الأحد 9 أغسطس 2026
إذا كان مؤتمر «اليسار» الذي عُقد في قبل أيام يقدم عينة مما تستطيع القوى التقدمية عرضه اليوم، فليس على التحالف الديمقراطي، حزب المعارضة الرئيسي من يمين الوسط في جنوب أفريقيا، أن يقلق كثيرا. بل لعلّه يطمئن. فعلامتا التنصيص حول كلمة «اليسار» ليستا تفصيلا أسلوبيا، بل ضرورة سياسية، لأن أكبر القوى التي حضرت ذلك التجمع لا يمكن، بأي معنى جاد، اعتبارها قوى يسارية. كانت أصواتها الأعلى في القاعة، لكنها لم تمنح الحدث قوة ولا معنى، بل جعلت صداه أجوف، كأن ضجيجه كله يعلن فراغه.
كان لافتا للانتباه ذلك التنظيم العالي الذي ظهر به وفد أومخونتو وي سيزوي (إم كيه)، وهو الحزب الذي عرف بعدم استقراره وبأنه لا يكاد يتحتفظ بقائد بارز لأكثر من شهرين. يحمل هذا الاسم إرثا تاريخيا ثقيلا؛ إذ كان يمثل الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي إبان زمن الفصل العنصري، قبل أن يعيد الرئيس السابق جاكوب زوما إحياءه عام 2023 ليطلق به حزبه المنشق، وذلك في أعقاب ملاحقته قضائيا من قبل المؤتمر الوطني الأفريقي التحرك لملاحقته قضائيا في قضايا فساد.
في اليوم الأول، تحدث توني «مرسيدس» ينغيني نيابة عنهم، وهو مسؤول الانضباط الحزبي السابق في المؤتمر الوطني الأفريقي، والذي سُجن سابقا بتهمة الاحتيال إثر قبوله سيارة مرسيدس-بنز بسعر مخفض من شركة أسلحة خلال صفقة مشتريات حكومية. أما في اليوم الثاني، فقد جرت مناورات لإيصال زوما نفسه إلى المنصة، لكنهم فشلوا، وكان ذلك من حسن حظ المؤتمر.
يصعب العثور، في العقود الثلاثة الأخيرة، على شخصية ألحقت بالطبقة العاملة في جنوب أفريقيا ضررا أعمق من الضرر الذي ألحقه زوما. فقد تصرف دائما بدوافع ضيقة وفاسدة، واستخدم سلطته الرئاسية لتسليم وظائف تنفيذية داخل الدولة إلى عائلة إجرامية، وفتح الباب أمام موجة نهب واسعة اخترقت مؤسسات الدولة، وأفرغتها من معناها وقدرتها، ودفعت الخدمات العامة إلى الانهيار، ومحَت عقدًا كاملًا من النمو وفرص العمل. وحين أطاح به حزبه نفسه ووجد نفسه أمام استحقاق أفعاله، حاول التحريض على انقلاب، ولم ينجح كثيرا. لكنه نجح بدرجة أكبر في تأجيج تمرد شعبي خلّف مئات القتلى، وبدّد مليارات إضافية من الراند من الاقتصاد.
ليس «إم كيه» حزبًا بالمعنى السياسي، بقدر ما هو الحاشية الموسعة لزوما. إنه تنظيم شُيّد على صورته، وصيغ وفق نزواته، وتحول إلى عربة مترنحة تجمع رجال عصابات ومحتالين يخون بعضهم بعضًا، ويغش بعضهم بعضا، ويسرق بعضهم بعضا بشراهة كان يمكن أن تبدو مضحكة لو لم تكن مأساوية. حتى العائلة لم تسلم من هذا المنطق، فقد ارتبطت إحدى أكثر فضائحه فجاجة باتهامات طاولت ابنة زوما في قضية اتجار بأبناء عمومتها لصالح جماعات مرتزقة روسية.
يمثل «إم كيه» واحدًا من أكثر وجوه الانحطاط الأخلاقي عمقًا داخل الطبقة السياسية في جنوب أفريقيا، ولو عرف نيلسون مانديلا وجو سلوفو ووالتر سيسولو، وهم من رموز حركة التحرر الذين أسسوا أومخونتو وي سيزوي الأصلي عام 1961، نصف ما يُرتكب اليوم باسم المنظمة التي أسسوها، لتقلبوا في قبورهم.
