الخميس 12 مارس 2026
يواجه المشهد السياسي في جنوب السودان تحديات معقدة إثر عودة القتال إلى ولاية جونقلي؛ حيث يهدد المتمردون بالسيطرة على مدينة "بور". إن هذا التصعيد العسكري لا يهدد الأمن الميداني فحسب، بل يمتد أثره ليعمق الانقسام السياسي، ويضع العصا في دولاب العملية الانتخابية المرتقبة.
يتوقع أن تحتدم المواجهات بعد قرار الجيش الحكومي، قوات الدفاع الشعبية لجنوب السودان (SPLA)، حسم المعركة في سبعة أيام، وتهديد مقاتلي الجيش الشعبي لتحرير السوداني-في المعارضة (SPLA-IO) بالزحف نحو العاصمة جوبا. جاءت هذه التطورات فاضحة لاستمرار الانقسام السياسي الموروث عن الاستقلال، فتوقفت الحرب، لكن المناوشات لم تتوقف، ما يهدد بالعودة إلى الحرب الأهلية.
انفصلت جنوب السودان بعد سنوات طويلة من الصراع مع النظام السوداني، حيث نجحت الحركة الشعبية لتحرير السودان في كسب معركة الاستقلال عن الخرطوم، لكنها فشلت في معركة بناء الدولة الوطنية. فبعد سنتين من محطة الاستقلال، ستنجر دولة جنوب السودان إلى مواجهات مباشرة بين معسكرين، إذ سرعان ما انقلب حلفاء الأمس أعداء، فبرزت حركات ومليشيات مسلحة اثنية، خاضت مواجهات ممتدة لسنوات، وتحول صراع هوياتيا وعرقيا وقبليا، مدعوما من دول الجوار؛ أوغندا مع سلفا كير والسودان مع مشار.
كانت كل الآمال معلقة على بناء دولة مستقلة متقدمة، تعول بالأساس على استثمار الموارد الطبيعية، متمثلة في الاحتياطات النفطية لإرساء دعائم الاستقرار، وتجاوز تحديات أطول حرب أهلية بالقارة، غير أنها سقطت في المحظور. فقد قسمت الاضطرابات السياسية البلد إلى معسكرين؛ أحدهما معسكر رئيس الجمهورية سيلفا كير مياديرت، والأخر معسكر رياك مشار، النائب الأول للرئيس.
يتأكد بأن تحركات سلفا كير غير بريئة، فهو يهندس الساحة السياسية للبقاء في الحكم باسم الحرب أحيانا، واللحظة السياسية الصعبة، بالتأجيل السياسي وإقصاء المنافسون أحيانا أخرى
بدأت أطوار تلك الاضطراب بعد إقالة رياك مشار في يوليو/تموز 2013، عقب قراره المشاركة في الانتخابات المقررة عام 2015، واتهامه بمحاولة الانقلاب على النظام. حينها اندلعت اشتباكات بين أنصار الزعيمين، وتحول الخلاف استقطابا اثنيا، بعد مساندة المجموعة العرقية الدينكا، وهي كبرى المجموعات، لسالفا كير الذي ينحدر منها، ومؤازرة المجموعة العرقية النوير لريك مشار، وهي ثاني المجموعات الاثنية بالبلد.
انزلق البلد إلى فوضى حرب أهلية، بعد اتهام الرئيس سلفا كير نائبه وحلفائه بالتآمر ضده والخيانة، ما أسفر عن خسائر بشرية ومادية باهظة. كانت دوامة العنف والعنف المتبادل بهواجس عرقية، واستمرت خمس سنوات، ثم توقف عقب وقف إطلاق النار الدائم واتفاق السلام يوليو/تموز 2018، حيث أعيد تعيين مشار نائبا للرئيس، وتشكيل حكومة انتقالية.
إن القبول الظاهري بالتسوية السياسية لم يكن سوى مناورة، لم تنجح في تحجيم تطلعات السيطرة المطلقة لدى الطرفين. فالمناوشات المتقطعة التي ميزت المرحلة الماضية سرعان ما تحولت إلى انفجار عسكري واسع النطاق، تجاوز في حدته كافة المعايير المسجلة منذ قرابة العقد، مما يضع المنطقة أمام الانتكاسة الأمنية الأخطر منذ عام 2017 وفقاً للتقديرات الأممية.
