تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

جدل في الكونغو حول اتفاق واشنطن: سلام حقيقي أم غطاء لـ«صفقة موارد» جديدة؟

7 ديسمبر, 2025
الصورة
جدل في الكونغو حول اتفاق واشنطن: سلام حقيقي أم غطاء لـ«صفقة موارد» جديدة؟
Share

رغم توقيع اتفاق سلام جديد برعاية أمريكية بين رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي ونظيره الرواندي بول كاغامي، تتواصل المعارك في شرق الكونغو وسط تشكيك واسع في قدرة الترتيبات الجديدة على إنهاء ما يصفه منتقدون بأنه «حرب طويلة» تقودها رواندا على الأراضي الكونغولية بهدف التحكم في المعادن الإستراتيجية.

الترتيب الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يهدف، نظرياً، إلى وقف الدعم الرواندي لحركة «M23» المتمرّدة، وسحب القوات الرواندية من بعض المناطق الحدودية، وفتح مسار للتعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين، في وقت تتطلع فيه الولايات المتحدة إلى ضمان وصول أكبر إلى احتياطيات الكونغو الهائلة من الكوبالت والنحاس والليثيوم والمعادن النادرة، في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في قطاع التعدين.

غير أن منتقدين يرون أن الاتفاق يكرّس عملياً استمرار وجود الجيش الرواندي في مناطق إستراتيجية من شرق الكونغو تحت ذريعة «ملاحقة مليشيات الهوتو» المتمركزة هناك، رغم أن هذه المجموعات، بحسب تقديرات دولية سابقة، لم تعد تملك القدرة السابقة على تهديد الأمن الرواندي بشكل جدي. كما يُخشى أن يوفر الاتفاق غطاءً قانونياً لتدفق معادن كونغولية عبر رواندا إلى الأسواق العالمية، في امتداد لسجل طويل من الاتهامات لكيغالي بالاستفادة من شبكات تهريب الموارد في منطقة البحيرات العظمى.

ويقدَّر بعض الاقتصاديين ثقل الثروات الطبيعية في الكونغو الديمقراطية بنحو 24 تريليون دولار، تتضمن احتياطيات ضخمة من الكوبالت والتنتالوم والذهب والمعادن النادرة الضرورية لصناعات السيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة. وقد أصبحت هذه الموارد محور تنافس حاد بين قوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة والصين، ما يجعل أي تسوية سياسية في شرق الكونغو مرتبطة بشكل مباشر بخريطة الاستثمارات وصفقات التعدين.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن شركات أمريكية وغربية، من بينها تحالفات استثمارية في مجال «المعادن الحيوية»، حصلت أو تسعى للحصول على تراخيص للتنقيب عن الليثيوم ومعادن أخرى في مناطق متأثرة بالنزاع، في الوقت الذي ما زالت فيه حركة «M23» تسيطر على بلدات ومحاور رئيسية في إقليمي شمال وجنوب كيفو، وتُتَّهَم بفرض إدارة موازية على الأرض، بالتوازي مع اتهامات مماثلة لقوات الجيش الكونغولي وميليشيات حليفة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.

ويرى مراقبون أن الخطورة تكمن في أن الاتفاق جرى التفاوض عليه في دوائر مغلقة بين الحكومات، فيما تم استبعاد المجتمع المدني الكونغولي وتجمعات الضحايا وتعاونيات عمّال المناجم من مسار النقاش. فلا توجد حتى الآن تفاصيل واضحة للرأي العام حول الجهات الأجنبية المستفيدة من عقود التعدين، أو حجم العوائد التي ستعود فعلياً إلى خزينة الدولة مقارنة بكلفة الحرب على السكان.

كما يخشى معارضون كونغوليون من أن يؤدي إعطاء دور مركزي لكاغامي بوصفه «شريك سلام» وضامناً للاستقرار إلى تثبيت واقع نفوذ عسكري واقتصادي لرواندا في شرق الكونغو، يتيح لها الاحتفاظ بأوراق التصعيد متى شاءت، مع تاريخ من الاتفاقات السابقة التي انتهت إلى استمرار العنف وتبدّل أسماء الجماعات المسلحة أكثر مما أدت إلى سلام مستدام.

في المقابل، تراهن حكومة تشيسكيدي على أن الانخراط الأمريكي المباشر في الملف قد يشكل عامل ردع لأي خروقات كبيرة، وأن ربط المساعدات والاستثمارات بتنفيذ الالتزامات الأمنية سيخلق حوافز حقيقية لخفض التوتر. لكن استمرار الاشتباكات على الأرض، وغياب آليات شفافة للمحاسبة وجبر الضرر، يعززان الانطباع لدى قطاعات واسعة من الكونغوليين بأن الاتفاق أقرب إلى «صفقة موارد» منه إلى تسوية سياسية شاملة.

وبينما تستمر موجات النزوح والانتهاكات في شرق الكونغو، يبقى السؤال المطروح لدى السكان والناشطين: هل يفضي مسار واشنطن إلى تقليص نفوذ المليشيات وانسحاب القوات الأجنبية فعلاً، أم أنه يمهّد لمرحلة جديدة من الاستغلال المنظّم لثروات البلاد تحت لافتة «السلام والاستثمار»، من دون نهاية قريبة لمأساتهم المستمرة منذ عقود؟