبيّن له أن الحرب الأهلية في جنوب السودان- تعد مظهرًا من مظاهر أزمة سياسية ناجمة عن فشل جماعي للقادة، الذين يسعون إلى الحفاظ على سلطتهم السياسية، وامتيازاتهم الاقتصادية بالعنف. ووفقا للمؤلف- فشلت حركة التحرير الوطني، بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في بناء ثقافة وطنية، كان من شأنها تمكين شعب جنوب السودان، ليس فقط من نيل الاستقلال، بل أيضًا من تحرير عقولهم.

يخلص المؤلف إلى أن مشكلة جنوب السودان، تكمن في أن الهويات العرقية والقبلية- ما تزال مُسيّسة، ومرتبطة بالقومية كأساس للمجتمع السياسي والاستحقاقات. كما يخلص إلى أنه هناك طريقة واعدة لمواطني جنوب السودان، لإعادة تفسير تاريخهم، وإعادة اختراع أنفسهم. وأنه لا يمكن تصور عملية إعادة الاختراع هذه دون الالتزام بإعادة النظر في الدولة والأمة، وإعادة سرد تاريخ جنوب السودان، لفهم كيف أنتج التاريخ الهوية والعنف وتشكلا سياسيًا. إن الهوية والعنف ليسا نتاجًا للطبيعة أو البيولوجيا، بل هما نتاج تواريخ متعددة، تُشكّل جغرافيتها البشرية المُمزّقة والمشوّهة. وهذا النهج من شأنه أن يُمهّد الطريق لأفق فكري وسياسي جديد- يُمكّن جنوب السودان من تحرير تصوره عن نفسه، وإعادة تصور تاريخه، وجغرافيته البشرية، وفتح آفاق مستقبل أكثر إنسانية، وفقا لرؤية المؤلف.

الحق أن هذه جولة في كتاب مهم، حاول مؤلفه تشخيص حالة جمهورية جنوب السودان، آخر الدول بروزا في قارة أفريقيا. وقد كشف المؤلف من خلال قراءته المتعمقة لهذه الحالة- مواطن العلل، وحدد إمكانية العلاج، من خلال "روشتة" تبدو محتوياتها مرة المذاق, ولكنها حتمية. وأتبع ذلك بتوصيات لتجنب إعادة إنتاج تلك العلل المهلكة مرة أخرى مستقبلا.