تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 6 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

جنوب السودان بعد 14 عامًا من الاستقلال: سلام غائب وأزمات متواصلة

16 مايو, 2025
الصورة
جنوب السودان
Share

تستعد دولة جنوب السودان بعد شهرين للاحتفال بالذكرى الرابعة عشرة لاستقلالها عن السودان، إلا أن هذه السنوات لم تشهد سلامًا حقيقيًا أو استقرارًا دائمًا. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية في ديسمبر/كانون الأول 2013 بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه آنذاك د. رياك مشار، تعثّرت مساعي بناء الدولة، رغم التوصل إلى في اتفاقية السلام المنشطة (R-ARCSS)، والتي وُقّعت في أديس أبابا برعاية هيئة "إيغاد" في سبتمبر/ أيلول عام 2018.

بنود الاتفاقية: أمل مهدد بالتآكل

نصت الاتفاقية على تقاسم السلطة، حيث احتفظ سلفاكير بمنصب الرئاسة، بينما شُكّلت حكومة انتقالية تضم خمسة نواب للرئيس، من ضمنهم د. رياك مشار. وتضمنت الاتفاقية ترتيبات أمنية مفصلية، مع وقف لإطلاق النار، وتشكيل جيش وطني موحد، وبرامج لإعادة الدمج والتسريح. إضافة إلى جملة من الإصلاحات دستورية، وتنظيم انتخابات كان من المفترض أن تُجرى عام 2020، لكنها تأجلت أكثر من مرة، وصولًا إلى إعلان سلفاكير في فبراير/ شباط 2025 تمديد فترة ولايته عامين؛ أي حتى فبراير/ شباط 2027.

منذ توقيع الاتفاقية، لم تُظهر الأطراف التزامًا جادًا حول بنودها، خصوصًا ما يتعلق بالترتيبات الأمنية، واستمر غياب الثقة المتبادلة، وسط توترات واشتباكات متكررة في مناطق مختلفة من البلاد. كما بقيت فصائل معارضة مهمة خارج الاتفاق، من بينها مجموعة "باقان أموم" و"بول مالونق"، التي دخلت لاحقًا في محادثات سلام جديدة، عُرفت بـ"اتفاقية تومانيني" بوساطة كينية، لكنها توقفت بعد انسحاب وفد الحكومة في فبراير/ شباط الماضي .

جذور الأزمة الجديدة: أحداث ما قبل 26 مارس

بدأت التوترات في ولاية أعالي النيل في فبراير/شباط الماضي، عندما تم استبدال القوات المشتركة الموجودة في منطقة ناصر بقوة تابعة للجيش، يقودها الفريق جونسون أولونج، نائب رئيس هيئة الأركان، واللواء ديفيد مجور داك، الذي قُتل في 7 مارس/أذار في حادث إطلاق نار على طائرة تابعة للأمم المتحدة، كانت تُجلي أفرادًا من المنطقة.

يرتبط أولونج بميليشيا "أقويليك"، التي قاتلت في الحرب الأهلية ضد كل من الحكومة والمعارضة. وقادت معارك دامية ضد الجيش الأبيض عام 2013. لم يكن أولونج جزءا من اتفاقية 2018، ولكنه وقّع عام 2022 اتفاقًا مع الحكومة نص على العفو عن قواته، ودمجها في الجيش الرسمي. كما منحهم مناصب سياسية، وحدّد حدود مناطق الشلك الإثنية وفقا لخريطة 1956. بالمقابل، ينتمي الجيش الأبيض، إلى إثنية النوير، ما أضفى بُعدًا عرقيًا إضافيًا على النزاع.

إقالة الحاكم الموالي للمعارضة، وتعيين شخصية موالية للحكومة يشير إلى أن الرئيس سلفاكير يتحرك منفردًا لتقويض الاتفاق، مستغلًا توازنات قبلية وانقسامات المعارضة، في محاولة لبناء تحالفات جديدة وتفكيك القديمة

في 19 مارس/أذار، أقال الرئيس سلفاكير الحاكم جيمس أدوك أوياي (من المعارضة) وعيّن جيمس كوانغ شول الموالي له، في خطوة اعتُبرت خرقًا للاتفاقية التي تمنح المعارضة حق تعيين حكام بعض الولايات. وفي 26 مارس/أذار، قامت قوة عسكرية باعتقال رياك مشار من منزله، ونُقل إلى مكان مجهول بعد تجريد حراسته من السلاح. وفقًا لوزير الإعلام مايكل مكوي، فإن مشار متهم بدعم ميليشيات الجيش الأبيض وزعزعة الأمن في منطقة ناصر.

اتفاقية على حافة الانهيار: تقويض تقاسم السلطة

تشكّل هذه الخطوات ضربة مباشرة لبنية اتفاقية 2018، التي قامت على مبدأ تقاسم السلطة. لا يحق دستوريًا استبدال نائب الرئيس (مشار) أو اختيار قيادة جديدة لحزبه دون قرار داخلي من الحركة الشعبية في المعارضة (SPLM-IO).

في سياق متصل، عقدت مجموعة من أعضاء الحركة اجتماعًا في جوبا في 9 أبريل/نيسان، وأعلنت تعيين ستيفن بار كوال رئيسًا مؤقتًا للحركة. وقد رُفِض هذا التعيين من قبل نائب رئيس الحركة في المنفى أويت ناثانيال بيرينو، الذي اتهم كوال بالتآمر مع سلفاكير للإطاحة بمشار.