لم يكن «إم كيه» وحده حاضرًا في ذلك المشهد. ففي اليوم الأول برز أيضًا عدد من أمراء الفساد المحليين. تحدث آيس ماغاشولي، أحد أبرز وجوه الاستحواذ على الدولة والمساعد السابق لزوما، باسم حزبه «المؤتمر الأفريقي من أجل التحول». كان ماغاشولي قد أدار حكومة مقاطعة فري ستيت طوال عقد تقريبًا كأنها إقطاعية شخصية للمحسوبية وتوزيع الولاءات، قبل أن يعلّق المؤتمر الوطني الأفريقي عضويته. أما حزبه الحالي، فيبدو في جوهره أقرب إلى فرع محلي من «إم كيه» في فري ستيت منه إلى مشروع سياسي مستقل.
الأكثر إثارة للقلق كان حضور إيروين جيم على المنصة؛ فجيم هو الأمين العام التاريخي للاتحاد الوطني لعمال المعادن في جنوب أفريقيا، المعروف باسم «نومسا»، وهي نقابة كانت يوما من أكبر نقابات البلاد وأكثرها نضالية. وقبل أكثر قليلًا من عقد، قادت «نومسا» محاولة سابقة لتوحيد اليسار خارج المؤتمر الوطني الأفريقي. بدت تلك المحاولة في بدايتها واعدة، لأنها فتحت أفقا لجمع النقابات والحركات المجتمعية والأحزاب الاشتراكية التي ظلت طويلًا مشتتة في زوايا منفصلة من الحياة السياسية. لكن ما بدأ كفرصة لبناء يسار مستقل انتهى إلى تجربة مأزومة، كشفت أن المشكلة لم تكن فقط في تشتت اليسار، بل في نوع القيادات التي تدّعي تمثيله.
بدت الأيام الأولى لتلك المبادرة واعدة، فقد جمع «التحالف المتحد» نقابات وحركات مجتمعية وأحزابا اشتراكية ظلت لسنوات طويلة موزعة على أطراف متباعدة من المشهد السياسي. كان ثمة، في البداية، ما يوحي بإمكان ولادة يسار مستقل، أوسع من الأطر الحزبية التقليدية، وأكثر اتصالًا بالحركات الاجتماعية وقواعد العمال. لكن ما تلا ذلك من نشاط ديمقراطي ذاتي، ومن محاولات لتنظيم القواعد خارج السيطرة الفوقية، كان أكبر مما يستطيع الزعيم النقابي احتماله.
بدعم مالي من الملياردير التقني الأمريكي روي سينغهام، خنق إيروين جيم تلك التجربة في مهدها. أجهز على «التحالف المتحد» واستبدله بـ«حزب العمال الاشتراكي الثوري»، وهو تنظيم طليعي صغير صُمم حول سلطته الشخصية أكثر مما صُمم حول مشروع سياسي جماعي. وكما كان متوقعًا، انهار الحزب خلال سنوات قليلة. أما صوت «اليسار» الدولي في مؤتمر نهاية الأسبوع الماضي، فقد مثله حليف جيم الوثيق في هذه المسارات، فيجاي براشاد، رجل سينغهام ووكيله السياسي في هذا المجال.
ينبغي أن تكون الحجة ضد حزب «مقاتلي الحرية الاقتصادية»، ثالث أكبر حزب في جنوب أفريقيا، أقل حدة قليلًا من الحجة ضد «إم كيه»، لكن قليلًا فقط. فعلى خلاف «إم كيه»، تتحرك الأيديولوجيا الرسمية لمقاتلي الحرية الاقتصادية، في ظاهرها على الأقل، داخل حدود السياسة اليسارية بصورة أكثر اتساقًا، وإن كانت يسارية تنتمي في معظمها إلى بدايات القرن العشرين. يبدأ العطب من رأس الحزب، لكنه لم يبتلع القاعدة كلها بعد. فداخل التنظيم طبقة غير قليلة من الناشطين القاعديين الذين تبدو التزاماتهم أكثر صدقًا وجدية من أي شيء تستطيع قيادته أن تمثله.
