تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

جالية تحت الحصار: متظاهرون في مينيسوتا يواجهون خطاب ترامب المعادي للصوماليين

5 ديسمبر, 2025
الصورة
جالية تحت الحصار: متظاهرون في مينيسوتا يواجهون خطاب ترامب المعادي للصوماليين
Share

علت الهتافات في صباح شتوي بارد قرب مطار منيابوليس–سانت بول الدولي، باللغة الإنجليزية والصومالية معاً: «هذا بلدنا نحن، لا بلده». عشرات المحتجّين احتشدوا أمام منشأة «سيغنتشر أفييشن» الأربعاء الماضي، في مشهد بات مألوفاً للجالية الصومالية في ولاية مينيسوتا، كلما اشتعل خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدهم.

رفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها «أوقفوا ترحيل جيراننا» و«لا لوكالة الهجرة والجمارك، لا للقوات، لا للملوك»، فيما حمل آخرون لوحات أكثر مباشرة تقول «تخلّصوا من ترامب» و«هذا بلدنا نحن، لا بلده». كان واضحاً أن الغضب لا يقتصر على السياسات فحسب، بل يشمل لغة الإهانة التي طالت مجتمعاً يرى نفسه جزءاً أصيلاً من نسيج أميركا.

احتجاج أمام منشأة يشتبه تسخيرها في الترحيل

اختار المنظمون موقع «سيغنتشر أفييشن» تحديداً لأن بعض النشطاء يعتقدون أنه يُستخدم قاعدة لرحلات الترحيل الخاصة بوكالة الهجرة والجمارك (ICE)، وإن لم يتسنّ التحقق من ذلك بشكل مستقل. لكن رمزية المكان كانت كافية: منشأة محاطة بالطائرات، في وقت يخشى فيه كثير من الصوماليين أن تكون تذكرتهم القادمة في اتجاه واحد إلى بلد فرّوا منه طلباً للأمان.

ضم الحشد عائلات صومالية ونشطاء هجرة وطلاب جامعيون وقيادات نقابية جاءت لدعم الوقفة. نقابات مثل: «مينيسوتا 50501»، ونقابة موظفي قطاع الخدمات (SEIU)، و«يونايت هير» (UNITE HERE) أعلنت تأييدها للتحرك. ممثلة فرع «يونايت هير» المحلي 17 خاطبت المتظاهرين قائلة إن: «الحركة العمالية فخورة بوجودها هنا اليوم إلى جانب أفراد مجتمعنا من أجل الدفاع عن حقوق العمال المهاجرين».

وعندما وجّه أحد المنظمين سؤالاً عبر مكبّر الصوت: «ماذا سنفعل الآن وقد أصبحت الجالية الصومالية تحت الهجوم؟»، جاء الرد جماعياً من الحشد: «سنقاوم… سنردّ».

خوف وغضب في الشارع الصومالي

سعيد محمد، سائق يعمل عبر تطبيقي «أوبر» و«ليفت»، كان من بين المشاركين في الوقفة. يقول إن كلمات الرئيس الأخيرة «جرحتنا بعمق». يشرح: «يشعر الناس بالاشمئزاز من أنه يقسّمنا إلى صوماليين ومكسيكيين وآسيويين وسود وبيض. هذا ليس ما تمثّله أميركا». ويضيف أن كثيرين في المجتمع «خائفون إلى حدّ كبير»؛ بعضهم يفكّر مرتين قبل الخروج من البيت أو التوجه إلى العمل في ساعات متأخرة.

يؤكد قادة الجالية الصومالية أن توظيف هذه القضايا لتعميم الاتهام على مجتمع بأكمله هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، يتجاهل حقيقة أن الغالبية الساحقة من الصوماليين في مينيسوتا ملتزمون بالقانون ويعملون في مهن مختلفة، من الطب والتعليم إلى النقل والخدمات

الخوف الذي يتحدث عنه سعيد ليس من فراغ. فمنذ حادثة إطلاق النار في واشنطن العاصمة في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث قُتلت سارة بيكستروم (20 عاماً)، وهي مجنّدة في الحرس الوطني لولاية فيرجينيا الغربية، وأصيب الرقيب أندرو وولف (24 عاماً) بجروح خطيرة، كثّف ترامب وإدارته خطابهم وإجراءاتهم ضد المهاجرين.