ورغم أن لجنة تنفيذ السلام في جوبا اعترفت بقيادة كوال، إلا أن هذه الخطوة عمّقت الانقسامات داخل المعارضة. واعتبر د. بيتر أدوك نيابا في مقابلة له مع راديو مرايا أن هذا التعيين يعد "انقلابًا سياسيًا مدبّرًا من خارج الحركة"، محذرًا من أنه يُفكك الإطار المتبقي لتنفيذ اتفاقية السلام المنشطة.

يترافق التفكك داخل المعارضة مع تصاعد الاشتباكات في أعالي النيل، وتوسّع دائرة العنف بين الجيش الأبيض وقوات الجيش الرسمي. كما أن إقالة الحاكم الموالي للمعارضة، وتعيين شخصية موالية للحكومة يشير إلى أن الرئيس سلفاكير يتحرك منفردًا لتقويض الاتفاق، مستغلًا توازنات قبلية وانقسامات المعارضة، بينما يستقطب شخصيات من المعارضة السابقة، مثل لام أكول عبر تعيينه وزيرًا للنقل، في محاولة لبناء تحالفات جديدة وتفكيك القديمة.

يأتي هذه في ظل تداول شائعات حول رغبة الرئيس سلفاكير في التنازل عن السلطة، بسبب تدهور صحته وتسليمها لنائبه بول ميل الذي عين في فبراير/ شباط الماضي، بعد أن قام كير بإقالة اثنين من نوابه، وتعين بول ميل وجوزفين لاقو بدلهم. لكن وزارة الخارجية الجنوب سودانية أصدرت بيانا، في 14 مايو/أيار الجاري، ينفي خبر تدهور صحة الرئيس، وأشار إلى أن الرئيس يباشر أعماله بشكل جيد، وهو في تمام الصحة والعافية. 

الوضع الإنساني: نيران السياسة تلتهم السكان

منذ أبريل/نيسان، شهدت مناطق ناصر وفنيكانق وتونجا وفنجاك وأولانق، اشتباكات دامية أدت إلى تدمير البنية التحتية الصحية هناك، منها مستشفى أولونغ التابع لأطباء بلا حدود، مما دفع المنظمة إلى مغادرة المنطقة. كما تعرض مستشفى آخر لأطباء بلا حدود في فنجاك لهجوم في 3 مايو/أيار الجاري، أسفر عن إصابات في صفوف المدنيين.

لقد أدى النزاع، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، إلى نزوح نحو 80,000 شخص من أعالي النيل، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى فرار 23,000 لاجئ إلى إثيوبيا. كما سُجّلت اشتباكات في ولايات أخرى، مثل: غرب ووسط الاستوائية وولاية الوحدة، ما يعكس تصاعدًا شاملًا للعنف.

تحركات دولية عاجلة ونتائج محدودة

في ظل تفاقم الوضع، أغلقت عدة سفارات أجنبية أبوابها في جوبا، ففي 16 أبريل/ نيسان الماضي، قدّم المبعوث الأممي نيكولاس هايسوم إحاطة لمجلس الأمن، محذرًا من خطر اندلاع حرب أهلية جديدة، معتبرًا أن اتفاق عام 2018 لا يزال الإطار الوحيد القابل للتطبيق.

دعا مجلس الأمن الدولي في 8 مايو/أيار الجاري إلى إنهاء القتال فورا في دولة جنوب السودان، بعد أن تجددت المعارك في الأسابيع الأخيرة، وجدد  المجلس لعام إضافي تفويض مهمة حفظ السلام في البلد. في الوقت الذي امتنع روسيا والصين وباكستان عن التصويت دعا المجلس أطراف النزاع الدخول في حوار سياسي فوراً، اتهمت منظمة هيومن رايتس واتش بدورها جيش جنوب السودان باستخدام الطيران والبراميل المتفجرة.

هذه الخطوة عمّقت الانقسامات داخل المعارضة. فهذا التعيين يعد "انقلابًا سياسيًا مدبّرًا من خارج الحركة"، ما يحذر من تفكيك الإطار المتبقي لتنفيذ اتفاقية السلام المنشطة

قام رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، ونائب الأمين التنفيذي للإيغاد، محمد علي واريسو، بزيارة رسمية إلى جوبا، بتاريخ 5-6 مايو/أذار الجاري، اجتمعا خلالها بالرئيس سلفا كير وكبار المسؤولين الحكوميين. ركزت المحادثات على الحفاظ على مكتسبات اتفاق السلام المنشط لعام 2018، وتعزيز الحوار الوطني الشامل، وتسريع تنفيذ خارطة الطريق الانتقالية. كما أكد الوفد على أهمية الالتزام بالحوكمة الشاملة وتعزيز الثقة الوطنية.

في ظل الانقسامات السياسية، والضبابية حول مصير مشار، واستمرار النزوح والصراع المسلح، تبدو البلاد على شفا انهيار الاتفاقية التي كانت بمثابة أمل الهشيم الأخير. الحرب الجديدة لن تكون فقط نتيجة فشل النخب السياسية في التفاهم، بل انعكاسًا لبنية الدولة الضعيفة وانعدام الثقة، وتضارب المصالح السياسية والقبلية، وفقدان الرغبة في بناء دولة القانون والمؤسسات. إن لم يتحرك صناع القرار الآن باتجاه سلام حقيقي وجاد، فإن جنوب السودان مهددة بالعودة إلى الهاوية من جديد.