لو عرف نيلسون مانديلا وجو سلوفو ووالتر سيسولو، وهم من رموز حركة التحرر الذين أسسوا أومخونتو وي سيزوي الأصلي عام 1961، نصف ما يُرتكب اليوم باسم المنظمة التي أسسوها، لتقلبوا في قبورهم
غير أن الديمقراطية هي سلاح الضعفاء في مواجهة الأقوياء، وهؤلاء الرفاق محرومون من هذا السلاح داخل حزبهم نفسه. فـ«مقاتلو الحرية الاقتصادية»، مثل معظم القوى المدرجة في هذا المشهد، حزب رجل واحد. وهذا الرجل، جوليوس ماليما، مؤسس الحزب وقائده العام، لا يختلف كثيرا عن الآخرين في تقديم المصالح والشبكات على السياسة. إنه أحد كبار اللاعبين في الاقتصاد غير الرسمي للمحسوبية واقتناص الريع، ذلك الاقتصاد الواسع الذي ظل ينخر المجال السياسي في جنوب أفريقيا طوال العقود الثلاثة الماضية.
لذلك، لم يكن إدراج هذه المجموعات في المؤتمر مجرد خطأ تنظيمي أو سوء تقدير عابر، بل كان إهانة سياسية حقيقية لكل مندوب حسن النية حضر بحثا عن إمكان جاد لإعادة بناء اليسار، وإهانة كذلك للتقاليد العريقة للسياسة التحررية في جنوب أفريقيا، تلك التقاليد التي كان يفترض أن يستند إليها المؤتمر لا أن يفرغها من معناها.
لا أملك تفسيرا قاطعا لما دفع منظمي الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي إلى اتخاذ هذا القرار، فالقراءة الأكثر سخاء قد ترى فيه رغبة ساذجة في الانفتاح، ومحاولة لتجنب رسم حدود الائتلاف قبل أن تقول القواعد والمنظمات كلمتها. أما القراءة الأقل سخاءً، فهي أن المسافة بين الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي، وهو نفسه ليس منزّهًا تمامًا عن رائحة الفساد، وبين «يسار» المحسوبية ضاقت إلى درجة جعلت هذا الاختيار يبدو طبيعيًا لا صادمًا.
آمل أن تكون القراءة الأولى هي الأقرب إلى الحقيقة. ومع ذلك، يصعب تجاهل احتمال أن قادة الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي، وهم يتخذون هذا القرار، اختاروا تنحية تحفظاتهم جانبًا أمام القوة الظاهرة لأحزاب المحسوبية. وهي قوة قد تبدو مغرية في لحظة ضعف اليسار وتشتته، لكنها في العمق من النوع الذي لا يرمم السياسة التحررية، بل يبتلع ما تبقى منها.
لكن «إم كيه» و«مقاتلو الحرية الاقتصادية» ضعيفان في كل ما يحتاجه اليسار، وقويان في كل ما ينبغي له أن يخشاه. فقد جرّ حضورهما مستوى النقاش إلى أسفل، وأغرق أصوات الناشطين القاعديين الذين كانوا يحاولون، بشيء من اليأس، إنقاذ معنى مفيد من ذلك التجمع.
طُلب مني أن أقدم ملاحظات تمهيدية في إحدى الجلسات، وكانت مخصصة للاستراتيجية الاقتصادية. وقد صادف أنني أمضيت جزءًا كبيرًا من الأسبوع السابق في قراءة أعداد قديمة من «ذا شوبستيوارد»، مجلة مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا، ومن «نشرة العمل الجنوب أفريقية»، في سياق مشروع بحثي. كانت الفترة التي أركز عليها، أي أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، لحظة الذروة في تاريخ اليسار الجنوب أفريقي.
كان مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا (كوساتو)، في ذلك الوقت العمود التنظيمي لواحدة من أكثر القواعد الشعبية تعبئة في العالم. كانت حركة عمالية بالملايين، ذات هياكل راسخة في أماكن العمل، وروابط عميقة بالحركات الاجتماعية والمدنية، وثقة سياسية ولّدتها طبقة نجحت في هزيمة نظام اضطهاد امتد ثلاثة قرون. ولم تكن هذه القوة تنظيمية فقط، بل انعكست أيضا في الحياة الفكرية للحركة. كان النقاش في تلك السنوات عميقا ومعقدًا لأنه نشأ من مواجهة حية مع السلطة، وحملته منظمات اضطرت إلى التفكير بجدية، لأنها كانت كبيرة ومؤثرة بما يكفي لأن تكون لأفكارها عواقب.
