السبت 11 أبريل 2026
ترسخ حركة متمردي "إم 23" (M23)، المنضوية تحت لواء "تحالف القوات المسلحة" (AFC)، وجودها في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية عبر تحويل مكاسبها العسكرية الميدانية إلى بنية إدارية وسياسية دائمة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. فمنذ توسعها السريع قبل نحو عام، لم تكتفِ الحركة بالسيطرة الأمنية، بل عهدت إلى مجموعة من القادة المدنيين بإدارة الشؤون اليومية للمواطنين، في خطوة تهدف إلى إضفاء صبغة "الدولة البديلة"، وانتزاع اعتراف محلي ودولي بالأمر الواقع. تأتي هذه التحركات الإدارية بالتوازي مع سيطرة الحركة على موارد اقتصادية ضخمة، لاسيما منجم "روبايا" للكولتان، مما يمنحها استقلالية مالية وقدرة على تمويل أجهزتها الإدارية والعسكرية بعيداً عن سلطة كينشاسا.
هذا التحول من حركة تمرد عسكري إلى سلطة إدارية "حاكمة" يضع المجتمع الدولي أمام معضلة معقدة، حيث تستخدم الحركة هذه الهياكل المدنية لتنظيم عمليات استخراج المعادن وتصديرها، وهو ما يفسر حدة العقوبات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت القيادات العسكرية الرواندية المتهمة بدعم هذا الكيان الناشئ. فواشنطن ترى في مأسسة نفوذ "إم 23" تهديداً مباشراً لسيادة الكونغو، وعائقاً أمام وصول الشركات الغربية إلى معادن المنطقة، إذ إن وجود إدارة مدنية تابعة للمتمردين يسهل عمليات التهريب ويوفر غطاءً سياسياً لأنشطة اقتصادية غير قانونية تستفيد منها أطراف إقليمية ودولية منافسة للولايات المتحدة.
على الصعيد الميداني، تعكس محاولات الإدارة المدنية للمتمردين في مناطق مثل "روبايا" رغبة في تقديم نموذج "حكم استقراري" يبرر بقاءهم، إلا أن الكوارث الطبيعية المتكررة، مثل الانهيار الأرضي الأخير الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، تكشف عن هشاشة هذه الإدارة وافتقارها للخبرات الفنية اللازمة لحماية المدنيين. ورغم محاولات قادة الحركة التقليل من حجم الخسائر البشرية في تصريحاتهم لوسائل الإعلام العالمية، فإن الواقع يشير إلى أن الهدف الأساسي من هذه الإدارة المدنية هو تأمين تدفق الموارد المالية والعسكرية، وليس تقديم الخدمات العامة أو ضمان سلامة العمال في المناجم التي تعد شريان الحياة الاقتصادي للحركة.
جيوسياسياً، يمثل ترسيخ إدارة "إم 23" في شرق الكونغو الديمقراطية تحدياً كبيراً لجهود الوساطة الأفريقية والدولية، حيث باتت الحركة تفرض شروطاً تتعلق بالاعتراف بكيانها الإداري كجزء من أي تسوية سياسية مستقبلية. هذا الطموح السياسي المدعوم بقوة السلاح والموارد المعدنية يتقاطع مع رغبة قوى إقليمية في إيجاد "منطقة عازلة" تحت سيطرتها المباشرة، مما يعقد مهمة "بعثة الأمم المتحدة" (مونوسكو) والقوات الإقليمية التي تجد صعوبة في التعامل مع كيان يمتلك هيكلاً إدارياً منظماً وقاعدة اقتصادية صلبة، وهو ما قد يدفع المنطقة نحو سيناريو "الانفصال الفعلي" طويل الأمد.
يظهر سعي متمردي "إم 23" لمأسسة حكمهم في شرق الكونغو كجزء من صراع أوسع على النفوذ والمعادن في أفريقيا، حيث تتداخل فيه طموحات السيطرة المحلية مع التنافس الدولي بين واشنطن وبكين. وبينما تحاول الحركة إثبات جدارتها كقوة إدارية دائمة، تظل ممارساتها تحت مجهر العقوبات الدولية والرفض الحكومي في كينشاسا، مما يجعل من مستقبل هذه الإدارة رهناً بمدى قدرة الجيش الكونغولي وحلفائه على استعادة المبادرة الميدانية، أو مدى نجاح الضغوط الدبلوماسية الأمريكية في تفكيك شبكات الدعم الإقليمي التي تمنح هذا التمرد القدرة على البقاء والتحول إلى "سلطة" أمر واقع.