السبت 14 فبراير 2026
صعّدت جنوب أفريقيا وفنزويلا لهجتهما ضد الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن الدولي، على خلفية العملية العسكرية الأميركية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى الولايات المتحدة، في خطوة وصفتها بريتوريا بأنها «انتهاك صارخ» لميثاق الأمم المتحدة ولمبدأ سيادة الدول.
وخلال جلسة طارئة عقدها المجلس، الاثنين 5 يناير/كانون الثاني 2026، ناقش الأعضاء التداعيات القانونية والسياسية للعملية التي جرت السبت 3 يناير/كانون الثاني، وسط انقسام حاد بين المواقف الدولية: إذ اعتبرت دول عدة – بينها جنوب أفريقيا – أن التدخل الأميركي يقوّض قواعد النظام الدولي، بينما دافعت واشنطن عنه باعتباره «عملية إنفاذ قانون» تستند إلى ملاحقات قضائية قائمة ضد مادورو.
وألقى القائم بأعمال نائب الممثل الدائم لجنوب أفريقيا لدى الأمم المتحدة، جوناثان باسموور، بيان بلاده في مجلس الأمن، مؤكداً أن “لا أمة يمكنها الادعاء بأنها متفوقة قانونياً أو أخلاقياً على أخرى”، وأن مبدأ “المساواة في السيادة” يظل حجر الزاوية في ميثاق الأمم المتحدة. وأضاف أن جميع الدول ملتزمة بحل النزاعات بالوسائل السلمية، والامتناع عن التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
وشدد البيان على أن الضربات العسكرية الأميركية “الأحادية” و”اختطاف” مادورو وزوجته من داخل الأراضي الفنزويلية ونقلهما إلى الولايات المتحدة “ينتهك بصورة فاضحة” سيادة فنزويلا ووحدة أراضيها واستقلالها، محذراً من أن التساهل مع مثل هذه السوابق يفتح الباب أمام “شريعة القوة” ويقوض الدبلوماسية.
واستحضرت بريتوريا، في البيان نفسه، أمثلة لتدخلات عسكرية سابقة قالت إنها أنتجت مزيداً من الفوضى وعدم الاستقرار، مشيرة إلى ليبيا والعراق و”حالات عديدة في أفريقيا”، ومعتبرة أن الادعاءات المتعلقة بسجل حقوق الإنسان أو “الجنائية” ضد رئيس دولة “لا يمكن أن تبرر” خرق المادة (2/4) من الميثاق التي تحظر استخدام القوة. (DIRCO)
كما لفتت جنوب أفريقيا إلى أن القانون الدولي يقر “بالاختصاص الحصري” للدولة على الأشخاص والسلوكيات داخل إقليمها، وأن تنفيذ الاعتقال داخل دولة أخرى من دون موافقتها يُعد انتهاكاً غير مشروع للسيادة، مشيرة إلى وجود مسارات بديلة ضمن المنظومة الدولية، مثل اللجوء لمحكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن نفسه. (DIRCO)
وكانت وزارة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا قد أصدرت، في 3 يناير/كانون الثاني، بياناً رسمياً قالت فيه إن واشنطن أكدت تنفيذ “ضربة عسكرية واسعة النطاق” في فنزويلا واعتقال مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، معتبرة ذلك “انتهاكاً واضحاً” لميثاق الأمم المتحدة، وداعية مجلس الأمن إلى “الانعقاد بشكل عاجل” لمعالجة التطورات. (DIRCO)
وفي إشارة لافتة إلى البعد الأفريقي داخل المجلس، افتتح باسموور كلمته بتهنئة جمهورية الصومال الفدرالية على توليها الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال شهر يناير/كانون الثاني، قائلاً إن أزمة فنزويلا “تخص جميع الدول الأعضاء” لما لها من تأثير على مصداقية الميثاق والقانون الدولي. (DIRCO)
من جهتها، وصفت فنزويلا العملية بأنها “هجوم مسلح غير شرعي” و”اختطاف” لرئيس دولة، محذرة من أن التساهل مع استهداف رأس السلطة في دولة عضو بالأمم المتحدة يخلق سابقة تهدد استقرار العلاقات الدولية. ونقلت تقارير عن مندوب فنزويلا لدى الأمم المتحدة صمويل مونكادا قوله إن بلاده تُستهدف بسبب مواردها الطبيعية، في خطاب تكرر على لسان أكثر من طرف داخل الجلسة.
وبالتوازي مع الجدل الأممي، أفادت وكالة “رويترز” بأن حكومة فنزويلا أعلنت حالة طوارئ، وأمرت الشرطة بالبحث والقبض على كل من “تورط” أو “ساند” العملية الأميركية، وفق نص مرسوم نُشر بالكامل في 5 يناير/كانون الثاني.
في المقابل، دافع المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز عن العملية بوصفها “عملية إنفاذ قانون جراحية” لتنفيذ اتهامات جنائية قائمة ضد مادورو، نافياً أن تكون “حرباً” على فنزويلا، ومقدماً مقارنة تاريخية بعملية اعتقال الرئيس البنمي الأسبق مانويل نورييغا عام 1989.
لكن المخاوف الأممية لم تقتصر على الانقسام داخل المجلس. إذ نقلت “رويترز” عن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان قوله إن تدخل الولايات المتحدة يمثل “انتهاكاً للقانون الدولي” ويجعل العالم “أقل أماناً”، محذراً من أن تكريس مبدأ “قدرة الأقوياء على فعل ما يريدون” يضر ببنية الأمن الدولي وقد يفاقم تدهور أوضاع حقوق الإنسان داخل فنزويلا.
وتُعد القضية مرشحة لمزيد من التجاذب داخل مجلس الأمن في ظل تباين مواقف الأعضاء، وسط تحذيرات من أن أي تصعيد إضافي قد يضاعف منسوب عدم الاستقرار في أميركا اللاتينية ويضع قواعد “حظر استخدام القوة” أمام اختبار غير مسبوق منذ سنوات.