استخدمت مداخلتي لأدعو الرفاق إلى العودة إلى تلك اللحظة من تاريخنا، لا بوصفها ذكرى رومانسية، بل بوصفها درسًا في الجدية الاستراتيجية. لم تُستقبل الملاحظات بحفاوة. كان أول من رد شخصية قيادية في حزب «مقاتلي الحرية الاقتصادية». سأل لماذا فشل «كوساتو» إن كان يتمتع بكل ذلك النضج الاستراتيجي. ثم قدم إجابته، وكانت مبسطة إلى حد مخدّر. في رأيه، نسي منظرو الحركة العمالية الأساسيات، أي ضرورة الاستيلاء على الأرض ووسائل الإنتاج. ومن هنا، قال، ينبغي أن تبدأ استراتيجيتنا الاقتصادية.
حدّد ذلك مسار النقاش اللاحق. أخذ عدد كبير من المتحدثين يتساءل لماذا لسنا، كما قال أحدهم، «مهووسين بما يكفي» باستعادة الأرض. وعلى المنوال نفسه، ذهب آخر إلى القول إن «المشكلة الرئيسية» التي تواجه السود في البلاد هي الدستور، وعلى الأرجح لأنه يقف، في تصوره، عائقًا أمام مسألة الأرض.
حاولت أصوات قليلة أن تعيد النقاش إلى أرض الواقع. سألت عن المطالب الملموسة التي يمكن فعلًا أن تحسن حياة الناس، وأن تبني دعمًا شعبيًا حقيقيًا على الأرض. لكنها كانت أقلية، لا أمام أعضاء جماعات المحسوبية وحدهم، بل أيضًا أمام ممثلي أحزاب صغيرة كثيرة، أقرب إلى الكاريكاتور السياسي، شكّلت جزءًا كبيرًا من بقية وفد المؤتمر.
هذه الأحزاب ليست فاسدة بالطريقة نفسها التي يفسد بها «إم كيه». لكنها، مثله، بلا جذور فعلية ومأخوذة بأوهامها. فهي لا ترى الواقع كما هو، بل تمرره عبر نصوص بلشفية كُتبت في زمن لم يكن معظم العمال قد رأوا فيه خط تجميع صناعيًا.
كانت فجاجة ذلك النقاش، حين وضعتها إلى جانب مستوى المشاركات التي كنت أقرأها في مجلات أوائل التسعينيات، واحدة من أكثر اللحظات إفاقة في ما يقرب من عقدين من انخراطي في اليسار الجنوب أفريقي. عندها بدا لي فجأة أن الدافع كله وراء المؤتمر كان مضللا. لم تكن مهمتنا الحقيقية هي توحيد اليسار، بل إعادة بنائه من الأساس.
هذا الهوس الأحادي بمسألة الأرض هو أوضح دليل على انفصال اليسار عن السياسة الجماهيرية، وانجرافه إلى فضاء عالٍ من الرموز والشعارات، بعيدًا عن حياة الناس ومطالبهم الفعلية
التحديات التي تواجه هذا المسعى تتجاوز بكثير نفوذ أحزاب المحسوبية. قبل أكثر قليلًا من ثلاثين عامًا، انقسم اليسار الجنوب أفريقي إلى مسارين. امتص أحدهما داخل جهاز الحزب والدولة الذي أخذ يتشكل حول «التحالف»، أي التحالف الثلاثي الرسمي بين المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي و«كوساتو»، وهو التحالف الذي حكم البلاد بعد عام 1994. أما المسار الآخر، فدُفع إلى أقصى هوامش المشهد السياسي بفعل صعود ذلك العملاق. كان أحدهما قريبًا جدًا من السلطة، وكان الآخر بعيدًا جدًا عنها، فانحط كل منهما بطريقته الخاصة.
