الجمعة 6 مارس 2026
مع أول إشراقة للشمس يستقبل الشاطئ أشخاص من مختلف الفئات العمرية، حاملين بداخل ذاكرتهم صورا غير لطيفة لأحداث حصلت في المكان نفسه الذي يقفون به الآن، ولا يفشل البحر كعادته بمحو الآثار، يرقص الموج مع صوت العصافير المغردة واللون الأصفر الذهبي يترك أثرا على الوجوه التي تتعطش للنسيان أكثر من أي شيء آخر، طعم الملح غير مخفي مع الرذاذ الرقيق الذي يقبل الصباح بنور جديد على أمل أن تمحى الذكرى غير المرحب بها.
وهنا تنفجر العدمية ضد الحساسية الشديدة كأنني أشعر بأني أبالغ من قيمة الحياة، والآن بعد كل تلك الذكريات لا شيء مهم لهذه الدرجة. إذا كيف نوفق ما بين الشعور بالعدمية وبين وجوديتك الحامية، والتي لا يمكن مغادرتها بتوقيتك الخاص إلا في حال كنت سوداوياً ميالاً للانتحار، وقمت بتلك الخطوة، أو أنك شارفت على ذلك.
لكن المنتحر بالنسبة لي يشعر بأهمية إنهاء الحياة، بأن هناك حدثاً يستحق أن يرتقي لمستوى الفعل، أما أنا "المتفرج المهرج" فلا أجد جدوى من إنهاء الحياة، ليس لأسباب دينية واجتماعية وحسب، إنما لا أرى قيمة أو معنى في الشروع بالانتحار. لأنك توافق بذلك طرديا بأن المعنى سوف ينبثق تلقائيا بعد الموت، مغادرا الحياة التي سلبتك الأريحية واللذة التي بحثت عنها، وضاعت منك حتى قادتك نحو الموت.
ما هي العدمية؟ هل هي حالة يتبناها جبان ما يخشى خوض غمار الحياة، فيقنع الأنا المزيفة بأن لا شيء مهم إطلاقا! ربما لأن الذي يخشى الحياة يرفع كثيراً من قدر نفسه، ويرى الجميع أقل قدراً؛ وبذلك العدمي يحمل عكس ذلك الشعور. في عدميتي أنا "المهرج" لا أراني غير مهم ولا الآخرين أيضا، إنما الحياة بما فيها من أحداث ووقائع لا تهم كثيراً. ذنب من هذا؟ هذا ذنب الأولين الذين بالغوا كثيرا في تقدير الحياة، وأعطوها حجماً أكبر من ما هي عليه في واقع الأمر، أو أنها الأحداث التي خنقتنا رويدا رويدا لنصل بالواقع لمكان أقل من العيش وأكثر من العدم.
أنت وأنا "المتفرجون" تحت البحر، لا موج يرمي بك ولابي، لا رمل يلامس قدميك، ولا قدمي لا غرق يهددنا.
الحياة التي أغادرها ليست مهمة، لكن الحياة التي سأغادر لها شديدة الأهمية لدرجة أني أرفض الذهاب لها وحدي، ولست أنتظر قراركم أيها السادة لقبول طلب المجيء، إنما القرار لي وحدي بحتمية المغادرة معا كجماعات، وليس فردا فردا
معا نهبط في أعماق البحر، ونمشي مع الماء حيث يكون، لا يصدمنا شيء، لا يخيفنا الغياب، لا يهزنا الموت، ولا نكترث حتى لكل شيء سبق، وإن كان يوما ما مهماً.
هل هذه الحقيقة، أم أنه مجرد أثر جانبي للحرب وللموت الذي يختطف المحيطين بنا دون سابق إنذار، وبطريقة ما تتحول فاجعة الموت لعدة فواجع: مات بانفجار، مات مغادرا المقهى، مات ماراً بجانب الشارع، مات وهو يستمع لموسيقى الراب أمام البحر معتقدا بأنها ليلة للتخفيف عن ما لا يمكن الحديث عنه معبرا بالرقص والمشي، مات لأنه كان قريبا، ووصلته رصاصة طائشة، مات لأن سيارة ما محملة بالمتفجرات داست فوقه لتعجنه في أرضية الشارع؛ لأن سائق تلك السيارة متعطش لأخذ المزيد معه، وكأنه يقول الحياة التي أغادرها ليست مهمة، لكن الحياة التي سأغادر لها شديدة الأهمية لدرجة أني أرفض الذهاب لها وحدي، ولست أنتظر قراركم أيها السادة لقبول طلب المجيء، إنما القرار لي وحدي بحتمية المغادرة معا كجماعات، وليس فردا فردا.