تجدد القتال بعد الهجوم المفاجئ في مارس/آذار الماضي الذي نفذته ميليشيات "الجيش الأبيض"، وتتكون من اثنية النوير، على قاعدة عسكرية بمدينة الناصر في ولاية أعالي النيل، فكان مؤشرا على تهديد اتفاق السلام. كما كان حجة لنظام سلفا كير لاتهام ومحاكمة مشار وثلة من رفاقه بتهم الخيانة العظمى، وأحيت هذه التحولات الصراع الخامد بين المعسكرين.
هنا نشير إلى أن خلافاتهما ليست وليدة هذه السنوات، بل تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، بعد انشقاق مشار عن الحركة ومعارضته الزعيم السابق جورج قرنق، وتشكيل "فيصل الناصر"، حيث يتخذ من مدينة الناصر مقرا لحركته، والذي يتهم بارتكاب هجمات ضد قبيلة الدينكا في مدينة بور، وهي قبيلة سيلفا كير.
في الأسابيع القليلة الماضية، سيتجدد الصراع والاستقطاب بينهما، وبذات الخلفية، فمشار يعارض الرئيس سيلفا كير، ويتهم معسكره بمحاولة إنشاء حكم سلطوي عائلي، عماده دائرة ضيقة من المقربين، يتزعمهم صهره، وابنته أدوت كير، وموالين قبليين من الدينكا، وهاجسهم إقصاء المنافسين.
يستعد الجيش في جنوب السودان لإطلاق عملية عسكرية ضد قوات المعارضة في ولاية جونقلي، افتتحها بدعوة المدنيين لإخلاء المناطق في ثلاث مقاطعات بجونقلي، ووجه طلبا للمنظمات الدولية والإنسانية لإخلاء المنطقة، وحدد قائد الجيش سبعة أيام مهلة لإنهاء هذا الهجوم.
أعلنت الأمم المتحدة إدانتها لهذا الخطاب التحريضي الذي يدعو الى سحق التمرد والعنف ضد المدنيين ردا على تهديد الجنرال جونسون أولوني، نائب رئيس أركان الجيش، بعدم التهاون والتصدي للمتمردين بما فيهم الأطفال وكبار السن والمدنيون، وطمأنت الحكومة الجميع بتأكيدها أن الخطاب مجرد "زلة لسان"، ولا يعكس سياستها. بينما اعتبر وزير الإعلام والمتحدث باسم الحكومة، أتيني ويك أتيني، بأن العملية إجراء قانوني وضروري، يرمي وقف تقدم المتمردين، متهما إياهم بتقويض العملية الانتقالية.
رغم أن الطريق نحو صناديق الاقتراع يبدو محفوفاً بالتحديات نتيجة حالة الاستقطاب المجتمعي، إلا أن تفعيل "مفوضية الانتخابات" وتعزيز الضمانات القانونية، بالتوازي مع دمج وتسريح المقاتلين، يظل المسار الإجباري الوحيد لوضع جوبا على طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي الصحيح
بعيدا عن التصريحات السياسية، وقريبا من المناوشات الميدانية، توسعت المواجهات بين الفريقين قبل أسابيع استمرارا لمواجهات متواصلة منذ سنوات، وتدهورت الأوضاع الأمنية بعد انتقال متمردي المعارضة شمالا إلى ولاية جونقلي، عقب محاولاتهم السيطرة على البلدات بالمنطقة.
عادت جونقلي لتتصدر المشهد العسكري مجددا، وهي التي كانت مهد الصراع في عام 1983. فمع سيطرة قوات المعارضة على بلدة باجوت شمالي الولاية، أصبح الخطر يهدد العاصمة بور بشكل مباشر، مما أدى إلى تصاعد التهديدات المتبادلة، وتوتر عسكري متسارع يصعب التكهن بنهاياته.
تحولت ولايات أعالي النيل، شمال شرقي البلاد، إلى ساحة للمعارك بين الحكومة والمعارضة السياسية، والتي تزخر باحتياط نفطي، يقدر بأن التحركات جاءت كمحاولة لاستغلال عائدات النفط. تشكل جونقلي إحدى ولاياتها الثلاثة، وتبعد عاصمتها، مدينة بور، بثلاث ساعات بالسيارة عن العاصمة جوبا، وكانت أولى المدن التي سيطرت عليها المعارضة في النزاع السابق. وقد تجدد الصراع في الآونة الأخيرة للسيطرة عليها، إذ زحف إليها مقاتلو المعارضة، مهددين بالانتقال إلى العاصمة، وأمام صعوبة هذا الأمر، ينظر لتحركات باعتبارها ورقة من أجل الضغط لإطلاق سراح مشار.
