الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
في خطوة مفاجئة، نجحت حكومة ولاية بونتلاند في حسم نفوذ الحكومة الفيدرالية داخل الولاية، الذي كانت مقديشو تسعى إلى تكريسه خلال الفترة الأخيرة في سياق الأزمة السياسية الراهنة في البلاد، إثر شنّها حملة عسكرية ضد القوات التي تدّعي ولاءها للحكومة الفيدرالية، وتنتشر في مناطق مختلفة من الولاية، ما أسفر خلال فترة قصيرة عن تحقيق الولاية انتصارات سريعة على الأرض، بفعل انهيار صفوف تلك القوات.
لم يكن متوقعًا أن تحدث هزيمة القوات المرتبطة بالحكومة الفيدرالية في بونتلاند بهذه السرعة، بالنظر إلى وجودها في مناطق مختلفة من الولاية، فضلًا عما كان يُنظر إليه من تمتعها بحواضن قبلية في تلك المناطق، لكن مجريات الأحداث أظهرت وجود عوامل أخرى لم تضعها مقديشو في حساباتها منذ البداية، كان لها تأثير حاسم في تسريع انهيار هذه القوات وإنهاء النفوذ الفيدرالي في الولاية.
بعد أيام من التحشيد العسكري في مدينة غالكعيو، شنت حكومة الولاية، في 05 أغسطس/ آب الجاري، هجومًا على معسكر قوات PSF، وهي الوحدة الخاصة لمكافحة الإرهاب التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة قبل توقف هذا الدعم، ثم تمردت على حكومة الولاية وأعلنت ولاءها للحكومة الفيدرالية، وتمكنت من اقتحام المعسكر بعد ساعات من الاشتباكات والقصف المتبادل بين الجانبين، ما أدى إلى انقسام عناصر القوة بين مستسلم ولاذ بالفرار. تلاه في اليوم التالي انسحاب القوة من معسكرها الآخر في مدينة بوصاصو، قبل أن تسيطر عليه قوات الولاية، مما عكس اختفاءها شبه الكامل من المشهد الأمني في الولاية.
لم تكن هذه المواجهة هي الأولى بين قوات PSF وقوات الولاية، إذ يعود الصراع بينهما إلى عام 2021، إثر خلاف نشأ بعد إقالة رئيس الولاية، سعيد عبد الله دني، قائد القوات آنذاك، محمود عثمان عبدالله، الذي اعترض على قرار إقالته، ما أدى حينها إلى اندلاع مواجهات شرسة في مدينة بوصاصو، لتعمل القوات منذ ذلك الحين خارج سلطة قيادة الولاية.
فقوات PSF لم تكن وحدها من ادّعى الولاء للحكومة الفيدرالية في مناطق الولاية، إذ كانت هناك نحو أربع فصائل أخرى ذات طابع عشائري، منفصلة عن بعضها البعض، تتمركز في عدد من المناطق والمدن، من بينها غارووي في محافظة نغال، وعرمو في محافظة بري، وغالكعيو وجلدغب في محافظة مدغ، وهي مناطق تقطنها العشائر التي تنحدر منها هذه الفصائل، ويُنظر إليها باعتبارها تتمتع فيها بحواضن قبلية.
إن نجاح الولاية في احتواء هذه القوات بأقل قدر من المواجهات لا يمثل انتصارًا عسكريًا فحسب، بل يمثل من منظور حكومة بونتلاند، إغلاقًا للطريق الذي قد يوصل الحكومة الفيدرالية إلى مناطقها
فتح هذا الانتصار السريع شهية حكومة الولاية للمضي قدمًا في مواجهة القوات الأخرى المماثلة، ما أدى إلى تضييق الخناق عليها، قبل أن يتدخل وجهاء العشائر والسياسيون الموالون لقيادة الولاية لاحتواء الموقف، ودفع تلك القوات إلى التخلي عن ادعائها الولاء للحكومة الفيدرالية، والتنازل عن المستحقات التي كانت تتلقاها منها، مقابل ترتيبات تتيح لها إعادة الاندماج في قوات الولاية، وتسوية أوضاعها المالية، وتلقي رواتبها المستحقة من حكومة الولاية.
وافقت معظم تلك القوات على طلب حكومة الولاية بالخضوع لسلطتها، والتخلي عن أي التزامات أو ولاءات تجاه الحكومة الفيدرالية، في حين رفضت بعضُها ذلك. لكنها اضطرت إلى مغادرة حدود الولاية والتوجه إلى مناطق في ولايتي غلمدغ والشمال الشرقي، المحاذيتين لبونتلاند.
استندت حكومة الولاية في قرار هجومها على القوات إلى اتهام الحكومة الفيدرالية بالعمل على إضعاف الولاية، وتقويض استقرارها من خلال توظيف تلك القوات، ضمن ما اعتبرته خطةً تستهدف تقويض النظام الفيدرالي في البلاد، وإعادتها إلى نظام مركزي، وهو ما نفته الحكومة الفيدرالية مرارا، مؤكدة حقها في تجنيد القوات الفيدرالية في كافة أنحاء البلاد، دون الانصياع أو انتظار موافقة من أحد.