يكفي، كمؤشر واحد على ذلك، أن عام 2026 لا يكاد يعرف مجلة يسارية مهمة واحدة ما زالت تصدر مطبوعة. فكل انفراجة ظاهرية في هذا التاريخ بدت كأنها تعيدنا خطوتين إلى الوراء. فقد ابتلعت ما سمي «لحظات نومسا» البنى التنسيقية القليلة التي امتلكها اليسار المستقل، ولم تترك خلفها سوى انقسامات أعمق ونقابة أكثر تدهورًا. أما حركة «رودس يجب أن يسقط»، فقد أدخلت إلى الثقافة السياسية في جنوب أفريقيا راديكالية جامعية على الطراز الأمريكي، ثم تركت وراءها خصومات كثيرة وشعرًا رديئًا.
أصبحت الشعاراتية شبه الراديكالية التي أتقنها «مقاتلو الحرية الاقتصادية» و«إم كيه» اللغة المشتركة لطبقة أوسع من الناشطين المعلنين ذاتيًا. صار مألوفًا أن تجد قائدًا طلابيًا لم يفلح في حياته في زراعة أكثر من نبتة في أصيص، ثم يعلن بثقة كاملة أن كل مشكلات البرنامج والتكتيك يمكن اختزالها في استعادة الأرض. غير أن البيانات تقول شيئًا آخر. فما زالت أغلبية واسعة تؤيد إعادة توزيع الأراضي، لكن لا أحد تقريبًا، باستثناء بعض المجتمعات الريفية، يراها أولوية سياسية رئيسية.
تظهر بيانات «مسح المواقف الاجتماعية في جنوب أفريقيا» أن البطالة والفساد يتقدمان باستمرار على إصلاح الأراضي بين أبرز التحديات التي يذكرها المشاركون عند سؤالهم عن أكبر ثلاث مشكلات تواجه البلاد. أما الرسم البياني الذي أعده نيال ريدي، فيوضح الفجوة بين الدعم العام لفكرة إعادة التوزيع وبين موقعها المتراجع كأولوية عاجلة في وعي الجمهور.
في المجمل، يريد جنوب الأفريقيين من الطبقة العاملة ثمار اقتصاد صناعي حديث. يريدون وظائف ودخولًا آمنة وحياة يمكن التخطيط لها. لا يريدون العودة إلى موقع الفلاحين. ينبغي أن يكون هذا بديهيًا. لكن جرّب أن تقول ذلك في غرفة مكتظة باليساريين، وغالبًا لن يسمحوا لك بإكمال الجملة. هذا الهوس الأحادي بمسألة الأرض هو أوضح دليل على انفصال اليسار عن السياسة الجماهيرية، وانجرافه إلى فضاء عالٍ من الرموز والشعارات، بعيدًا عن حياة الناس ومطالبهم الفعلية.
تكمن مأساة هذا كله في أن تحرك الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي جاء في لحظة سياسية مناسبة. ولو أُدير على نحو أفضل، لكان قادرًا على إنتاج نتيجة مختلفة تمامًا. فتراجع المؤتمر الوطني الأفريقي يفتح فراغًا واسعًا في الخريطة السياسية، وهو فراغ كان ينبغي أن يبدو شديد الإغراء لأي يسار طموح يريد إعادة بناء نفسه على قاعدة اجتماعية حقيقية.
أسباب هذا التحول واضحة. فملايين الناخبين يغادرون المؤتمر الوطني الأفريقي بسبب اقتصاد مترهل، وخدمات عامة منهارة، وفساد صار جزءًا من صورة الحكم اليومية. غير أن «مقاتلي الحرية الاقتصادية» و«إم كيه»، وهما فرعان منشقان عن الحزب الحاكم ويجسدان أسوأ ميوله الفاسدة، لا يبدوان مرشحين لأن يصبحا البيت السياسي الجديد لمعظم هؤلاء الناخبين. فالناس لا يغادرون حزبًا بسبب الفساد والانهيار بحثًا عن نسخة أكثر صخبًا من المرض نفسه.