المشتبه به الوحيد في إطلاق النار هو رحمن الله لكنوال (29 عاماً)، أفغاني دخل الولايات المتحدة عام 2021 ضمن برنامج «الترحيب بالحلفاء» الذي خُصص لإعادة توطين من تعاونوا مع القوات والوكالات الأميركية في أفغانستان. ورغم أن التحقيقات لم تُعلن بعد عن دافع واضح للجريمة، تحوّلت الحادثة إلى منصة لتبرير موجة جديدة من التشدد، يدفع ثمنها – مرة أخرى – مهاجرون لا علاقة لهم بالحادث، وفي مقدمتهم الصوماليون.

من حادثة في واشنطن إلى استهداف في مينيسوتا

لا يوجد أي دليل يربط بين الجريمة والصومال، لكن ذلك لم يمنع الرئيس من إعادة فتح ملف الجالية الصومالية. فخلال مكالمة عيد الشكر مع جنود أميركيين، قال ترامب إن الصوماليين «تسببوا بالكثير من المتاعب» للولايات المتحدة. وبعد أيام، في المكتب البيضاوي، وصف عمدة منيابوليس، جاكوب فراي، بـ«الأحمق» لأنه عبّر عن فخره بكون مدينته تضم أكبر تجمع للصوماليين في البلاد، متهماً الجالية بأنها «تدمّر مينيسوتا».

ترامب ذهب أبعد من ذلك بقوله إن: «هؤلاء الصوماليين أخذوا مليارات الدولارات من بلدنا»، قبل أن يهاجم النائبة إلهان عمر، ابنة الجالية الصومالية وعضوة الكونغرس عن ولاية مينيسوتا، قائلاً إنه: «لا ينبغي أن يسمح لها بأن تكون عضوة في الكونغرس» وأن عليها أن تغادر الولايات المتحدة. كما ادّعى أن الصومال «يُعتبر من قِبل كثيرين أسوأ بلد على وجه الأرض».

«بدلاً من استخدام سلطة الرئاسة لجمع شمل بلدنا، اختار الرئيس ترامب مهاجمة مجتمع مهاجرين أميركيين، الغالبية الساحقة منهم ملتزمون بالقانون وقدّموا مساهمات إيجابية عديدة للولايات المتحدة»

على الأرض، اتخذت إدارة ترامب خطوات عملية موازية لهذا الخطاب. ففي الأسبوع الماضي أعلنت إدارة خدمات الجنسية والهجرة الأميركية (USCIS) أنها ستعيد النظر في جميع بطاقات الإقامة الدائمة الصادرة لمواطنين من 19 دولة «موضع قلق»، من بينها الصومال. ومنذ الإعلان، تتردد تقارير غير مؤكدة عن عملية جديدة لوكالة الهجرة والجمارك تستهدف الصوماليين في منطقة منيابوليس–سانت بول، التي تضم – وفقاً لمكتب الإحصاء الأميركي – نحو 84 ألف شخص من أصول صومالية، ما يجعلها أكبر تجمع للجالية في الولايات المتحدة.

الاحتيال… ذريعة لتعميم الاتهام

لطالما استشهد ترامب بقضايا «فساد» و«احتيال» في مينيسوتا مرتبطة بأفراد من أصول صومالية، ليقدّمها باعتبارها نموذجاً على «خطر» المجتمع بأكمله. أبرز هذه القضايا ما يتعلق بمنظمة (Feeding Our Future) غير الربحية، التي وُجّهت إليها اتهامات بقيادة مخطط احتيال ضخم قُدّرت قيمته بنحو 300 مليون دولار، شمل أكثر من 70 متهماً.

كان البرنامج، الممول اتحادياً، يهدف إلى توفير وجبات للأطفال خلال جائحة كوفيد-19، لكن الادعاء الفيدرالي يقول إن بعض المتورطين قدّموا فواتير لوكالات في مينيسوتا مقابل وجبات لم تُقدَّم، واحتفظوا بالأموال لأنفسهم. في آب/أغسطس الماضي، حُكم على عبد العزيز شفيع فارح، المولود في الصومال، بالسجن 28 عاماً لدوره في القضية.

الولاية شهدت أيضاً ما وصفه مكتب المدعي العام الأميركي بـ«مخطط احتيال التوحّد». ففي أيلول/سبتمبر، وُجّهت إلى عائشة فرحان حسن تهمة الاحتيال عبر وسائل الاتصال، على خلفية دورها في مخطط بلغت قيمته 14 مليون دولار. وبحسب التحقيقات، استهدفت هذه العمليات برنامج «التدخل التنموي والسلوكي المبكر المكثّف»، وهو برنامج للصحة العامة في مينيسوتا، يقدّم خدمات ضرورية لمن هم دون 21 عاماً من المصابين باضطراب طيف التوحّد.