بذلك، فإن نجاح الولاية في احتواء هذه القوات بأقل قدر من المواجهات لا يمثل انتصارًا عسكريًا فحسب، بل يمثل من منظور حكومة بونتلاند، إغلاقًا للطريق الذي قد يوصل الحكومة الفيدرالية إلى مناطقها، والحيلولة دون بناء نفوذ أمني وسياسي فيها يمكن توظيفه لاحقًا لتقليص تأثير قيادة الولاية في المشهد السياسي الفيدرالي، وفرض نمط من التبعية السياسية والأمنية يتيح لمقديشو التأثير في قراراتها، على غرار ما هو قائم في معظم الولايات الأخرى في البلاد.
في ظل ما سبق، تجاوزت المسألة بالنسبة إلى حكومة الولاية مجرد احتواء قضية أمنية داخلية تهدد استقرارها، لتتحول إلى قضية تمس وجودها ونفوذها السياسي؛ وهو ما انعكس في ترحيب الشارع في الولاية بهذه الخطوة والاحتفاء بها، لما تعنيه من قطع الطريق أمام أي مسار قد يفضي إلى ترسيخ نفوذ أمني وسياسي للحكومة الفيدرالية داخل بونتلاند، بما قد يمنح مقديشو قدرة أكبر على التأثير في قرارها السياسي والهيمنة على توجهاته.
على الرغم من أن الصراع على النفوذ بين مقديشو وغارووي ليس مستحدثًا، بل يعود إلى نشأة النظام الفيدرالي، فإنه ظل لفترة طويلة محصورًا في الأدوات السياسية، من خلال تبادل الاتهامات بالتدخل في صلاحيات الطرف الآخر، وتبادل اللوم بشأن التسبب في الأزمات والخلافات، إلا أن هذه المرة بدت مختلفة، مع انتقال الحكومة الفيدرالية إلى خطوات عملية لبناء نفوذ ونسج ولاءات داخل مناطق الولاية، عبر احتضان سياسيين معارضين لحكومتها، واستقطاب مجموعات مسلحة ذات طابع عشائري.
لكن مكمن الخطأ في حسابات الحكومة الفيدرالية لم يكن في محاولة بناء هذا النفوذ بحد ذاتها، بقدر ما تمثّل في طريقة إدارته وتنفيذه؛ إذ إن القوات التي أعلنت الحكومة الفيدرالية التكفّل برواتبها، وإلحاقها بهيكل الجيش الفيدرالي لم تُبنَ وفق تصور عسكري ومؤسسي واضح. كما لم تسبق عملية استقطابها خطوات كافية لإعادة تأهيلها وتنظيمها ودمجها في قوة واحدة ضمن هيكل قيادي موحّد.
لم تكن قوات PSF وحدها من ادّعى الولاء للحكومة الفيدرالية في مناطق الولاية، إذ كانت هناك نحو أربع فصائل أخرى ذات طابع عشائري، منفصلة عن بعضها البعض، تتمركز في عدد من المناطق والمدن
بدلًا من القيام بذلك، اعتمدت مقديشو على إدارة تلك القوات من خلال سياسيين وشخصيات معارضة لحكومة الولاية، من دون العمل على دمجها في قوة واحدة، أو وضع تصور واضح لطبيعة مهامها وآلية عملها، أو تحديد مركز قيادي موحّد ومناطق انتشارها، مما جعل العلاقة معها تقتصر على توفير الرواتب، وأبقى ولاءاتها موزعة بين اعتبارات سياسية وعشائرية ومحلية، بدل أن تتحول إلى قوة عسكرية موحدة ومرتبطة فعليًا بالقيادة الفيدرالية.
بدا أن مقديشو راهنت على أن مجرد توفير الرواتب ومنح الانتماء الفيدرالي لفصائل ذات خلفيات عشائرية سيكون كافيًا لضمان ولائها وترسيخ نفوذها داخل الولاية، لكن هذا الرهان سرعان ما ثبت فشله عند لحظة المواجهة، التي اعتبرتها حكومة الولاية اختبارا لقدرتها على منع ترسيخ النفوذ الفيدرالي داخل مناطقها والحفاظ على نهجها المتسم بالتحدي والمواجهة مع مقديشو.
بذلك، لم تكتفِ حكومة بونتلاند بمواجهة التحرك الفيدرالي ميدانيًا، بل عملت أيضًا على بناء سردية سياسية تقوم على توظيف العامل القبلي في مواجهة الحكومة الفيدرالية؛ إذ روّجت عبر المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، لرواية مفادها أن الرئيس حسن شيخ محمود يستهدف بونتلاند على أساس قبلي، وأنه يسعى إلى إثارة الفوضى الأمنية والسياسية فيها، مع اتهام السياسيين المنحدرين منها والمواليين له بالخيانة والتواطؤ للإضرار بالولاية.