شهدت الساحة السياسية تصعيداً ميدانياً جديدا إثر اعتقال رياك مشار في ربيع 2025، حيث وجد نفسه تحت الإقامة الجبرية في مواجهة اتهامات بانتهاكات إنسانية ينكر ضلوعه فيها. وقد اعتبرت هذه الخطوة، وما تبعها من عزل لزوجته أنجلينا تيني من وزارة الداخلية، بمثابة المسمار الأخير في نعش التوافقات السياسية التي كانت تضمن استقرار حكومة الوحدة الوطنية.
أدى نجاح المعارضة في إعادة تنظيم صفوفها، والسيطرة على مناطق واسعة قبل أشهر إلى عودة المواجهات العسكرية. وقد تسبب هذا التصعيد في تدهور الوضع الإنساني، ووضع عقبات كبيرة أمام مسار الحل السلمي والمصالحة.
أعلن الجيش عن تحضيرات لإطلاق "عملية السلام الدائم" المرتقبة بعد أن وصلت المعارضة إلى حدود العاصمة، وستكون معركة فاصلة. أيا كانت النتائج، فالحاجة الحقيقية ليس إلى معارك بمسميات سلمية، إنما للسلام الحقيقي والالتزام بالتسوية السياسية. يتطلب ذلك العودة إلى المسار السياسي، وفق بنود اتفاق السلام لعام 2018، حيث نجح في إنهاء الحرب الطويلة.
المناوشات المتقطعة التي ميزت المرحلة الماضية سرعان ما تحولت إلى انفجار عسكري واسع النطاق، تجاوز في حدته كافة المعايير المسجلة منذ قرابة العقد، مما يضع المنطقة أمام الانتكاسة الأمنية الأخطر منذ عام 2017 وفقاً للتقديرات الأممية
صحيح أن الاتفاق ولد هشا، وعاش مترنحا بسبب الخروقات المتكررة، بالرغم من تتويج بتشكيل حكومة وحدة وطنية، غير أنها فشلت في إغلاق قوس المواجهات. كما لم يستكمل مسار المصالحة، وإدماج المليشيات، وستشتد بعد اعتقال مشار وسبعة من حلفائه، لأن ذلك نهاية مبدئية للاتفاق. كما أن محاكمته نهاية لمعادلة التوازنات، وقد تؤدي إلى تسريع الانزلاق لمواجهات أهلية وإحياء الصراع السياسي على السلطة والموارد.
تُعد استحقاقات ديسمبر/كانون الأول 2026 حجر الزاوية لتأمين المسار الانتقالي في جنوب السودان، حيث يتطلب العبور نحو الاستقرار تجاوز مربع الصراعات الإثنية والسياسية عبر مصالحة شاملة. ورغم أن الطريق نحو صناديق الاقتراع يبدو محفوفاً بالتحديات نتيجة حالة الاستقطاب المجتمعي، إلا أن تفعيل "مفوضية الانتخابات" وتعزيز الضمانات القانونية، بالتوازي مع دمج وتسريح المقاتلين، يظل المسار الإجباري الوحيد لوضع جوبا على طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي الصحيح.
مهما يكن من أمر، يتأكد بأن تحركات سلفا كير غير بريئة، فهو يهندس الساحة السياسية للبقاء في الحكم باسم الحرب أحيانا، واللحظة السياسية الصعبة، بالتأجيل السياسي وإقصاء المنافسون أحيانا أخرى، ورغم الإقرار بموعد جديد للعملية، يصعب التكهن بإمكانية إجرائها في التاريخ المقرر الأخير، وغالبا ما سيكون القرار التأجيل، مادامت الرهانات الأساسية لدى الدائرة الضيقة لنظام سلفا كير كيفية الانتقال إلى الخليفة الجديدة، لاسيما بعد الحديث المتكرر عن أزمات صحية واشاعات عن وفاته، تعتبر مجمل هذه التحركات محاولة حقيقية لإقصاء مشار والمعسكر المؤيد له، وتعيين حلفائه والمقربين منه، والحديث عن فسح المجال أمام بول ميل لخلافة سلفا كير.
بالنهاية، ستتوقف المعارك يوما وسيتصافح القادة، لكن متى سيكون الرهان على إسكات البنادق لصالح التنمية. فلم يتحقق هذا الاستقرار الموعود بانفصال الجنوب السوداني، وللمفارقة، لم تنتهي مأساة السودان –الأم- وحربه الدموية الدائمة، كأنهم موعودون بحتمية صراع الأخوة-الأعداء، فلم تصمد التوافقات وسقطت كل الوعود لصالح غواية العودة إلى الاقتتال مجددا، وفي كل مرة نرى من يدفع الثمن.