لكن هؤلاء الناخبين لن ينجذبوا بسهولة أيضًا إلى حزب يمثّل الامتياز الأبيض، ويصر بعناد على إنكار واحدة من أكثر الحقائق السياسية بداهة في جنوب أفريقيا، وهي أن ميراث الماضي لا يزال يقيد الحاضر. فبالنسبة إلى قطاعات واسعة من السود في البلاد، ليست اللامساواة مجرد أثر قديم يمكن تجاوزه بخطاب ليبرالي عن الكفاءة والسوق، بل بنية مستمرة في الأرض والعمل والدخل والتعليم والفرص. وتظهر بيانات «مسح المواقف الاجتماعية في جنوب أفريقيا» أن أعدادًا كبيرة من السود تؤيد تدخل الدولة للحد من اللامساواة وتجاوز مساوئ الماضي التاريخية، وهي تحديدًا السياسات التي عارضها التحالف الديمقراطي باستمرار.
كان مشهدا حزينا، ليس لأنه كشف ضعف اليسار فقط، بل لأنه أظهر إلى أي حد يمكن أن يتحول اسمه إلى غطاء لمن ساهموا أصلا في تدمير شروط السياسة العمالية
ويقيس مؤشر الدعم الإجمالي لتدخل الدولة بحسب العرق متوسط مواقف المشاركين من قضايا إعادة التوزيع، وفجوات الدخل، والرعاية الاجتماعية، والتوظيف التفضيلي. ويُظهر الرسم البياني، الذي أعده نيال ريدي، حجم الفجوة بين تصور التحالف الديمقراطي لدور الدولة وبين ما تراه قطاعات واسعة من السود شرطًا ضروريًا للعدالة الاجتماعية.
قد يكون هذا كله آخذًا في التغير. فالأرقام الأحدث المتاحة تعود إلى سنوات مضت، وهي تتجه نحو الانخفاض، ربما بسبب السخط الشعبي على أداء الدولة وقدرتها الفعلية على تقديم الخدمات. وهناك مؤشرات مبكرة على أن التحالف الديمقراطي بدأ، للمرة الأولى، يخترق دوائر انتخابية ذات أغلبية سوداء بصورة ملموسة، وأنه يخفف شيئًا من أصوليته الليبرالية كلما اتسع حضوره. لكن بناء الولاءات العميقة لا يحدث سريعًا، ولا يكفي فيه أن يستفيد حزب من انهيار خصومه.
في الوقت الراهن، لا يزال المجال السياسي مفتوحًا. وبالنسبة إلى اليسار، تبدو الصيغة الأساسية لدخول هذا المجال واضحة إلى حد بعيد. المطلوب حزب يستطيع أن يقف بين المعسكرين المهيمنين، فيضاهي التحالف الديمقراطي في صدقيته في مكافحة الفساد، من دون أن يتخلى عن الالتزام بالتحول الاقتصادي وعن خطة قابلة للحياة لتوفير الوظائف. هذان الجانبان لا ينفصلان. فلا يمكن لحزب أن يقنع الناس ببرنامج اقتصادي قائم على دور عام قوي، ما لم يكن قادرًا أولًا على استعادة قدر من الثقة في القطاع العام نفسه.
اشتقاق الصيغ سهل بالطبع، أما تحويلها إلى واقع فمسألة أشد تعقيدًا. لا أعرف، بصراحة، ما إذا كان الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي مؤهلًا للعب دور ذي معنى في هذه اللحظة. فتاريخه القريب لا يبعث على الكثير من الثقة. ومع ذلك، فإن ما تبقى لديه من جهاز تنظيمي، وما راكمه من خبرة محدودة في الانتخابات والحكم، يجعلان موقعه أفضل من أي مشروع قائم آخر على يسار المشهد السياسي.
لكن ذلك لن يحدث إذا واصل الحزب اختيار اليسار الزائف على حساب الطبقة العاملة. هذا ما قصدته حين قلت إن أحزاب المحسوبية ضعيفة في الأشياء التي يحتاجها اليسار فعلًا. فالثرثرة الراديكالية، حين تقترن بالفساد الفاضح، لا تصنع قاعدة جماهيرية ولا تبني ثقة سياسية. ولن يكون بمقدور «مجلس اليسار»، وهو الهيئة التنسيقية التي أضفى عليها المؤتمر الأخير طابعًا رسميًا، أن يكسب دعمًا واسعًا إذا بدا في نظر الناس مجرد مظلة جديدة لأحزاب المحسوبية. ويكفي النظر إلى عقد كامل من ركود نتائج «مقاتلي الحرية الاقتصادية» الانتخابية لفهم حدود هذه الوصفة.