أسهمت هذه السردية في حشد تأييد شعبي لحكومة الولاية، مستفيدةً من الحساسية القبلية وتوظيفها سياسيًا في مواجهة الحكومة الفيدرالية، ما أتاح لها تقديم تحرك مقديشو باعتباره تهديدا وجودي للولاية، وليس مجرد محاولة لبناء نفوذ سياسي وأمني داخلها.
راهنت مقديشو على أن مجرد توفير الرواتب ومنح الانتماء الفيدرالي لفصائل ذات خلفيات عشائرية سيكون كافيًا لضمان ولائها وترسيخ نفوذها داخل الولاية، لكن هذا الرهان سرعان ما ثبت فشله عند لحظة المواجهة
فعدم تأهيل هذه القوات وتنظيمها ضمن هيكل قيادي موحّد، والإبقاء عليها في شكل فصائل ذات طابع عشائري، إلى جانب عدم أخذ العامل القبلي في الولاية بالاعتبار، لما لهذا العامل من أهمية بالغة في تحديد طبيعة العلاقة مع مقديشو، لا سيما في ظل انتماء الرئيس الفيدرالي إلى عشائر الهوية ذات التنافس التقليدي مع عشائر دارود، التي تشكل غالبية سكان بونتلاند، كانت جميعها عوامل أسهمت في إفشال رهان الحكومة الفيدرالية ومنحت حكومة الولاية أفضلية في إدارة الصراع وحسمه لصالحها.
في سياق الصراع الممتد بين الطرفين منذ نشأة النظام الفيدرالي، يبرز التناقض بين خطاب الولاية وممارستها؛ فمن جهة، تشتكي من تجاوز الحكومة الفيدرالية لصلاحياتها ومخالفة مقتضيات النظام الفيدرالي، لكنها من جهة أخرى تتجاوز هي نفسها حدود الصلاحيات الممنوحة للحكومة المركزية بموجب الدستور الفيدرالي، بما في ذلك الدفاع وإدارة الجنسية والعلاقات الخارجية، وهي اختصاصات تقتضي وجودًا فعليًا للحكومة المركزية ومؤسساتها على الأرض.
تتضح المفارقة بصورة أكبر في أن الخطاب السياسي للولاية يقوم على التمسك بالعضوية في النظام الفيدرالي، بينما تختلف ممارستها العملية عن ذلك؛ إذ تتصرف كما لو كانت كيانًا مستقلًا عن السلطة المركزية، من خلال رفض وجود مؤسسات أو قوات تابعة للحكومة الفيدرالية داخل مناطقها، ومنع القيادة الفيدرالية من زيارة تلك المناطق أو ممارسة بعض مهامها فيها. ولا يقتصر هذا الموقف على الفترات التي تشهد خلافات سياسية بين الطرفين، بل يمتد أيضًا إلى فترات الهدوء وعدم وجود خلافات معلنة.
بذلك، يبدو أن الخلل لا يقتصر على التباين في تصور كلٍّ منهما لطبيعة الدولة الفيدرالية وحدود سلطة المركز، وإنما يرتبط أيضًا بعدم التوافق بين خطاب الولاية وممارستها العملية على الأرض؛ إذ تنظر الولاية إلى السلطة الفيدرالية بوصفها إطارًا مشتركًا لها فيه حصتها ودورها في تقرير المصير، بينما تنظر إلى شؤونها الداخلية باعتبارها شأنًا خاصًا بحكومتها، لا يحق للحكومة المركزية ممارسة صلاحياتها فيه إلا بالقدر الذي تقبله الولاية.
في ظل هذا التباين، تبدو فرص احتوائه وإقناع الولاية بالالتزام بحدود صلاحياتها، وفتح المجال أمام الحكومة الفيدرالية لممارسة اختصاصاتها، محدودة للغاية؛ إذ تسهم بنية النظام السياسي القائم في البلاد في ترسيخ هذا النهج واستمراره، بما يجعل تجاوز هذا الخلاف أو احتواؤه مرهونًا بإحداث تغييرات سياسية جذرية في البلاد، وهي تغييرات لا تلوح أي مؤشرات عليها في المشهد السياسي الراهن.
مع بلوغ العلاقة بين الطرفين ذروة الانهيار بفعل المواجهة العسكرية التي دارت بينهما، في ظل الإشكالات المتراكمة التي حكمت صراعهما على مدى سنوات، يبدو أن الخلاف يتجه نحو مزيد من التصعيد، فيما قد تظل فرص التهدئة أو التوصل إلى تسوية، في المدى القريب، رهينة بخروج أحد النظامين في مقديشو أو غارووي من السلطة. غير أن مثل هذا التغيير، حتى إن أسهم في تحقيق تهدئة مؤقتة، لن يكون كافيًا لمعالجة جذور الخلاف؛ إذ إن استمرار الصراع بهذه الصورة لن يقتصر ضرره على العلاقة بين الطرفين، بل سيقوّض أيضًا مسار بناء مؤسسات الحكم الفيدرالي وترسيخ أسس الدولة الفيدرالية في البلاد.