عائشة فرحان حسن نفسها متهمة أيضاً بالمشاركة في مخطط «إطعام مستقبلنا»، ما عزّز الانطباع بأن هذه القضايا ترتبط بشبكة أوسع. في بيان رسمي، قال مكتب المدعي العام الأميركي: «هذا ليس مخططاً معزولاً. من "Feeding Our Future" إلى خدمات استقرار السكن والآن خدمات التوحّد، تشكّل هذه المخططات الاحتيالية الضخمة شبكة سرقت مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب. كل قضية نرفعها تكشف خيطاً جديداً من هذه الشبكة. التحدي هائل، لكن عملنا مستمر».

مع ذلك، يؤكد قادة الجالية الصومالية أن توظيف هذه القضايا لتعميم الاتهام على مجتمع بأكمله هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، يتجاهل حقيقة أن الغالبية الساحقة من الصوماليين في مينيسوتا ملتزمون بالقانون ويعملون في مهن مختلفة، من الطب والتعليم إلى النقل والخدمات.

ردود سياسية مضادة: "مجتمع نابض بالحياة"

أثار الهجوم المتواصل على الصوماليين موجة ردود فعل سياسية. حاكم مينيسوتا تيم والتز، الذي خاض الانتخابات نائباً للرئيس إلى جانب كامالا هاريس في مواجهة حملة ترامب–فانس عام 2024، قال في مقابلة مع برنامج «ميت ذي برس» على شبكة «إن بي سي» إن الرئيس «يشيطن مجتمعاً كاملاً».

«نحن جزء من هذا البلد، ندفع الضرائب، نعلّم أبناءه، ونعمل في مستشفياته ومطاعمه. هذه ليست معركة الصوماليين وحدهم، بل معركة كل من يؤمن أن العدالة لا تقوم على الكراهية الجماعية»

وأضاف والتز: «هذا المجتمع يضم معلّمين وفنانين وأطباء ومحامين… إنهم يجلبون التنوع والطاقة إلى مكان مثل مينيسوتا». وأكد أن أي شخص يثبت تورّطه في قضايا احتيال يجب أن يحاسَب، لكنه شدد على أن «استهداف الصوماليين ككل أمر غير مقبول»، مشيراً إلى أنهم «أنشأوا مجتمعاً نابضاً بالحياة يجعل من مينيسوتا ومن هذا البلد مكاناً أفضل».

النائبة إلهان عمر، التي تقف في قلب هذه العاصفة السياسية، قالت لشبكة «سي إن إن» إن خطاب ترامب ضدها وضد الصوماليين مثال جديد على محاولته «البحث عن كبش فداء والتلهّي عن إخفاقاته هو نفسه».

كما أصدر عدد من النواب الديمقراطيين، من بينهم غريغوري ميكس من نيويورك وسارة جاكوبس من كاليفورنيا، والسيناتوران جين شاهين من نيوهامبشير وكوري بوكر من نيوجيرسي، بياناً مشتركاً أدانوا فيه تصريحات ترامب عن المهاجرين الصوماليين. وجاء في البيان: «بدلاً من استخدام سلطة الرئاسة لجمع شمل بلدنا، اختار الرئيس ترامب مهاجمة مجتمع مهاجرين أميركيين، الغالبية الساحقة منهم ملتزمون بالقانون وقدّموا مساهمات إيجابية عديدة للولايات المتحدة». ووُصف خطاب ترامب بأنه «عنصري ومعادٍ للأجانب، ولا يمكن القبول به».

"هذا بلدنا أيضاً"

بالعودة إلى ساحة الاحتجاج قرب المطار، كانت الرسالة التي أراد الصوماليون ومؤيدوهم إيصالها واضحة: لن نقبل بأن نُختزل في صور نمطية أو أن نُحمَّل مجتمَعاً مسؤولية جرائم قلة من الأفراد.

إمام مسجد محلي، قاد المصلين في صلاة قصيرة على هامش التجمع، قال للحضور: «نحن جزء من هذا البلد، ندفع الضرائب، نعلّم أبناءه، ونعمل في مستشفياته ومطاعمه. هذه ليست معركة الصوماليين وحدهم، بل معركة كل من يؤمن أن العدالة لا تقوم على الكراهية الجماعية».

في شتاء مينيسوتا القارس، ربما تبدو أصوات المحتجين صغيرة مقارنة مع المنابر التي يمتلكها الرئيس. لكن بالنسبة لكثيرين من أبناء الجالية الصومالية، مجرد الوقوف في العلن والقول «هذا بلدنا نحن، لا بلده» هو خطوة ضرورية للدفاع عن مكانهم في البيت الذي اختاروه وطناً ثانياً.