الثلاثاء 20 يناير 2026
بعد نحو شهرين من سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بيد قوات الدعم السريع، بدأ ثقل الحرب في الإقليم يتجه نحو سلسلة جبال مرة، آخر المعاقل الكبرى الخارجة عن سيطرة طرفَي النزاع الرئيسيين في السودان، وسط ضغوط متزايدة على حركة تحرير السودان وتمركزات الجيش هناك.
بحسب تقارير دبلوماسية وإعلامية، تطالب قوات الدعم السريع حركة تحرير السودان بتسليم جنود من الجيش السوداني لجأوا إلى مناطق وعرة داخل جبل مرة عقب سقوط الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول، في وقت تُبقي فيه الحركة على موقف معلن بالابتعاد عن الاصطفاف المباشر مع أيٍّ من الطرفين منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
ظل جبل مرة لعقود ، بسلاسله الجبلية الوعرة ووديانه العميقة، أحد أهم معاقل الحركات المتمردة في دارفور، وعلى رأسها جناح عبد الواحد محمد نور من حركة تحرير السودان. ومع اشتداد الحصار على الفاشر وتحولها إلى آخر معقل كبير للجيش في دارفور، فرّت آلاف الأسر نحو مناطق أكثر أمناً، بينها بلدات وتجمعات تقع في سفوح الجبل وداخله.
وتشير روايات ميدانية إلى أن مئات الجنود من الفرقة السادسة التابعة للجيش، الذين انسحبوا من خطوط الدفاع الأخيرة حول الفاشر، لجأوا أيضاً إلى مناطق جبلية يصعب الوصول إليها، الأمر الذي تعتبره قوات الدعم السريع «تهديداً كامناً» لوضعها العسكري في الإقليم.
في الوقت نفسه، لا يزال الجبل يستضيف مجتمعات نازحة ضربتها هذا العام كارثة إنسانية إضافية، تمثلت في انهيارات أرضية مدمِّرة في قرى بمنطقة ترسين في سبتمبر/أيلول، تسببت في مقتل مئات المدنيين الذين كانوا قد فرّوا أصلاً من القتال في مناطق أخرى من دارفور.
التقارير ذاتها تفيد بأن الدعم السريع لا يكتفي بالمطالبة بتسليم الجنود، بل يسعى أيضاً إلى استمالة حركة تحرير السودان للانخراط في «الترتيبات السياسية» التي يدفع بها منذ أشهر، بما في ذلك المشروع المثير للجدل لإقامة «سلطة موازية» انبثقت عن ميثاق و«دستور» وقّعته الحركة وحلفاء آخرون في اجتماعات سابقة بالعاصمة الكينية نيروبي.
تأتي هذه المناورات السياسية في وقت تعاني فيه الحركة نفسها من انقسامات داخلية قديمة تجددت بفعل الحرب؛ إذ ينقسم قادتها بين جناح يميل إلى الحفاظ على تموضع «الحياد المسلح» بعيداً عن الخرطوم وبورتسودان والدعم السريع، وآخر يرى أن اللحظة الحالية تفرض إعادة تموضع سياسي يضمن تمثيلاً في أي ترتيبات مقبلة، ولو عبر تفاهمات تكتيكية مع قوى أمر واقع في الإقليم. هذه الصورة يرسمها محللون استناداً إلى تاريخ الحركة ومواقفها من جولات التفاوض السابقة، أكثر مما تستند إلى إعلانات رسمية مباشرة.
سقوط الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول، بعد حصار استمر نحو 18 شهراً، مثّل نقطة تحوّل رئيسية في مسار الحرب؛ فالمدينة كانت آخر عاصمة ولائية كبيرة للجيش في دارفور، وملاذاً لنحو ربع مليون مدني تحت حصار خانق شمل تجويعاً ممنهجاً وقصفاً متكرراً للأحياء والأسواق ومخيمات النازحين المحيطة بها.
منظمات دولية تحدثت عن مجازر ذات طابع عِرقي وعمليات قتل واغتصاب ونهب واسع، دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى توسيع نطاق تحقيقاتها في جرائم حرب محتملة ارتُكبت خلال الهجوم على المدينة ومخيماتها. وأفادت تقديرات أممية أخيرة بأن عشرات الآلاف فرّوا من الفاشر إلى مناطق مثل طويلة وجبل مرة، في ظل انهيار شبه كامل للقدرات الصحية والإنسانية.
ومع خروج الفاشر من المعادلة، بات جبل مرة يمثل – في نظر كثير من المراقبين – آخر «مساحة رمادية» في دارفور لا يهيمن عليها لا الجيش ولا الدعم السريع بشكل كامل، لكنه في الوقت ذاته لا يتمتع بحماية دولية تذكر، ما يجعله عرضة لضغوط متزايدة من الطرفين.
سيطرة الدعم السريع على الجبل، أو تحييد حركة تحرير السودان عبر تسوية سياسية معها، سيمنح قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) فرصة لتثبيت نفوذها في معظم أراضي دارفور، وتحويل جبل مرة من ملاذ للمقاومة إلى جزء من منظومة «الدولة الموازية» التي تحاول بناءها في الغرب. أما إذا حافظت الحركة على استقلالية قرارها ورفضت تسليم جنود الجيش أو الانخراط في هذه الترتيبات، فقد يتحول الجبل إلى جبهة قتال جديدة، تطيل أمد الحرب وتزيد من معاناة المدنيين.
تزامناً مع هذه التطورات في دارفور، تحذر تقارير أممية ودولية من أن الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش والدعم السريع، دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، مع اشتداد المعارك في ولايات أخرى مثل كردفان، واستمرار التدخلات الخارجية عبر خطوط إمداد للسلاح والمال، من بينها ممرات جوية عبر جنوب شرقي ليبيا كشفتها تحقيقات صحفية حديثة.
وبينما تتكثف المبادرات السياسية في عواصم مثل نيروبي والدوحة والقاهرة، يؤكد كثير من المراقبين أن مستقبل دارفور – ومن ورائه السودان كله – سيتوقف إلى حد كبير على ما سيجري في منطقة صغيرة نسبياً على الخريطة، لكنها شديدة الأهمية استراتيجياً ورمزياً. جبل مرة، آخر الجبال العالية التي لم تُحسم هويتها بعد في حرب لم تقل كلمتها الأخيرة.