جان بول سارتر وهو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي بدأ حياته العملية أستاذا، ودرس الفلسفة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، حين احتلت ألمانيا النازية فرنسا، يؤمن بأن الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا، وأنه ما أن يُلقَى به في هذا العالم، حتى يكون مسؤولا عن كل ما يفعله. لا أعتقد أن الذي ترك منزله، وأقام جنازة لمجموعات مدرك لتلك الحرية، والاختيارية التي تسير عليها قوانين الطبيعة، وسارتر بنفسه شهد عصرا يتفشى به الاحتلال تفشي الطاعون.
كيف هو شكل الحياة قبل ذلك الحدث؟ ما أسلط الضوء عليه هو الحدث الذي أدى بهذا العدم أن يكبر ويتوسع أكثر ليغلق جميع مسامات الحساسية، ويقتل فرط الشعور والباقي من الإحساس حتى الذي يكون إنسانيا وشديد الواقعية يتلاشى مع الوقت؛ لأنه يصبح عبئاً ثقيلا يصعب المضي قدما مع وجوده.
كيف نتقدم في غمار الحياة، ونخوضها بروح تحمل معنويات عالية مع شبح الموت الذي يقف في كل زاوية، ويترك لونا أحمر يصعب تجاهله؟
فكيف هي الحياة لبائعة البطاطس في سوق بكارا، والتي لا تمتلك ثمن إيجار المحل، وتضع بسطتها فوق الشارع المزدحم بالمارة والسيارات، وفي الغالب الدراجات ثلاثية الدفع، والتي لا تحترم الأولوية ولا النظام، ولا يهم سائقوها سوى الوصول للتخلص من الراكب لأخذ راكب آخر مفكرا بعدد الدولارات قبل أي شيء، تلك المرأة التي تبيع وسط تلك الفوضى الخطرة مدافعة عن مساحتها في الشارع، ومتأهبة للشجار في حال حاولت زميلتها التوسع في مكانها الذي عادة يكون لها وحدها، بيد تمد للمشتري أغراضه واليد الأخرى تحرس الهاتف النقال، وبنظرة سريعة تتأكد من الرسالة التي تحمل فاتورة الدفع (maxaa u dambeeya ).
تستفسر عن الرقمين الأخيرين لمرسل المبلغ، وتومئ بأنها استقبلت، رجلاها الاثنتين كل واحدة تقوم بعمل منفصل عن الأخرى؛ واحدة تمسك بطرف أحد الأغراض، والأخرى تراقب توازنها فوق الكرسي، والذي يكون عادة عبارة عن كيس رملي متجهم. كيف هي الحياة بالنسبة لها، وقد فقدت ثلاثة أعزاء خلال سنة، ولا تمتلك زوجا؛ لأنها تعد الزواج من الرفاهيات، والسبب انشغالها بعملية تربية الأبناء لترسلهم إلى المدرسة، نفسها تلك الحافلة هي حافلة المدرسة التي تضررت من إثر الشظايا التي تطايرت من الانفجار.
وكيف هي حياة سائق ذلك الباص؟ ترك زوجته في هذا الصباح وهي غاضبة منه لنقص في المصروف. ليس لأنها جاحدة، لكنها أخبرته بحزم بأن المصروف اليومي لم يعد كافيا، وصاحب محل الجملة القريب منهم لم يعد صبورا عليها، ويريد رد الدين في أسرع وقت ممكن. لذلك هو يسوق الباص في الظهرية منتظرا الانتهاء من الطلبة، ليعمل أيضا كسائق مواصلات عامة بعد انتهاء عمله مع طلاب المدرسة.
وكيف هي حياة طالب الثانوية الذي توا عرف بأنه معجب بإحداهن، وهو غير مدرك لأبعاد هذا الشعور، ولا ماهية الحب. كل ما يعرفه بأن إحداهن أصبحت ببساطة محور اهتمامه كله، وأنه ينتبه لها في كل حركة، وكل تفصيلة لها تجعله متحمسا أكثر من اللازم.