مع ذلك، فإن هذه الأحزاب قوية بطرق ينبغي لليسار أن يخشاها. فهي تملك العضلات التنظيمية والمالية التي تسمح لها بالهيمنة على جبهة «اليسار» الجديدة، كما ظهر بوضوح في مؤتمر نهاية الأسبوع الماضي. وهذه القوة لا تأتي من المصادر التي استمد منها اليسار قوته تاريخيًا. فهي لا تقوم على عضوية نشطة ومتعلمة، ولا على هياكل راسخة في أماكن العمل أو في الشارع، ولا تستند إلى وضوح أيديولوجي أو حس استراتيجي. إنها تأتي من المحسوبية والشعبوية، من جاذبية الرجال الأقوياء، ومن شبكات التوزيع والمنافع التي تتجمع حولهم.
هذا هو المحرك الحقيقي لـ«إم كيه»، وبدرجة أقل لـ«مقاتلي الحرية الاقتصادية». أما ما تبقى لدى هذه الأحزاب من التزامات بمبادئ اليسار، فهو أقرب إلى عبء عليها منه إلى مصدر قوة. ويكفي التوقف عند موقف «مقاتلي الحرية الاقتصادية» المناهض لكراهية الأجانب. إنه موقف مبدئي لافت، وربما كان أبرز فعل سياسي مبدئي للحزب، لكنه كلفه كثيرًا في بيئة شعبوية يسهل فيها تحويل المهاجرين إلى كبش فداء.
عاجلًا أم آجلًا، ستدرك جماعات المحسوبية أن الينابيع التقليدية لليمين، مثل الله والعائلة والوطن، تنسجم مع أنظمة الزبائنية أكثر بكثير مما تنسجم معها مفردات اليسار التحررية. فالخضوع للسلطة، والنظام الأبوي، والانتماء القومي، وهي عناصر حاضرة أصلًا في البنية الأيديولوجية لـ«إم كيه»، تمثل لغة أكثر ملاءمة لسياسة تقوم على الولاء الشخصاني والهبات النازلة من الأعلى. إنها سياسة لا تحتاج إلى مواطنين منظمين بقدر ما تحتاج إلى أتباع ينتظرون نصيبهم من شبكات الزعيم.
إما أن يتطور قادة المحسوبية الحاليون طبيعيًا في هذا الاتجاه، أو أن يأتي من يتجاوزهم ممن هم أقل تقييدًا بادعاءات السلطة الشعبية. وفي الحالتين، لن يكون اليسار هو المستفيد. فالارتماء في أحضان هذه القوى ليس طريقًا مختصرًا لإحيائه، بل وصفة شبه مؤكدة للحكم عليه بالفناء.
لن يؤدي ذلك إلا إلى إثبات حجة زعيم التحالف الديمقراطي، ومفادها أن الفوارق بين اليسار واليمين ستفقد معناها في سياسة جنوب أفريقيا. عندها لن يبقى الشرخ الحقيقي بين مشروعين اقتصاديين أو رؤيتين للمجتمع، بل بين كتلة تريد الحكم لمصلحة النخبة القائمة، وكتلة لا تريد الحكم أصلًا، ولا تملك من الطموح سوى مواصلة النبش في جثة الدولة الجنوب أفريقية.
إذا صار هذا المعنى الأخير هو ما يربطه الجمهور باليسار، فستكون النتيجة كارثية على المشروع الطويل الأمد للسياسة التحررية. لقد قرّبتنا صور نهاية الأسبوع الماضي خطوة أخرى من هذا المصير. كان ينغيني وماغاشولي وماليما ومن معهم يتفلسفون أمام لافتة كبيرة كتب عليها «مؤتمر اليسار»، وإلى جانبهم قادة الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي. كان مشهدًا حزينًا، ليس لأنه كشف ضعف اليسار فقط، بل لأنه أظهر إلى أي حد يمكن أن يتحول اسمه إلى غطاء لمن ساهموا أصلًا في تدمير شروط السياسة العمالية. وإذا كان لليسار أن يُعاد بناؤه، فلن يحدث ذلك على أيدي هؤلاء.