أخبرتك بأني متفرج. مهرج لا يحمل معه سوى الفتات من الشعور؛ لأن رصيده تجاه ما يحدث أصبح أقل حساسية. لم يعد هذا المهرج يتابع الأخبار، ويمر على الطرقات والشوارع واضعا سماعاته، ولا يفكر إلا بشيء واحد، متى ينتهي كل شيء؟ مع ذلك كيف للحياة أن تنتهي قبل أن تبدأ؟ ولسان حالهم جميعا بأنها أقدار، وليست باليد، ولم يخترها أحد، ولا سلطة لنا في تغيير شيء.
ألبير كامو وهو فيلسوف عبثي وكاتب مسرحي وروائي فرنسي يعتبر الانتحار مشكلة فلسفية، وترى ملامح الثورة ظاهرة بجلاء في مؤلفاته وتوجهه الفكري حيث أول مسرحية كتبها بمشاركة مجموعة أصدقاء وموضوعها: "ثورة عمال المناجم" (1936).
توافق بذلك طرديا بأن المعنى سوف ينبثق تلقائيا بعد الموت، مغادرا الحياة التي سلبتك الأريحية واللذة التي بحثت عنها، وضاعت منك حتى قادتك نحو الموت
أما أنا "المهرج" أرى انتحار الحساسية الشعورية مشكلة وجودية تستحق أن تُشعَلَ حربٌ من أجلها؛ لأن الأمر أبعد من الأرقام والأمل الزائف في الصور الملونة، ومن الأبنية التي يعاد بناؤها والمقاهي الجديدة التي ترتفع بتجارتها لتزين داخلها بديكور راق يدل على الجودة والثمن المرتفع الذي لا شك بأن صاحب المقهى قد دفعه، بالإضافة لما سيربحه أيضا وهو ثمن ليس منخفضا بلا أي شك.
القصة ليست في المجمعات التجارية التي توفر لنا احتياجات أساسية في العالم الأول ونحن نراها لأول مرة، وفي المعلبات التي لا نعرف ما هي محتوياتها ولا حقيقة تاريخ صلاحيتها المرقم أدنى العلبة، ولا في محلات الماركات التي تحاول إصلاح الذوق العام في الملابس، ولا العمارات والشقق المجهزة بكاميرات مراقبة، ولا الحدائق وأماكن الراحة التي ندفع لها ثمنا للتدليك وآخر للاسترخاء، لعلها تزيل شيئاً يصعب التخلص منه.
كل ذلك الترميم الخارجي ليس قادرا على إخفاء الآثار الجانبية للحرب، في الوجوه ترى تعبا دائما خطوط عميقة في الجبين، في الأعين ترى تشتتا وقلة تركيز واليدين الباردة تحمل توترا واضحا، والأسوأ من كل ذلك قابلية الفرد لتحمل الحياة أو حالات الضغط التي تكون قصيرة الأمد، فجأة ينفجر هلع أكبر من الموقف، وكأنك ضغطت سهوا على زر لينفجر بعدها فيض هائل من المخاوف.
فبينما كان الإنسان واقفا أمامك بنظرات مشتتة ووجه بارد يسقط ظهره، وتقع يداه وحدها، ويندفع صدره نحو الأرض من موقف بسيط وعابر يتفكك كل جزء في جسده، ليأخذ منه وقتا وجهدا ضخما ليعيد بناء الصورة الضحلة التي يحسب أنها سبب نجاته.
في نهاية الأمر كامو يرى أن التساؤل عن الحياة، وما إذا كانت تستحق العيش هو الأساس. بالنسبة له الحل هو القبول بعبثية الحياة والاستمرار رغم ذلك، فهل نتفق معه، بالرغم من هذه الآثار الجانبية؟
ما يصعب هضمه بالنسبة للكثير من اليافعين هو كيف نتقدم في غمار الحياة، ونخوضها بروح تحمل معنويات عالية مع شبح الموت الذي يقف في كل زاوية، ويترك لونا أحمر يصعب تجاهله؟ كيف نحمل حماسة التنافس على الصفوف الدراسية، بينما الكرسي المجاور يحمل اسم فقيد ما كان حاضرا في الأمس؟ وكيف نحمل أجسادنا على الركض مسافات طويلة، بينما نمر من جنب الأنقاض؟ وكيف نحافظ على توقيت اللقاءات بينما ندرك بأن، أحدنا نجا لأنه تأخر على الموعد عشر دقائق؟ كيف نشارك الأفكار الإبداعية في العمل، وقد تحطمت شبابيك الشركة إثر آخر انفجار، والآن يتم إعادة ترميم المكتب وأجهزتنا تتذكر كل شيء؟ كيف تعود الحياة مع الإدراك بكل ثانية بأن الموت أقرب من أي شيء آخر؟